الهند.. الأوقاف والمساجد في مرمى صراع الهوية والحقوق

بالتزامن مع حملات هدم وإزالة

تدخل قضية المؤسسات الدينية والمجتمعية الإسلامية في الهند مرحلة أكثر حساسية، مع تصاعد الجدل حول قانون تعديل الأوقاف لعام 2025، بالتزامن مع حملات هدم وإزالة طالت مساجد ومزارات ومدارس دينية ومصليات عيد ومقابر في عدد من الولايات التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا.

وتقول السلطات الهندية إن هذه الإجراءات تستهدف مباني غير مرخصة أو منشآت مقامة على أراضٍ حكومية أو تابعة للسكك الحديدية والغابات والبلديات، وتنفي أن يكون الدين أو الانتماء الطائفي معياراً في تنفيذ القانون. لكن منظمات إسلامية وأحزاب معارضة ومراقبين يرون أن تكرار هذه العمليات واتساع نطاقها يثيران تساؤلات بشأن المساواة في تطبيق القانون، وحماية الممتلكات الدينية، والحق في الإجراءات القانونية الواجبة.

قانون الأوقاف يوسع دور الدولة

يمثل قانون تعديل الأوقاف لعام 2025 محوراً أساسياً في هذا الجدل، بعدما أدخل تغييرات واسعة على النظام القانوني والإداري الذي يحكم ممتلكات الأوقاف في الهند.

ويلزم القانون برقمنة وتسجيل ممتلكات الأوقاف عبر بوابة مركزية، وينقل جانباً مهماً من عمليات المسح والتحقق إلى مسؤولي الإيرادات والتحصيل في المقاطعات، كما يفرض شروطاً جديدة على إنشاء أوقاف مستقبلية، ويلغي مفهوم الوقف القائم على الاستخدام بالنسبة إلى المطالبات المستقبلية.

وتشير البيانات الرسمية إلى وجود أكثر من 872 ألف عقار وقفي غير منقول، تغطي مساحة تقارب 3.82 مليون فدان، وتضم مساجد ومقابر وأضرحة ومؤسسات تعليمية وأصولاً خيرية.

وترى الحكومة أن الإصلاحات ضرورية لمعالجة ما تصفه بسوء الإدارة والتعديات ونقص الشفافية، وتحسين إدارة أصول الأوقاف.

في المقابل، تعتبر منظمات إسلامية وأحزاب معارضة أن القانون يمنح الدولة نفوذاً متزايداً على مؤسسات دينية كانت تُدار تاريخياً من داخل المجتمع المسلم، بما قد يمس الحقوق التي تكفلها المادتان 25 و26 من الدستور الهندي والمتعلقتان بحرية الدين وإدارة الطوائف لشؤونها الدينية.

تدخل قضائي في مواجهة التشريع

وصل الخلاف إلى المحكمة العليا الهندية التي علقت، في أوامر مؤقتة صدرت عام 2025، تطبيق بعض الأحكام المثيرة للجدل، خصوصاً ما يرتبط بإجراءات يمكن أن تؤدي إلى فقدان عقار صفته الوقفية بصورة فورية بناءً على ادعاءات تتعلق بملكية الحكومة.

وأكدت المحكمة أهمية الإجراءات القانونية وعدم حسم وضع الممتلكات المتنازع عليها قبل استنفاد المسارات القضائية ذات الصلة.

وأعطى هذا التدخل دفعة للمنتقدين الذين يحذرون من أن الممتلكات التاريخية ذات السجلات المعقدة قد تواجه مخاطر أكبر إذا لم تتوافر ضمانات إجرائية كافية قبل تغيير وضعها القانوني أو إزالة المنشآت المقامة عليها.

وقال زعيم حزب المؤتمر الهندي راهول غاندي في أبريل 2025 إن مشروع القانون يمثل، من وجهة نظره، أداة لتهميش المسلمين والتأثير في حقوقهم الشخصية وحقوق الملكية، بينما اعتبر رئيس حزب المؤتمر مالكارجون خارج أن التشريع يتجاوز الإصلاح الإداري إلى توسيع سيطرة الحكومة.

الهدم يوسع دائرة المواجهة

لم يبق الخلاف محصوراً في البرلمان والمحاكم، إذ شهدت السنوات الأخيرة عمليات هدم وإزالة لمواقع إسلامية في عدد من الولايات.

وتشير البيانات التي أوردها التقرير إلى نحو 861 موقعاً دينياً وتعليمياً إسلامياً تعرض للهدم أو الإزالة، بينها عشرات المساجد ومئات المزارات والمدارس الدينية، إلى جانب أضرحة ومصليات عيد ومقبرة ومآذن.

وتبرز أوتاراخاند بصورة خاصة، حيث أفادت التقارير بهدم مئات المزارات بين عامي 2023 و2026، فيما شهدت أوتار براديش عمليات طالت مساجد ومدارس دينية ومزارات ومصليات عيد.

