انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني.. بين التأجيل وإعادة ترتيب البيت الداخلي

وسط تصاعد المخاوف من عودة حماس

الرائد : تعود الانتخابات التشريعية الفلسطينية إلى واجهة المشهد السياسي في توقيت بالغ الحساسية، بعدما أعلن أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب استبعاد إجراء الانتخابات المقررة في 28 نوفمبر الثاني المقبل، داعيًا إلى حوار وطني فلسطيني يسبق العملية الانتخابية.

وجاء ذلك في وقت تؤكد فيه لجنة الانتخابات المركزية استمرار الاستعدادات الفنية، ونشر سجل الناخبين، والتحضير لمراحل الترشح والدعاية والاقتراع ومواعيد الاقتراع كما حددها المنشور الصادر عن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس .

ويفتح هذا التناقض بين المسار الفني الذي تمضي فيه لجنة الانتخابات وبين الرسائل السياسية التي تتحدث عن احتمال التأجيل الباب أمام سؤال جوهري: هل تخشى السلطة الفلسطينية من نتائج الانتخابات، ولا سيما احتمال عودة حماس إلى المؤسسات التشريعية، أم أن هناك أسبابًا أكثر تعقيدًا تتعلق بوحدة النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل السلطة نفسها؟

الخوف من عودة  حماس

وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل العامل الانتخابي في حسابات السلطة وفتح. فالانتخابات التشريعية تعني بالضرورة فتح الباب أمام قوى سياسية مختلفة، وفي مقدمتها حماس، التي أعلنت استعدادها للمشاركة في انتخابات نوفمبر.

وتزداد حساسية هذا الاحتمال بسبب تجربة انتخابات 2006، التي فازت فيها حماس بأغلبية برلمانية، قبل أن يدخل النظام السياسي الفلسطيني في صراع وانقسام انتهى بسيطرة الحركة على قطاع غزة وانقسام المؤسسات بين الضفة والقطاع.

لذلك فإن إجراء انتخابات جديدة من دون اتفاق سياسي مسبق قد يحمل في نظر السلطة خطر إعادة إنتاج الأزمة القديمة، ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا بسبب الحرب والانقسام والجغرافيا السياسية الجديدة التي تشكلت بعد السابع من أكتوبر.

لكن اختزال موقف السلطة في الخوف من فوز حماس قد يكون تبسيطًا للمشهد. فالسلطة تواجه أيضًا سؤال الشرعية نفسها، ومدى قدرتها على إدارة انتخابات في ظل الاحتلال، والانقسام الجغرافي، وعدم وضوح آليات إجراء الاقتراع في غزة والقدس، وهي تحديات سبق أن عطلت العملية الانتخابية في مراحل سابقة.

الإصرار على الحوار قبل الانتخابات

وتأتي دعوة امين سر حركة فتح جبرياالرجوب إلى حوار وطني تعكس على الأرجح رغبة فتح في منع تحول الانتخابات إلى مجرد منافسة بين القوائم والفصائل، من دون معالجة السؤال الأكبر: من يمثل الفلسطينيين، وما شكل النظام السياسي الذي سيحكم المرحلة المقبلة؟

فبعد السابع من أكتوبر، لم يعد الخلاف الفلسطيني الداخلي مجرد خلاف على مقاعد المجلس التشريعي فالقضية أصبحت مرتبطة بمستقبل غزة، ودور السلطة، وموقع حماس في النظام السياسي، والعلاقة مع إسرائيل والمجتمع الدولي، ومن يملك قرار الحرب والسلام وإعادة الإعمار.

ومن هنا يمكن فهم مطالبة الرجوب بمحاسبة المسئولين عن أحداث السابع من أكتوبر باعتبارها جزءًا من محاولة إعادة صياغة المشهد السياسي الفلسطيني، وليس فقط تأجيل الانتخابات. غير أن إدخال ملف المحاسبة في العملية الانتخابية يحمل مخاطرة كبيرة؛ لأنه قد يحول الانتخابات من وسيلة لتجديد الشرعية إلى ساحة لتبادل الاتهامات وتصفيات الحسابات السياسية.

