“روسيا” و”الصين” تعمقان شراكة الشرق الأقصى

الطاقة والبنية التحتية تقودان تعميق الشراكة

تتجه “روسيا” و”الصين” إلى تعميق التعاون الاقتصادي في الشرق الأقصى الروسي، في وقت تسعى فيه “موسكو” إلى تحويل المنطقة، وفي القلب منها “فلاديفوستوك”، إلى بوابة أوسع للتجارة والاستثمار مع “آسيا”، بينما ترى “بكين” في جوارها الروسي فرصاً إضافية في مجالات الطاقة والاستثمار والنقل والموارد الطبيعية.

وتكتسب هذه الشراكة زخماً جديداً مع انعقاد المنتدى الاقتصادي الشرقي الحادي عشر، في ظل سعي “موسكو” إلى تعزيز ارتباطها بالاقتصادات الآسيوية وتطوير منطقة استراتيجية تقع على مقربة من شمال شرق “الصين”، وجاءت أحدث الإشارات إلى هذا المسار خلال لقاء نائب رئيس الوزراء الصيني “دينغ شيويه شيانغ” بالرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في “فلاديفوستوك” على هامش المنتدى الاقتصادي الشرقي.

وقال “دينغ”، وفقاً لوكالة “شينخوا”، إن هناك إمكانات كبيرة لتعميق التعاون بين البلدين في تطوير الشرق الأقصى، داعياً إلى مواءمة استراتيجية “الصين” لإنعاش شمال شرق البلاد مع استراتيجية “روسيا” لتنمية الشرق الأقصى، كما أكد استعداد “بكين” لتعزيز التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة، فيما قال “بوتين”: إن “موسكو” مستعدة لتقوية التنسيق الاستراتيجي والتعاون مع “الصين”.

بوابة آسيا..

ولا تنبع أهمية هذه التحركات من التصريحات السياسية وحدها، بل من الموقع الاقتصادي والجغرافي للشرق الأقصى الروسي، فقد عرض “بوتين” خلال المنتدى المنطقة باعتبارها بوابة استراتيجية للتعاون مع دول “آسيا” والمحيط الهادئ، مشيراً إلى أن الشرق الأقصى جذب نحو 25 تريليون روبل، أو ما يقارب 288 مليار دولار، من الاستثمارات خلال السنوات الـ11 الماضية، بينما زاد الناتج الإقليمي الإجمالي بأكثر من ثلاثة أمثال.

وتعمل موسكو على توسيع البنية التحتية والنقل والموانئ والخدمات المرتبطة بالمنطقة لتعزيز قدرتها على الاضطلاع بدور أكبر في التجارة مع “آسيا”، وبالنسبة إلى “الصين”، يمنح الشرق الأقصى الروسي ميزة القرب الجغرافي من أقاليمها الشمالية الشرقية، إلى جانب توافر موارد طبيعية وطاقة ومساحات واسعة يمكن أن تدعم التعاون الصناعي والزراعي واللوجستي.

كما أن الحدود البرية الطويلة بين البلدين توفر أساساً لتوسيع حركة التجارة، وهو ما يدفع الجانبين إلى البحث عن وسائل جديدة لتقليص الاختناقات في النقل، وفي منطقة آمور، على سبيل المثال، يجري تطوير تجارب لاستخدام شاحنات ذاتية القيادة وطائرات مسيّرة لنقل البضائع بين “الصين” والشرق الأقصى الروسي، أما “موسكو” ، فتسعى إلى الاستفادة من الموقع الجغرافي للمنطقة في إعادة توجيه جزء أكبر من تجارتها نحو “آسيا”.

وقد أصبحت هذه الأولوية أكثر وضوحاً بعد العقوبات الغربية التي حدّت من وصول “روسيا” إلى عدد من الأسواق الأوروبية ومصادر التمويل والتكنولوجيا الغربية، ما دفع الشركات الروسية إلى البحث عن شركاء وأسواق ومسارات تجارية بديلة، وفي هذا السياق، لا يمثل تطوير الشرق الأقصى مشروعاً إقليمياً فحسب، بل جزءاً من إعادة ترتيب أوسع للجغرافيا الاقتصادية الروسية.

وتكشف الطاقة عن أحد أهم أوجه هذا التحول، فقد أصبحت “الصين” من كبار المشترين للطاقة الروسية، بينما ساعدت المبيعات إلى الأسواق الآسيوية “موسكو” على الحفاظ على جزء مهم من صادراتها بعد تراجع الوصول إلى الأسواق الأوروبية، وفي المقابل، أدى هذا التحول إلى زيادة أهمية “الصين” بالنسبة إلى قطاع الطاقة الروسي.

وخلال منتدى روسي صيني في “فلاديفوستوك”، قال “إيغور سيتشين” رئيس شركة “روسنفت”: إن “الصين” باتت تلعب دوراً متزايداً في سوق النفط العالمي، فيما أكدت “بكين” استعدادها لمواصلة تطوير التعاون الشامل في مجال الطاقة والحفاظ على استدامة تجارة النفط والغاز بين البلدين.

لكن تعميق العلاقات لا يخلو من تحديات، فزيادة الاعتماد الروسي على السوق الصينية، خصوصاً في الطاقة والسلع والتجارة، تمنح بكين أهمية اقتصادية متزايدة في الحسابات الروسية، ومن ثم، فإن نجاح “موسكو” في تحويل الشرق الأقصى إلى مركز آسيوي لا يرتبط فقط بزيادة حجم التجارة مع “الصين”، وإنما أيضاً بقدرتها على جذب استثمارات متعددة المصادر وتطوير مشروعات قادرة على خلق قيمة مضافة داخل المنطقة.

