سوريا بين إرهاصات الانفتاح الإقليمي وواقع الانكماش
رصد لأبرز المؤشرات الاقتصادية والتحديات المعيشية في سوريا
- dr-naga
- 3 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- اقتصاد سوريا, الانفتاح الإقليمي وواقع الانكماش المعيشي, التحديات المعيشية في سوريا, التضخم, الزراعة, السوق الموازي, الطاقة, العملة السورية, المؤشرات الاقتصادية, دمشق, سلةالغذاء, سوريا
الرائد//يدخل الاقتصاد السوري شهر سبتمبر 2026 وهو يكافح من أجل البقاء في ظل معادلة بالغة التعقيد. فمن ناحية، تلوح في الأفق بوادر تطبيع إقليمي محدود يهدف لإعادة ربط دمشق ببعض الشرايين الاقتصادية العربية. ومن ناحية أخرى، يواجه المواطن السوري يومياً واقعاً معيشياً كارثياً يتسم بتآكل حاد في قيمة العملة، وندرة في المواد الأساسية، وانهيار شبه كامل في البنية التحتية، مما يجعل الفجوة بين الخطط الحكومية والواقع اليومي للأسر أوسع من أي وقت مضى.
العملة الوطنية والتضخم: تآكل المدخرات وهيمنة السوق الموازي
تشير المؤشرات المحلية إلى استمرار الضغط الهائل على الليرة السورية، حيث تتراوح أسعار الصرف في السوق الموازية حول مستويات قياسية جديدة تتجاوز 18 ألف ليرة للدولار الأمريكي، مما يعكس استمرار فقدان الثقة بالعملة الوطنية. ولم تعد الرواتب في القطاع العام، حتى بعد التعديلات الاسمية الأخيرة، تغطي سوى نسبة ضئيلة جداً من تكلفة سلة الغذاء الشهرية للأسرة الواحدة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي السوري البارز الدكتور سمير سيفان أن استمرار تمويل عجز الموازنة عبر التوسع في إصدار النقد، في ظل شح الإنتاج المحلي والعقوبات المفروضة، هو المحرك الأساسي لهذا التضخم المفرط. ويضيف أن الحلول النقدية الجزئية لم تعد تجدي نفعاً دون معالجة جذرية لمصادر الدخل الوطني وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
على صعيد الخلفية التاريخية، فقدت الليرة السورية أكثر من 95 في المئة من قيمتها منذ عام 2011، بعد أن كانت من العملات المستقرة في المنطقة. وتتجه التوقعات إلى أن يظل السوق الموازي هو المهيمن على التعاملات اليومية، ما لم يتم توحيد المؤسسات المالية وإصلاح جذري يشمل شفافية العمليات النقدية.
الطاقة والدعم الحكومي: أزمة وقود خانقة وتحديات نظام التوزيع
أعلنت الحكومة مؤخراً عن تعديلات في آليات توزيع المحروقات، بهدف إعطاء أولوية قصوى للقطاعات الحيوية مثل المستشفيات والمخابز العامة، في محاولة لتخفيف حدة الأزمة.
على أرض الواقع، يعاني المواطنون من نقص حاد ومزمن في مادتي المازوت والغاز المنزلي. وتتحول محطات الوقود إلى بؤر للازدحام لساعات طويلة، بينما لا تكفي الحصص المخصصة عبر نظام البطاقة الذكية لتلبية الحد الأدنى من احتياجات التدفئة أو الطهي، مما يضطر الأسر للجوء إلى البدائل المكلفة أو غير الآمنة.
ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن تيشوري إلى أن تحول سوريا من دولة مصدرة للنفط إلى دولة مستوردة له، مع تضرر مصافي التكرير المحلية، خلق عجزاً هيكلياً في ميزان الطاقة. دعم المحروقات أصبح عبئاً لا يحتمل على الموازنة، لكن رفعه فجأة دون شبكة أمان اجتماعي فعالة سيدفع بملايين المواطنين تحت خط الفقر المدقع.
