الضفة الغربية على حافة الانفجار

مع تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين

تشهد الضفة الغربية واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ أشهر، مع تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين، واتساع حملات الاقتحام والاعتقال التي ينفذها الجيش الإسرائيلي، بالتزامن مع تحذيرات صادرة عن مصادر أمنية إسرائيلية من احتمال انفجار شامل للأوضاع. ويأتي هذا التصعيد في ظل استمرار الحرب في قطاع غزة، الأمر الذي يثير مخاوف من انتقال المواجهة إلى الضفة على نطاق أوسع.

وتشير التطورات الميدانية الأخيرة إلى أن الضفة الغربية دخلت مرحلة جديدة تتسم بتزايد الاحتكاك اليومي بين الفلسطينيين والمستوطنين، مع ارتفاع وتيرة إنشاء البؤر الاستيطانية وتوسيع المستوطنات، وهو ما يفاقم حالة الاحتقان ويزيد احتمالات اندلاع مواجهات واسعة.

تحذيرات إسرائيلية من انفجار وشيك

بحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن تقديرات أمنية داخل المؤسسة العسكرية ترى أن سلسلة الأحداث الأخيرة في الضفة قد تتحول إلى مواجهة شاملة يصعب احتواؤها، خاصة مع استمرار الاعتداءات المتبادلة واتساع رقعة الاحتجاجات الفلسطينية.

كما أكدت هذه التقديرات أن الجيش بدأ الاستعداد لسيناريوهات تصعيد أكبر، من بينها تعزيز القوات المنتشرة في الضفة، وتوسيع العمليات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية في عدد من المحافظات.

ويرى خبراء أمن إسرائيليون أن أخطر ما يميز المرحلة الحالية هو تداخل المواجهات بين الجيش والمسلحين الفلسطينيين مع اعتداءات المستوطنين، وهو ما يخلق بؤراً متعددة للاشتباك في وقت واحد.

الاستيطان في قلب الأزمة

أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش استمرار التوسع الاستيطاني، مؤكداً المضي في بناء مئات الوحدات السكنية الجديدة وتوسيع بعض المستوطنات عدة أضعاف.

ويرى محللون أن هذه الخطوات تمثل أحد أبرز أسباب التصعيد، لأنها تُفسَّر فلسطينياً باعتبارها محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، وتقليص فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ويقول الباحث في الشأن الإسرائيلي يوسي ميلمان إن استمرار التوسع الاستيطاني رغم التحذيرات الأمنية يعكس وجود تباين داخل إسرائيل بين الاعتبارات السياسية والاحتياجات الأمنية، مشيراً إلى أن المؤسسة العسكرية تدرك أن كل بؤرة استيطانية جديدة تزيد من الاحتكاك المباشر مع الفلسطينيين.

اتساع رقعة المواجهات

شهدت محافظات نابلس والخليل ورام الله وجنين وطولكرم وبيت لحم والقدس عمليات اقتحام واعتقال واسعة، ترافقت مع إغلاق حواجز عسكرية وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين.

وفي بلدة تِل جنوب غرب نابلس، تصاعدت المواجهات بعد مقتل أربعة فلسطينيين، بينما واصل مستوطنون اقتحام البلدة وتجريف أراضٍ فلسطينية، الأمر الذي دفع الفصائل الفلسطينية إلى الدعوة للاستنفار الشعبي وتفعيل لجان الحراسة في القرى والبلدات.

كما شهدت منطقة سوسيا جنوب الخليل حادثة أثارت اهتماماً واسعاً بعد إعلان الجيش الإسرائيلي أن فلسطينيين انتزعوا سلاح أحد الجنود قبل أن تستعيده القوات لاحقاً، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك المباشر بين الجانبين.

حملات اعتقال غير مسبوقة

أعلنت إسرائيل اعتقال أكثر من 70 فلسطينياً خلال ساعات، بينما أكد نادي الأسير الفلسطيني أن عدد المعتقلين تجاوز 80 شخصاً في حملات شملت مختلف أنحاء الضفة الغربية.

ويرى خبراء حقوق الإنسان أن اتساع نطاق الاعتقالات والتحقيقات الميدانية وتحويل منازل إلى مراكز تحقيق أو ثكنات عسكرية يعكس سياسة تهدف إلى فرض السيطرة الأمنية، لكنها قد تؤدي في المقابل إلى زيادة الاحتقان الشعبي.

آراء الخبراء

يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور مصطفى البرغوثي أن الضفة الغربية تمر بمرحلة “الغليان”، موضحاً أن استمرار الاستيطان واعتداءات المستوطنين مع غياب أي أفق سياسي يجعل الانفجار مسألة وقت إذا لم يحدث تدخل دولي حقيقي.

أما الباحث الإسرائيلي في شؤون الأمن عاموس هرئيل فيعتقد أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تخشى تعدد جبهات المواجهة، لأن استمرار الحرب في غزة مع اشتعال الضفة سيشكل ضغطاً كبيراً على القوات المنتشرة.

ويشير الباحث في مركز الأزمات الدولي مها يحيى إلى أن الأزمة الحالية ليست أمنية فقط، بل سياسية أيضاً، إذ إن غياب أي عملية سلام فعالة يزيد من احتمالات العنف المتبادل.

من جانبه، يرى الباحث في شؤون الصراع خليل شاهين أن تصاعد هجمات المستوطنين يمثل عاملاً أساسياً في تغيير طبيعة المواجهة، لأن الفلسطينيين باتوا يعتبرون الاعتداءات جزءاً من سياسة رسمية وليست مجرد أعمال فردية.

ردود الفعل الفلسطينية

دعت القوى والفصائل الفلسطينية في نابلس إلى رفع حالة الجاهزية الشعبية، وتعزيز لجان الحراسة في القرى والبلدات، لمواجهة هجمات المستوطنين.

وأشادت حركة حماس بما وصفته بـ”صمود الفلسطينيين”، معتبرة أن تصاعد عمليات المقاومة يعكس فشل الإجراءات الإسرائيلية في فرض السيطرة الكاملة على الضفة.

كما أكد نادي الأسير الفلسطيني أن حملات الاعتقال الواسعة لن تمنع استمرار الاحتجاجات الشعبية، بل قد تؤدي إلى مزيد من الغضب.

المواقف العربية

أدان البرلمان العربي الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون بحق الفلسطينيين، معتبراً أنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف الانتهاكات.

كما صدرت إدانات فلسطينية وعربية متواصلة للتوسع الاستيطاني، مع دعوات لتوفير حماية دولية للمدنيين الفلسطينيين.

ماذا يتوقع الخبراء؟

يتوقع مراقبون عدة سيناريوهات خلال الأسابيع المقبلة:

استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتوسيع الانتشار الأمني في الضفة.

تصاعد هجمات المستوطنين إذا استمرت مشاريع التوسع الاستيطاني.

زيادة عمليات المقاومة الفلسطينية الفردية والمنظمة.

ارتفاع الضغوط الدولية على إسرائيل إذا ازداد عدد الضحايا المدنيين.

احتمال انتقال التوتر إلى انتفاضة أوسع إذا تزامنت الاعتداءات مع استمرار الحرب في غزة.

ويرى خبراء أن قدرة جميع الأطراف على احتواء التصعيد ستكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت الضفة الغربية ستشهد موجة عنف محدودة أم تدخل مرحلة مواجهة شاملة قد تغير المشهد الأمني والسياسي في المنطقة بأسرها.

اترك تعليقا