الرئيس الصيني يصطحب قادة الأعمال إلى واشنطن لمواجهة ترامب
بداية لمرحلة أكثر براغماتية في العلاقات الاقتصادية
- السيد التيجاني
- 4 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- الاستثمارات الصينية, البيت الأبيض, الرئيس الصيني, ترامب, رجال الأعمال
تستعد الصين لخطوة لافتة قبل القمة المرتقبة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن يوم 24 سبتمبر، إذ يعتزم شي اصطحاب وفد كبير من كبار المسؤولين التنفيذيين الصينيين، في تحرك يعكس رغبة بكين في إعطاء البعد الاقتصادي والتجاري مساحة أكبر في العلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة. وتأتي الخطوة وفق مصدرين مطلعين تحدثا لرويترز، بينما لم يتم حتى الآن الكشف عن أسماء الشركات أو الرؤساء التنفيذيين المشاركين.
رسالة اقتصادية إلى البيت الأبيض
يمثل اصطحاب رجال الأعمال تغييراً نسبياً في أسلوب شي خلال زياراته الخارجية، إذ نادراً ما ضمت رحلاته وفوداً كبيرة من القطاع الخاص، خصوصاً بعد الحملات التنظيمية التي استهدفت شركات التكنولوجيا والتعليم والعقارات في الصين منذ عام 2020.
وترى مصادر مطلعة أن الوفد المقترح يحمل رسالة مزدوجة: الأولى تأكيد استعداد بكين للحفاظ على الاستثمار والعلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، والثانية تقديم مكاسب اقتصادية محتملة للإدارة الأمريكية في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي.
ويأتي ذلك في بيئة لا تزال شديدة الحساسية أمام الشركات الصينية؛ فقد فرضت واشنطن قيوداً ورسومًا واسعة على عدد من المنتجات الصينية، كما شددت التدقيق في الاستثمارات والتكنولوجيا الصينية بدعوى اعتبارات الأمن القومي.
خبراء يرون في الوفد ورقة تفاوضية
يعتقد سكوت كينيدي، الخبير في شؤون الأعمال الصينية لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن بكين قد تتعامل هذه المرة بصورة أكثر تنظيماً مع مشاركة رجال الأعمال في الوفد، بدلاً من الاكتفاء بحضورهم الشكلي.
وقال كينيدي إن مشاركة التنفيذيين يمكن أن تكون ذات قيمة حقيقية، خصوصاً إذا جرى توظيفها في مناقشة ملفات الاستثمار والوصول إلى الأسواق والتجارة الثنائية. كما قارن بين الوفد الصيني المرتقب والوفد الأمريكي الذي رافق ترامب خلال زيارته إلى الصين في مايو، والذي ضم 18 مسؤولاً تنفيذياً، بينهم جنسن هوانج، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، وإيلون ماسك.
عودة إلى نموذج 2015
ولا تعد فكرة الجمع بين السياسة والقطاع الخاص جديدة تماماً في العلاقات الصينية الأمريكية. ففي عام 2015 اصطحب شي وفداً تجارياً كبيراً إلى الولايات المتحدة ضم شخصيات بارزة مثل جاك ما، مؤسس علي بابا، وبوني ما من تينسنت.
وخلال تلك الزيارة أبرمت الصين اتفاقاً بقيمة 38 مليار دولار لشراء 300 طائرة من بوينج، كما التقى شي قيادات في شركات أمريكية كبرى، بينها آبل وميتا وأمازون. ولذلك قد تحاول بكين استعادة جزء من ذلك الزخم، وإن كانت الظروف الحالية أكثر تعقيداً بكثير.
تحديات أمام الاستثمارات الصينية
لكن حضور رجال الأعمال لن يكون كافياً وحده لتجاوز الخلافات المتراكمة. فالشركات الصينية تواجه بيئة أمريكية أكثر تشدداً، بينما لا تزال واشنطن قلقة من نقل التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والبيانات والاستثمارات المرتبطة بالأمن القومي.
كما أن الطرفين لم يتوصلا بعد إلى تفاهم كامل بشأن السلع التي يمكن تصنيفها «غير حساسة» ضمن آليات إدارة التجارة والاستثمار، فيما تسعى الولايات المتحدة أيضاً إلى الحصول على مزيد من تراخيص تصدير المعادن الأرضية النادرة للشركات الأمريكية.
التجارة في قلب القمة
تتجاوز أجندة القمة ملف الاستثمار لتشمل الرسوم الجمركية والعوائق غير الجمركية والزراعة والمعادن النادرة. وقال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير إن واشنطن وبكين تتوقعان الإعلان عن خطوات تتعلق بالزراعة والحواجز غير الجمركية خلال زيارة شي، مع التأكيد على أن الهدف ليس بالضرورة إبرام اتفاق تجاري شامل، وإنما إدارة العلاقة الاقتصادية بصورة أكثر استقراراً.
وتضغط بكين في المقابل باتجاه تخفيف الرسوم الجمركية، بعدما قالت وزارة التجارة الصينية في يوليو إن البلدين يستكشفان تخفيضات متبادلة على منتجات تبلغ قيمتها نحو 30 مليار دولار.
تأثير سياسي يتجاوز الاقتصاد
سياسياً، تحمل زيارة شي أهمية أكبر من مجرد مناقشة الصادرات والواردات. فاستمرار التنافس بين أكبر اقتصادين في العالم يؤثر في ملفات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والأمن والاستثمار العالمي.
كما أن توقيت القمة يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة داخلية؛ فترامب يحتاج إلى إظهار قدرته على انتزاع مكاسب اقتصادية من الصين، بينما تستطيع بكين استخدام الوفد التجاري لإظهار أن التعاون الاقتصادي لا يزال ممكناً رغم الخلافات الاستراتيجية.
وتزداد أهمية هذا الجانب مع استمرار الحوار حول الذكاء الاصطناعي، حيث تستعد واشنطن وبكين لأول محادثات ثنائية مخصصة لسلامة الذكاء الاصطناعي، في مؤشر على اتساع الملفات التي تتطلب إدارة مباشرة بين الطرفين.
هل تنجح القمة في تحقيق انفراجة؟
رغم الإشارات الإيجابية، تبدو التوقعات بشأن اختراق كبير محدودة. وتشير مصادر مطلعة إلى أن آليات التجارة والاستثمار الجديدة بين البلدين قد لا تحقق نتائج ضخمة خلال القمة بسبب استمرار القيود الأمريكية على الاستثمارات الصينية والخلافات بشأن تعريف السلع غير الحساسة.
والسيناريو الأكثر ترجيحاً هو تحقيق تفاهمات محدودة بدلاً من اتفاق شامل، مثل توسيع بعض الاستثناءات التجارية، وتسهيل صادرات أمريكية زراعية إلى الصين، والحصول على تراخيص إضافية للمعادن النادرة، إلى جانب استمرار الهدنة التجارية وتطوير قنوات الحوار.
وفي حال نجاح هذه الخطوات، يمكن أن تشكل قاعدة لخفض المخاطر التجارية وتحسين ثقة الشركات والمستثمرين. أما إذا تعثرت، فقد تعود الرسوم والقيود التكنولوجية إلى واجهة العلاقة، بما يهدد الاستثمارات وسلاسل الإمداد العالمية.
التوقعات الاقتصادية
اقتصادياً، ستكون مشاركة الرؤساء التنفيذيين مؤشراً مهماً على مدى استعداد بكين لمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في الدبلوماسية الاقتصادية. وقد تفتح القمة الباب أمام صفقات جديدة في الطيران والطاقة والتكنولوجيا والتصنيع، لكن الشركات ستظل مطالبة بالتعامل مع القيود الأمنية والتجارية الأمريكية.
وبالتالي، فإن أهمية زيارة شي لا تكمن فقط في عدد رجال الأعمال الذين سيرافقونه، وإنما في قدرة الطرفين على تحويل وجودهم إلى اتفاقات فعلية. وإذا نجحت واشنطن وبكين في ذلك، فقد تمثل القمة بداية لمرحلة أكثر براغماتية في العلاقات الاقتصادية؛ أما إذا بقي الوفد في إطار رمزي، فستظل المنافسة الاستراتيجية هي العامل الأبرز في تحديد مستقبل العلاقات بين البلدين.
المصدر:
رويترز،
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية
إنترناسيونال