وفي دلهي، أثار هدم ضريح بانش بيران في مانغولبوري، الذي يُقال إن عمره نحو 200 عام، جدلاً واسعاً. كما شهدت ولايات مثل راجستان وغوجارات وماهاراشترا وماديا براديش وآسام عمليات إزالة لمواقع إسلامية.

وتتباين الأرقام والتفاصيل المتعلقة ببعض هذه الحالات، ما يجعل التحقق من كل واقعة على حدة من خلال سجلات الأراضي وأحكام المحاكم والوثائق الرسمية أمراً ضرورياً.

مسجد ساهارانبور يعيد الجدل

تصاعدت المواجهة في سبتمبر 2026 مع هدم مسجد ساهارانبور كوليكتوريت في ولاية أوتار براديش، في عملية نُفذت فجر 5 سبتمبر.

وتقول التقارير إن المسجد كان قائماً منذ عقود طويلة، وإن فاتورة كهرباء تعود إلى عام 1911 استُشهد بها للدلالة على قدم الموقع.

وتؤكد السلطات أن عملية الهدم استندت إلى مسار قانوني وقرار قضائي، بينما اعترض منتقدون على طريقة التنفيذ وتوقيتها، معتبرين أن القضية تثير أسئلة بشأن مدى حصول الجانب الإسلامي على فرصة كافية لاستكمال إجراءات التقاضي قبل تنفيذ عملية لا يمكن التراجع عنها.

وقالت رئيسة حزب بهوجان ساماج ماياواتي إن هدم المسجد ضمن حملة أوسع في أوتار براديش لإزالة ما تصفه السلطات بالمباني غير القانونية أمر غير صحيح بهذه الطريقة.

كما انتقد زعيم مجلس اتحاد المسلمين أسد الدين أويسي عملية الهدم، متسائلاً عن ظروف تنفيذها والإجراءات التي سبقتها.

أوتار براديش في قلب المواجهة

تعد أوتار براديش، التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا، من أبرز ساحات الجدل حول ما يسمى سياسات الهدم.

وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى هدم عشرات المساجد والمزارات والمدارس الدينية والمصليات خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار العمليات في 2026.

وتقول الحكومة المحلية إن حملاتها تستهدف التعديات والمباني المخالفة، لكن خصومها السياسيين والمنظمات الإسلامية يصفونها أحياناً بأنها نموذج لما يسمونه «عدالة الجرافات»، في إشارة إلى استخدام الهدم كأداة لتنفيذ القانون بصورة يرون أنها قد تكون انتقائية.

ولا تثبت هذه الوقائع، في حد ذاتها، وجود خطة مركزية واحدة تستهدف المسلمين على المستوى الوطني، كما أن بعض عمليات الهدم قد تستند فعلاً إلى مخالفات قانونية أو نزاعات على ملكية الأراضي.

لكن المنتقدين يرون أن تراكم الحالات، ولا سيما في الولايات التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا، يستدعي رقابة أكبر على كيفية تطبيق القواعد والإجراءات.

البعد الاقتصادي والسياسي

يتجاوز أثر القضية حدود المساجد والأضرحة، نظراً إلى اتساع شبكة الأوقاف التي تمول أو تدعم مؤسسات دينية وتعليمية وخيرية.

ويبلغ عدد المسلمين في الهند نحو 200 مليون نسمة، بما يجعلهم أكبر أقلية دينية في البلاد. ووفق تعداد 2011، يشكل المسلمون نحو 14.2% من السكان.

لكن هذا الحجم السكاني لا ينعكس بالضرورة على التمثيل السياسي. ففي انتخابات 2024، وصل عدد النواب المسلمين المنتخبين في مجلس النواب إلى 24 نائباً من أصل 543، أي نحو 4.4% فقط من أعضاء المجلس.

ولو كان التمثيل متناسباً مع نسبة المسلمين من السكان، لكان العدد يقارب 77 نائباً، ما يعكس فجوة كبيرة في التمثيل البرلماني.

ويضاف إلى ذلك تفاوت اقتصادي؛ إذ تشير بيانات مسح القوى العاملة إلى انخفاض مشاركة المسلمين في سوق العمل مقارنة بالهندوس، مع فجوة أكبر بين النساء.

ويقول منتقدون إن نزاعات الملكية والهدم، عندما تتزامن مع هشاشة اقتصادية وتمثيل سياسي محدود، يمكن أن تزيد صعوبة الحفاظ على المؤسسات المجتمعية المستقلة.

خطاب الكراهية يزيد المخاوف

تتزامن هذه التطورات مع مخاوف أخرى تتعلق بخطاب الكراهية.

ووفق بيانات أوردها التقرير نقلاً عن مختبر الكراهية في الهند، ارتفع عدد حوادث خطاب الكراهية ضد الأقليات من 668 حادثة في 2023 إلى 1165 في 2024، بزيادة بلغت 74.4%، فيما استهدفت الغالبية الساحقة من تلك الحوادث المسلمين، بحسب المنظمة.

ويرى منتقدون أن خطاب الكراهية لا يعمل بمعزل عن بقية التطورات، إذ يمكن أن يؤدي تكرار الخطابات الطائفية إلى زيادة الشعور بعدم الأمان، والتأثير في السكن والعمل وممارسة الشعائر والمشاركة في الحياة العامة.

غير أن الربط بين هذه المؤشرات ووجود سياسة حكومية موحدة ضد المسلمين يحتاج إلى أدلة مستقلة ومتعددة، وهو ما يجعل التمييز بين الوقائع المثبتة والاستنتاجات السياسية أمراً ضرورياً.

رقابة دولية متزايدة

امتد الجدل إلى خارج الهند، حيث أثار خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة خلال 2025 مخاوف بشأن عمليات هدم قيل إنها أثرت بصورة غير متناسبة على الأقليات والمجتمعات المهمشة.

كما انتقدت لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية أوضاع الحرية الدينية في الهند، ودعت واشنطن في تقارير متكررة إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً بشأن ما تعتبره انتهاكات لحقوق الأقليات.

وتنظر منظمات إسلامية، بينها المجلس الهندي لقانون الأحوال الشخصية الإسلامي، وجماعة إسلامي هند، وفصائل من جمعية علماء الهند، إلى قانون الأوقاف باعتباره تهديداً لاستقلال المؤسسات الدينية الإسلامية.

وفي المقابل، تتمسك الحكومة الهندية بأن الإصلاحات تهدف إلى مكافحة الفساد والتعديات وتحقيق إدارة أكثر شفافية، وأن القانون لا يستهدف المسلمين باعتبارهم جماعة دينية.

معركة على الهوية والذاكرة

تكمن حساسية القضية في أن الموقع الديني لا يمثل مجرد مبنى أو قطعة أرض.

فالمسجد يرتبط بالعبادة والذاكرة الجماعية، والمدرسة الدينية بالتعليم، والمقبرة بتاريخ العائلات والمجتمعات، والضريح بالتقاليد الدينية والاجتماعية، بينما توفر ممتلكات الوقف مورداً مالياً يمكن أن يدعم أعمالاً خيرية وتعليمية.

ولهذا يرى منتقدو السياسات الحالية أن إزالة هذه المواقع بصورة متكررة قد تؤدي، على المدى الطويل، إلى إضعاف البنية المؤسسية للحياة الإسلامية، حتى إذا كانت كل عملية منفردة تستند إلى مبرر يتعلق بالأرض أو الترخيص.

في المقابل، فإن إثبات وجود استهداف ديني ممنهج يتطلب أكثر من تجميع حالات الهدم، ويحتاج إلى مقارنة موضوعية مع كيفية تطبيق القوانين نفسها على منشآت ومؤسسات تابعة لديانات أخرى.

وهنا تكمن المعركة الأساسية: هل يجري تطبيق القانون الهندي بصورة متساوية على جميع المواطنين والمؤسسات، أم أن آليات التنفيذ تؤثر بصورة غير متناسبة على أقلية دينية بعينها؟

اختبار للديمقراطية الدستورية

تحولت قضية الأوقاف والهدم في الهند إلى اختبار أوسع لعلاقة الدولة بالأقليات، ولقدرة المؤسسات الدستورية على حماية حرية الدين وحقوق الملكية والإجراءات القانونية.

ولا تتوقف أهمية الملف عند المسلمين وحدهم، لأن الطريقة التي تُدار بها هذه النزاعات ستحدد أيضاً مدى ثقة الأقليات في استقلال القضاء، وعدالة الإدارة، وقدرة القانون على حماية الممتلكات التاريخية والدينية.

وتبقى المحاكم والبرلمان والسلطات المحلية والمجتمع المدني أمام مسؤولية التأكد من أن مكافحة التعديات لا تتحول إلى غطاء لإجراءات تمييزية، وأن حماية الحقوق الدينية لا تعني إعفاء أي منشأة مخالفة من القانون.

أما بالنسبة للمسلمين، فإن القضية تتجاوز مستقبل عقار أو مسجد بعينه؛ فهي تتعلق بالحفاظ على شبكة من المؤسسات التي تشكل جزءاً من الذاكرة والهوية والحياة الاجتماعية.

ومع استمرار النزاع حول الأوقاف وتزايد عمليات الهدم، ستظل الهند أمام سؤال جوهري: هل تستطيع الحفاظ على نموذجها الدستوري للتعددية الدينية مع تطبيق القانون بصورة متساوية على الجميع؟

اترك تعليقا