الفصائل والتأجيل

وبدورها تبنت  العديد من الفصائل الفلسطينية موقفا معارضا  لسياسة التأجيل، انطلاقا منان  استمرار تأجيل الانتخابات يعني استمرار الوضع السياسي القائم من دون تجديد للشرعية الشعبية. وهذه الحجة تكتسب قوة خاصة بعد سنوات طويلة لم يشهد خلالها الفلسطينيون انتخابات تشريعية عامة.

كما أن استمرار التأجيل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: بدل أن يكون الحوار الوطني مقدمة للانتخابات، يتحول الحوار نفسه إلى ذريعة مفتوحة لتأجيلها.

وتدرك الفصائل أن الانتخابات ليست مجرد عملية إجرائية، وإنما يمكن أن تمنح القوى الفلسطينية فرصة لقياس حجمها الحقيقي داخل الشارع، وإعادة تشكيل التحالفات، وإنتاج قيادة أكثر قدرة على التفاوض باسم الفلسطينيين.

واللافت أن لجنة الانتخابات نفسها تواصل استعداداتها، إذ أعلنت في سبتمبر/أيلول استمرار أنشطتها في قطاع غزة، إلى جانب نشر سجل الناخبين والإجراءات المتعلقة بالترشح

إعادة ترتيب البيت الفلسطيني

وهنا يطرح تساؤل نفسه ويتمثل في هل تنجح هذه الانتخابات في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني  والإجابة هنا قد تكون نعم ، ولكن بشرط أساسي: أن تكون الانتخابات جزءًا من صفقة سياسية فلسطينية شاملة، وليس مجرد اقتراع منفصل.

فالانتخابات يمكن أن تعيد بناء المجلس التشريعي على أساس جديد، وتفتح الباب أمام دخول قوى وشخصيات سياسية جديدة، وتمنح الشباب والمستقلين فرصة أكبر، كما يمكن أن تضع حدًا لاحتكار القرار السياسي من جانب طرف واحد.

والأهم أنها قد تكون مدخلًا لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أساس شرعية انتخابية، بدل استمرار حالة الانقسام بين مؤسسات السلطة في الضفة وحكم حماس في غزة.

لكن الخطر يكمن في إجراء الانتخابات من دون اتفاق على قواعد اللعبة. فإذا فازت حماس أو حققت نتائج كبيرة ورفضت الأطراف الأخرى التعامل معها، فقد تتكرر الأزمة القديمة. وإذا جرى استبعادها أو تقييد مشاركتها، فقد تفقد الانتخابات جزءًا مهمًا من شرعيتها السياسية.

معركة الشرعية

ومن هنا ، يبدو أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول موعد الانتخابات، وإنما حول من يمتلك حق تحديد مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

فحركة فتح تخشى أن تتحول الانتخابات غير المنضبطة سياسيًا إلى بوابة لنتائج لا تستطيع التحكم في تداعياتها، بينما ترى الفصائل الأخرى أن استمرار التأجيل يعني بقاء الوضع القائم وإغلاق الطريق أمام التغيير.

لذا فإن  الانتخابات، إذا جرت في موعدها، قد تكون بالفعل فرصة تاريخية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، لكنها لن تنجح وحدها في إنهاء الانقسام. المطلوب هو توافق مسبق على احترام النتائج، وقبول التعددية، وتوحيد المؤسسات، وتحديد قواعد إدارة المرحلة المقبلة.

أما استمرار التأجيل من دون موعد واضح، فقد يفاقم أزمة الثقة بين السلطة والفصائل والشارع الفلسطيني. ولذلك فإن أخطر سيناريو ليس فوز هذا الطرف أو ذاك، وإنما أن تتحول الانتخابات نفسها إلى ضحية جديدة للانقسام الفلسطيني

اترك تعليقا