ماليزيا وملف حماية الأوقاف الإسلامية

تطوير التشريعات المنظمة للاستثمار والإدارة

الرائد: عاد ملف الأوقاف الإسلامية إلى صدارة النقاش في ماليزيا خلال الأسابيع الأخيرة مع إعلان عدد من الولايات الماليزية، بالتنسيق مع إدارة تنمية الإسلام في ماليزيا ومجالس الشؤون الإسلامية المحلية، توسيع برامج الرقمنة وإدارة الأوقاف واستثمارها، بهدف رفع كفاءة العوائد المالية وتوجيهها إلى التعليم والرعاية الصحية والإسكان الاجتماعي والمنح الدراسية. ويأتي هذا التوجه في ظل اهتمام حكومي متزايد بتحويل الوقف من مؤسسة تقليدية إلى أداة تنموية تدعم الاقتصاد الاجتماعي وتخفف الضغوط على الإنفاق العام.

ويحتل الوقف مكانة خاصة في التجربة الماليزية، إذ تتولى كل ولاية إدارة أوقافها عبر مجلسها الإسلامي، بينما تضطلع إدارة تنمية الإسلام في ماليزيا (JAKIM) بأدوار تنسيقية وتشريعية على المستوى الاتحادي. وقد شهد العقد الأخير إصلاحات هدفت إلى تحسين الحوكمة، وحصر الأصول الوقفية، وتطوير التشريعات المنظمة للاستثمار والإدارة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن جزءًا من الأوقاف الماليزية ظل لعقود غير مستثمر أو منخفض العائد بسبب مشكلات إدارية وقانونية، الأمر الذي دفع السلطات إلى إطلاق برامج لحصر الأراضي الوقفية، وتسجيلها إلكترونيًا، وإدخال نظم حديثة للمحاسبة والرقابة، مع تشجيع الشراكات بين المؤسسات الوقفية والقطاع الخاص.

ويرى الخبير الماليزي محمد أكرم لالدين، المدير التنفيذي السابق للأكاديمية الدولية للبحوث الشرعية في المالية الإسلامية (ISRA)، في دراساته حول الاقتصاد الإسلامي، أن الوقف يمثل أحد أهم أدوات التنمية المستدامة في الفقه الإسلامي، لكنه يحتاج إلى إدارة احترافية تعتمد على الشفافية والكفاءة، حتى يؤدي دوره الاجتماعي والاقتصادي بصورة كاملة.

كما يؤكد الاقتصادي الماليزي محمد داود بكر، رئيس مجلس الشريعة في البنك المركزي الماليزي سابقًا، أن تطوير المؤسسات الوقفية يجب أن يسير بالتوازي مع تطور قطاع التمويل الإسلامي، لأن الجمع بين الوقف والاستثمار المسؤول يمكن أن يوفر موارد طويلة الأجل للتعليم والبحث العلمي والخدمات الصحية.

ومن الناحية التاريخية، لعب الوقف دورًا محوريًا في الحضارة الإسلامية، إذ مول الجامعات، والمستشفيات، والمكتبات، وشبكات المياه، ورعاية الفقراء، وكان أحد أهم مصادر الاستقلال المالي للمؤسسات العلمية والدعوية. وتشير أبحاث المؤرخ الأمريكي جوناثان بيركي إلى أن نظم الوقف أسهمت في استمرارية المؤسسات التعليمية الإسلامية لقرون، حتى في فترات الاضطراب السياسي.

وتؤكد البنك الإسلامي للتنمية في عدد من تقاريره أن الأوقاف تمثل موردًا اقتصاديًا كبيرًا في العالم الإسلامي، إلا أن جزءًا معتبرًا من أصولها لا يزال بحاجة إلى تحديث الإدارة، وإعادة التقييم، وتحسين الاستثمار، بما يرفع من عوائدها ويعزز أثرها التنموي.

ويرى باحثون في الاقتصاد الإسلامي أن التجربة الماليزية تحظى باهتمام متزايد لأنها تحاول الجمع بين الضوابط الشرعية وأدوات الإدارة الحديثة، مثل الحوكمة الرقمية، وإدارة المخاطر، والإفصاح المالي، وهي عناصر أصبحت ضرورية للحفاظ على ثقة الواقفين والمستفيدين.

وفي المقابل، يشير متخصصون إلى أن نجاح هذه الإصلاحات سيظل مرتبطًا بوجود كوادر مؤهلة في الإدارة والاستثمار والقانون، إلى جانب تحديث التشريعات التي تنظم إدارة الأوقاف في الولايات المختلفة، وتوسيع التعاون بين الجامعات والمؤسسات الوقفية لإعداد متخصصين في هذا المجال.

ويتوقع خبراء الاقتصاد الإسلامي أن تزداد أهمية الوقف خلال السنوات المقبلة مع اتساع الحاجة إلى تمويل الخدمات الاجتماعية في كثير من الدول الإسلامية. وإذا نجحت ماليزيا في استكمال برامج الرقمنة والحوكمة، فقد تقدم نموذجًا يمكن الاستفادة منه في دول أخرى تسعى إلى إعادة تفعيل الدور الحضاري والاقتصادي للوقف الإسلامي بعيدًا عن الإدارة التقليدية.

المصادر:

إدارة تنمية الإسلام في ماليزيا (JAKIM)، البنك الإسلامي للتنمية، الأكاديمية الدولية للبحوث الشرعية في المالية الإسلامية (ISRA)، البنك المركزي الماليزي، محمد أكرم لالدين، محمد داود بكر، Jonathan Berkey: The Transmission of Knowledge in Medieval Cairo، وتقارير الاقتصاد الإسلامي الماليزية.مستفاد من الذكاء الاصطناعي

اترك تعليقا