من المتوقع أن تستمر أزمة الطاقة في خنق أي محاولة جادة لإحياء القطاع الصناعي أو الزراعي خلال الربع الأخير من 2026، ما لم تتدفق تمويلات خارجية مضمونة لتأمين المشتقات النفطية.
الزراعة والأمن الغذائي: من سلة غذاء المشرق إلى الاعتماد على المساعدات
كان من المفترض أن يشهد هذا الموسم جهوداً مكثفة لتعزيز إنتاج القمح والمحاصيل الاستراتيجية في المناطق الشمالية والشرقية. إلا أن التقارير الميدانية ترصد تحديات هائلة، أبرزها تداعيات التغير المناخي وموجات الجفاف المتتالية، وارتفاع تكاليف الأسمدة والبذور، وصعوبات النقل بسبب تدهور الطرق.
ويحذر الخبير في الاقتصاد الزراعي الدكتور محمد الحلاق من أن تراجع المساحات المزروعة فعلياً، مقترناً بضعف القدرة الشرائية للمزارعين، يهدد بتكرار سيناريو العجز الغذائي. الأسعار في الأسواق المحلية للخبز والخضروات باتت بعيدة عن متناول الشريحة الواسعة من ذوي الدخل المحدود.
تاريخياً، كانت سوريا تعتمد على ذاتها في إنتاج القمح وتصدر الفائض. اليوم، تتوقع منظمات دولية أن يظل الاعتماد على المساعدات الإنسانية الخارجية شريان الحياة الأساسي لملايين السوريين، في ظل غياب سياسات زراعية تحفيزية حقيقية تحمي المزارع من تقلبات السوق.
إعادة الإعمار والعقوبات: شلل القطاع الخاص وهجرة الكفاءات
رغم الحديث الإعلامي عن مشاريع محدودة لإعادة تأهيل بعض البنى التحتية بالتعاون مع شركاء إقليميين، فإن الواقع يشير إلى أن قطاع الأعمال لا يزال مشلولاً.
يشتكي أصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة من استحالة الحصول على تمويل مصرفي، وارتفاع تكاليف التشغيل، والأهم من ذلك، الخوف من التداعيات الثانوية للعقوبات الدولية التي تثني أي مستثمر جدي عن المخاطرة برأس ماله. بالإضافة إلى ذلك، أدت هجرة الأدمغة المستمرة إلى حرمان السوق من الكفاءات الفنية والإدارية الضرورية لأي نهضة.
ويوضح الخبير الاقتصادي الدكتور أسامة قاضي أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون مجرد ترميم للطرق والجسور، بل هي عملية مؤسسية شاملة تتطلب بيئة قانونية آمنة وشفافة. بدون تسوية سياسية شاملة تفتح الباب لرفع العقوبات وجذب استثمارات حقيقية، ستظل جهود الإعمار جزئية وهشة.
الخلاصة والتوقعات للربع الأخير من 2026
يعيش الاقتصاد السوري مرحلة يمكن وصفها باقتصاد الكفاف، حيث تتلاشى مؤشرات النمو التقليدية لتحل محلها معادلة البقاء اليومي. التحدي الجوهري للحكومة والمجتمع الدولي ليس في صياغة خطط إصلاح نظرية، بل في وقف النزيف الإنساني، وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار في أسعار المواد الأساسية، وإعادة تشغيل عجلة الإنتاج المحلي.
يتوقع المحللون أن يظل الوضع الاقتصادي رهينة بالمعادلة السياسية؛ فأي تقدم ملموس نحو تسوية شاملة قد يفتح الباب لآليات تمويل دولية وإقليمية لإنعاش الاقتصاد، بينما سيؤدي استمرار الجمود إلى تعميق الفجوة بين الإمكانات الهائلة للبلاد والواقع المأساوي لمواطنيها، مع استمرار الاعتماد الكلي على التحويلات الخارجية والمساعدات الإنسانية.