ضغوط موسكو..

ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه الاقتصاد الروسي ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع الإنفاق المرتبط بالحرب في “أوكرانيا” وتشدد الأوضاع المالية، فقد قال “بوتين” في المنتدى الاقتصادي الشرقي: إن عجز الموازنة ارتفع بنحو 40% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، ليصل إلى 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه وصف المستوى بأنه قابل للإدارة، مشيراً إلى انخفاض الدين العام الروسي كعامل يحد من المخاطر.

وتستهدف الموازنة الروسية لعام 2026 عجزاً عند 1.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي الوقت نفسه، ظل سعر الفائدة الأساسي لدى البنك المركزي الروسي عند 14% في بداية سبتمبر، بعدما خُفض من مستويات أعلى خلال العام، بينما تستمر السلطات النقدية في موازنة الحاجة إلى دعم النشاط الاقتصادي مع مخاطر التضخم والإنفاق الحكومي.

وتظهر بيانات البنك المركزي أن المعدل بلغ 14% في 3 و4 سبتمبر 2026، وتنعكس الضغوط أيضاً على قطاع الطاقة، أحد أهم مصادر الإيرادات الروسية، فقد قال نائب رئيس الوزراء “ألكسندر نوفاك”: إن إنتاج النفط الروسي سينخفض قليلاً في 2026، موضحاً أن التراجع الحالي يرتبط بصورة أساسية بعوامل مؤقتة، من بينها أعمال صيانة المصافي.

وفي المقابل، أظهرت مسودة توقعات حكومية اطلعت عليها رويترز خفض تقديرات إنتاج النفط للأعوام من 2026 إلى 2029 بنحو 16 إلى 20 مليون طن مقارنة بالتوقعات السابقة، مع توقع وصول إنتاج 2026 إلى 494.2 مليون طن، أي نحو 9.88 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى متوقع منذ 2009.

وربطت المسودة خفض التوقعات بتداعيات الحرب والعقوبات والاضطرابات التي أثرت في قطاع التكرير، ويعني ذلك أن التعاون مع “الصين” يتجاوز فكرة الاستثمار في إقليم روسي ناءٍ، ليصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة توجيه الاقتصاد الروسي نحو “آسيا”، فكلما توسعت التجارة عبر الحدود، ازدادت أهمية شبكات السكك الحديدية والموانئ والمعابر والممرات اللوجستية التي تربط “سيبيريا” والشرق الأقصى بالأسواق الآسيوية.

وتحاول “موسكو” بالفعل تطوير هذه البنية، فقد أكد “بوتين” أن بلاده تستهدف توسيع ممر النقل العابر للقطب الشمالي، مع توقعات بأن تصل قدرته إلى نحو 70 مليون طن من البضائع سنوياً بحلول 2030، مع ربط الموانئ الروسية في الشمال ب” فلاديفوستوك” والأسواق الآسيوية، كما تشمل خطط تطوير الشرق الأقصى البنية التحتية والتكنولوجيا وتدريب الكوادر والمجالات الاجتماعية.

لكن تحويل الموقع الجغرافي إلى مكاسب اقتصادية مستدامة سيظل مرتبطاً بحجم الاستثمارات وتكلفة النقل وقدرة المشروعات الجديدة على تحقيق عوائد فعلية، فالمنطقة شاسعة وبعيدة عن المراكز الاقتصادية الروسية الرئيسية، ما يجعل تطويرها أكثر تكلفة وتعقيداً من المناطق الواقعة في الجزء الأوروبي من البلاد.

وفي المقابل، فإن “الصين” تدخل هذه العلاقة وهي تملك وزناً اقتصادياً أكبر، ما يجعل طبيعة المشروعات وشروط التمويل والاستثمار وتوزيع العوائد عناصر مهمة في تحديد مستقبل الشراكة، ولهذا تبدو “موسكو” حريصة على جذب رأس المال والتكنولوجيا والأسواق الآسيوية، من دون أن يتحول الاعتماد المتزايد على “الصين” إلى تبعية اقتصادية يصعب تعديلها مستقبلاً.

وعلى المدى المتوسط، يرجح أن يستمر تعميق التعاون الروسي الصيني في الشرق الأقصى، مع تركيز خاص على الطاقة والاستثمار والنقل والموارد الطبيعية والصناعة والتجارة الحدودية، وتدعم هذا الاتجاه آليات تعاون مؤسسية متزايدة، من بينها اجتماع لجنة التعاون الاستثماري الروسية الصينية، إضافة إلى لجنة التعاون في مجال الطاقة التي اجتمعت في “فلاديفوستوك” بالتزامن مع المنتدى.

وستظل النتيجة الأهم مرتبطة بقدرة البلدين على تحويل الزخم السياسي إلى استثمارات ومشروعات وبنية تحتية وتدفقات تجارية مستدامة، فإذا نجحت “موسكو” في ذلك، يمكن للشرق الأقصى أن يتحول تدريجياً من منطقة بعيدة عن مركز الاقتصاد الروسي إلى إحدى أهم بوابات “روسيا” نحو “آسيا”، بينما تحصل “الصين” على عمق اقتصادي ولوجستي أكبر على حدودها الشمالية.

اترك تعليقا