الرقائق وأشباه الموصلات تكرسان هيمنتهما علي الاقتصاد العالمي
تجاوزا المنافسة التجارية لصراع استراتيجي
- abdelrahman
- 14 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- اخبار جريدة الرائد, اشباه الموصلات, الرقائق, الصراع الجيوسياسي, المنافشة الاقتصادية
في عالم يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي، والسيارات الكهربائية، والهواتف الذكية، والأنظمة العسكرية المتقدمة، أصبحت أشباه الموصلات أو “الرقائق الإلكترونية” من أهم عناصر القوة في الاقتصاد العالمي. فهذه القطع الصغيرة التي لا يتجاوز بعضها حجم الظفر أصبحت تتحكم في صناعات تقدر بتريليونات الدولارات، وأصبحت القدرة على تصميمها وتصنيعها وتأمين سلاسل توريدها قضية أمن قومي للدول الكبرى.
وتزامنت أهمية أشباه الموصلات مع اختراع الترانزستور عام 1947 في مختبرات بيل بالولايات المتحدة، ثم تطورت الصناعة مع ظهور الدوائر المتكاملة في خمسينيات القرن الماضي، لتصبح أساس الثورة الرقمية التي غيرت الاقتصاد والعلم والاتصالات.
وخلال الحرب الباردة، ارتبطت صناعة الرقائق بالتنافس العسكري بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث كانت الحواسيب المتقدمة والأنظمة الإلكترونية عنصرًا حاسمًا في برامج الفضاء والصواريخ والدفاع.
صناع الرقائق والحرب الباردة
أستاذ التاريخ الدولي في جامعة تافتس ومؤلف كتاب Chip War،كريس ميلر، رأي أن أشباه الموصلات أصبحت “أهم مورد إستراتيجي في الاقتصاد العالمي الحديث”، لأن كل القطاعات المتقدمة تقريبًا تعتمد عليها.
وتتصدر الولايات المتحدة مجال تصميم الرقائق والبرمجيات المرتبطة بها، بفضل شركات مثل إنفيديا وكوالكوم وإنتل، إضافة إلى الجامعات ومراكز البحث العلمي التي طورت معظم التقنيات الأساسية.
لكن تصنيع أكثر الرقائق تقدمًا يتركز بدرجة كبيرة في شرق آسيا، خصوصًا في تايوان، حيث تعد شركة TSMC أكبر مصنع عالمي للرقائق المتطورة التي تستخدم في الذكاء الاصطناعي والهواتف والأجهزة الإلكترونية.
الصدمات الجيوسياسية
وفي نفس السياق ، نبه أستاذ إدارة الأعمال في جامعة هارفارد، ويليام كيرأن تركّز إنتاج التكنولوجيا الحيوية في مناطق محدودة جعل الاقتصاد العالمي أكثر عرضة للصدمات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد المضطربة.
وقد جعلت أهمية تايوان في صناعة الرقائق القضية التايوانية أكثر ارتباطًا بالأمن الاقتصادي العالمي، إذ إن أي اضطراب كبير في الإنتاج قد يؤثر في صناعات واسعة حول العالم.
وفي مواجهة هذا الاعتماد، أطلقت الولايات المتحدة قانون الرقائق والعلوم عام 2022 بهدف دعم تصنيع الرقائق محليًا، وتقليل الاعتماد على الإنتاج الآسيوي، وتعزيز قدرتها التنافسية أمام الصين.
كما أطلق الاتحاد الأوروبي مبادرة “قانون الرقائق الأوروبي” لرفع حصته من الإنتاج العالمي، بينما تستثمر اليابان وكوريا الجنوبية والهند مليارات الدولارات في بناء قدرات تصنيع جديدة.
أما الصين، فقد جعلت تحقيق الاكتفاء النسبي في مجال أشباه الموصلات هدفًا إستراتيجيًا ضمن خططها الصناعية، لكنها تواجه قيودًا بسبب صعوبة الوصول إلى بعض تقنيات التصنيع الأكثر تقدمًا والمعدات المتخصصة.
، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، غراهام أليسون علق علي هذا الأمر قائلا : التنافس على الرقائق يمثل أحد أهم جوانب المنافسة الأمريكية الصينية، لأنه يجمع بين الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن القومي.
ولا تقتصر أهمية الرقائق على الاقتصاد المدني، بل ترتبط مباشرة بالقدرات العسكرية الحديثة، إذ تعتمد أنظمة الدفاع، والطائرات المتقدمة، والأقمار الصناعية، والحرب السيبرانية، على معالجات إلكترونية عالية الأداء.
الرقائق والقدرات العسكرية
كما أصبحت السيطرة على المعرفة المتعلقة بتصنيع الرقائق مرتبطة بسياسات تصدير التكنولوجيا، حيث فرضت الولايات المتحدة قيودًا على تصدير بعض التقنيات المتقدمة إلى الصين، في محاولة للحفاظ على تفوقها التكنولوجي.
علي نفس الصعيد يري الباحث في سياسات التكنولوجيا، دانيال غولدمان أن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها سلاسل توريد التكنولوجيا جزءًا من الصراعات الجيوسياسية، وليس مجرد قضية تجارية.
وفي المستقبل، ستزداد أهمية الرقائق مع توسع الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والروبوتات، حيث تحتاج هذه المجالات إلى معالجات أكثر قوة وكفاءة.
وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD وجمعية صناعة أشباه الموصلات SIA إلى أن المنافسة العالمية في هذا القطاع ستستمر، وأن الدول التي تمتلك قدرات التصميم والتصنيع والبحث العلمي ستكون صاحبة نفوذ اقتصادي أكبر.
ويجمع المحللون على أن أشباه الموصلات أصبحت “نفط العصر الرقمي”، وأن المعركة حولها ستحدد إلى حد كبير شكل الاقتصاد العالمي والتحالفات التكنولوجية خلال العقود القادمة.