المسلمون في إثيوبيا.. ثقل سياسي واقتصادي في بلاد الهجرة الأولى

موقع محوري في النسيج الاجتماعي والتاريخي بالبلاد

يحتل المسلمون في إثيوبيا موقعاً محورياً في النسيج الاجتماعي والتاريخي للبلاد؛ حيث تعود جذور الإسلام فيها إلى عصر النبوة مع الهجرة الأولى للصحابة إلى أرض الحبشة.

ورغم هذا الإرث الضارب في القدم، شهدت وضعية المسلمين الإثيوبيين تحولات كبيرة في عقودها الأخيرة على المستويات الديموغرافية والسياسية والاقتصادية.

1. التعداد والنسب السكانية

تتفاوت التقديرات الرسمية والمستقلة بشأن إجمالي عدد المسلمين في إثيوبيا، وذلك إثر حساسية المسائل الدينية والإثنية في الإحصاءات الوطنية:

الإحصاءات الرسمية والحكومية: تشير التقديرات الرسمية الصادرة عن الهيئات الوطنية والتقارير الدولية المحدثة إلى أن نسبة المسلمين تبلغ نحو 31.3% إلى 35% من إجمالي السكان البالغ عددهم حوالي 125-130 مليون نسمة، مما يعني أن عددهم يترواح بين 40 إلى 45 مليون نسمة.

تقديرات المؤسسات الإسلامية والباحثين: ترجح التقديرات الصادرة عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا وبعض المراكز البحثية المستقلة أن نسبة المسلمين تتراوح بين 40% إلى 45% من السكان (وقد تتجاوز ذلك في بعض التقديرات الاجتماعية)، مما يرفع عددهم الإجمالي إلى نحو 50 إلى 55 مليون نسمة.

2. الانتماءات الإثنية والعرقية

يتوزع المسلمون في إثيوبيا على عدد كبير من العرقيات القومية والمحلية، غير أن الكتلة الأكبر تتمركز في العرقيات التالية:

-قومية الأورومو (Oromo): تمثل أكبر إثنية في إثيوبيا (تتجاوز 34% من إجمالي السكان). ويعتنق الإسلام أكثر من 50% من أبناء الأورومو، ويتواجدون بكثافة في أقاليم جافا، بالي، أسي، وجيما.

-قومية الصومالي (Somali): تقطن في إقليم الصومال الإثيوبي (أوغادين)، وتدين بالإسلام بنسبة تتجاوز 98%.

-قومية العفر (Afar): تتركز في إقليم العفر بشمال شرق البلاد، وتدين بالإسلام بنسبة تتجاوز 95%.

-قوميات السلتة والغرابي والهررية والأرجوبا (Silte, Gurage, Harari, Argobba):

-الهررية: سكان مدينة “هرر” التاريخية، وهي أحد أهم مراكز الإشعاع الإسلامي في شرق أفريقيا.
-السلتة والأرجوبا: مجموعتان مسلمتان بالكامل تقريباً.
-الغرابي: تضم نسبة عالية جداً من المسلمين الناشطين في مجال التجارة والخدمات.

-الأمهرا والتغراي (Amhara & Tigray): ينتمي معظم أبناء العرقيتين إلى المسيحية الأرثوذكسية، إلا أن هناك أقليات مسلمة بارزة ومؤثرة بينهما؛ مثل
مسلمو منطقة “وُلو” (Wollo) بين الأمهرا،
وقومية “الجبرتة” (Jeberti) في إقليم التغراي.

3. أماكن التواجد والتوزيع الجغرافي

يتوزع المسلمون جغرافيًا على أمتداد الأقاليم الإثيوبية، مع وجود مناطق أغلبية مطلقة ومناطق ذات حضور متوازٍ:

-المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية (أغلبية إسلامية ساحقة): تشمل إقليم الصومال الإثيوبي وإقليم العفر، إضافة إلى مدينة هرر وإدارة مدينة ديرة داوا.

-المناطق الوسطى والجنوبية (حضور إسلامي واسع): تشمل أجزاءً شاسعة من إقليم أوروميا (خاصة المناطق الشرقية والجنوبية منه) وبعض أجزاء إقليم شعوب الجنوب (مثل مناطق السلتة والغرابي).

-المناطق الشمالية والغربية: حضور إسلامي متركز في منطقة وُلو بإقليم أمهرا، وإقليم بني شنقول-قُمز (حيث تتجاوز نسبة المسلمين 45%)، بالإضافة إلى العاصمة أديس أبابا التي تشهد ثقلاً إسلامياً متزايداً في قطاعات الأعمال والسكن.

4. الثقل السياسي

شهد الثقل السياسي للمسلمين في إثيوبيا تحولاً جذرياً عبر المراحل التاريخية الحديثة:

-التحول الانتقالي بعد 1991 و2018: بعد عقود طويلة من التهميش السياسي خلال العهد الإمبراطوري ونظام “الدرغ” العسكري، أتاح نظام “الفيدرالية الإثنية” المنفذ منذ التسعينات للإقاليم المأهولة بأغلبية مسلمة (مثل الصومالي والعفر) إدارة شؤونها محلياً.

-الاعتراف المؤسسي والدستوري: تُوِّج المطلب التاريخي لمسلمي إثيوبيا بإقرار البرلمان الإثيوبي قانوناً يمنح المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا (EIASC) الشركية والاعتراف القانوني الرسمي كمؤسسة تمثل المسلمين وتدير أوقافهم وشؤونهم الدينية مستقلة عن تدخل الدولة.

-التمثيل الحكومي: يتولى شخصيات مسلمة مناصب رفيعة في الحكومة الفيدرالية، والوزارات، ورئاسة الأقاليم (مثل إقليم أوروميا، وإقليم الصومال، وإقليم العفر)، مما يعكس وزن التكتل الانتخابي للعرقيات المسلمة في المعادلة السياسية الإثيوبية.

**التحديات السياسية:

لا تزال هناك تحديات ترتبط بالتمثيل المتكافئ في بعض الأجهزة الأمنية والقضائية الفيدرالية، والتنافس السياسي الداخلي بين التيارات الإسلامية التقليدية (الصوفية) والتجديدية، إضافة إلى النزاعات الحدودية الإثنية التي تؤثر أحياناً على مجتمعات مسلمة في المناطق الحدودية بين الأقاليم.

5. الثقل الاقتصادي

يُعدّ المسلمون ركيزة أساسية في الاقتصاد الإثيوبي الحديث، وتعود جذور هذا الثقل إلى العوامل التالية:

-التجارة وقطاع الأعمال: نتيجة الحظر التاريخي الذي كان يمنع المسلمين من تملك الأراضي الزراعية في العهود الإمبراطورية القديمة، اتجه معظم المسلمين نحو التجارة والخدمات؛ مما جعلهم يستحوذون اليوم على نسبة كبيرة من أسواق التجارة في أديس أبابا (مثل حي “أنوار” ومحيط سوق “مركاتو” – أكبر سوق مفتوح في أفريقيا)، إضافة إلى تجارة الاستيراد والتصدير، وقطاع النقل، والعقارات.
-القطاع الزراعي والحيواني: يسيطر المسلمون في أقاليم الصومال والعفر والأوروميا على قطاعات حيوية مثل ثروة الماشية، وتصدير اللحوم، وتجارة البُن (خاصة في مناطق جيما وبالي) والتوابل والقات.
-نهوض الصيرفة والتمويل الإسلامي: شهد الاقتصاد الإثيوبي طفرة في قطاع المالية الإسلامية بعد سماح البنك المركزي الإثيوبي بتأسيس مصارف إسلامية بالكامل (Full-fledged Islamic Banks) ونوافذ إسلامية في البنوك التجارية.
تأسست بنوك إسلامية رائدة مثل بنك زمزم (ZamZam Bank) وبنك الهجرة (Hijra Bank) وبنك رميس (Rammis Bank)، والتي نجحت في جذب مليارات البر الإثيوبي من مدخرات رؤوس الأموال التي كانت خارج النظام المصرفي التقليدي، وساهمت في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة.