الاقتصاد الجزائري..التنويع يتقدم..لكن الاختلالات المالية يضغطان على المشهد
الريع وعائدات الطاقة تمنح الاقتصاد هامشاً للمناورة
- معاذ علي
- 3 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- إمدادات النفط, اقتصاد, اقتصاد الجزائر, البنك الدولي, التضخم
يدخل الاقتصاد الجزائري خريف 2026 بصورة أكثر تعقيداً مما توحي به مؤشرات النمو وحدها؛ فالاقتصاد يواصل تحقيق معدلات نمو إيجابية مدفوعة بالإنفاق والاستثمار ونشاط القطاعات غير المرتبطة بالمحروقات، فيما لا تزال عائدات الطاقة تمثل ركيزة أساسية للمالية العامة والصادرات.
وقدّر صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 3.8% في 2026، مع بقاء النشاط غير الهيدروكربوني محركاً مهماً للنمو، لكنه حذر في الوقت نفسه من تآكل الهوامش المالية والخارجية وارتفاع احتياجات التمويل.
المحروقات تحتفظ بالثقل.. والتنويع يواجه اختباراً صعباً..
لا تبدو الصورة الخارجية بالمتانة التي يعكسها الحديث عن وفرة نقدية تتجاوز 85 مليار دولار؛ إذ تشير تقديرات الصندوق إلى تراجع الاحتياطيات الرسمية من 59.4 مليار دولار في 2025 إلى نحو 49.7 مليار دولار في 2026، مع توقع استمرار الضغوط على الحساب الجاري نتيجة ارتفاع الواردات وتراجع قيمة صادرات المحروقات مقارنة بالسنوات السابقة.
وتكشف هذه الأرقام أن التحدي الرئيسي أمام الجزائر لا يتمثل في غياب الموارد، وإنما في تحويل الوفورات المرتبطة بالطاقة إلى قاعدة إنتاجية أكثر تنوعاً وأقل تعرضاً لتقلبات أسعار النفط والغاز.
فالمحروقات لا تزال تمثل نحو 83% من الصادرات و47% من إيرادات الموازنة وفق بيانات البنك الدولي للفترة 2019-2023، ما يؤكد استمرار الوزن الكبير للقطاع في الاقتصاد.
وفي قطاع الغاز تحديداً، تواصل «سوناطراك» تعزيز حضورها الأوروبي وتنويع أسواقها؛ إذ سجلت في يوليو 2026 أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال إلى “ألمانيا”، في خطوة تعكس السعي إلى توسيع قاعدة الأسواق أكثر من كونها تحولاً بعيداً عن المحروقات.
وتبقى هذه الاستراتيجية مهمة في المدى القصير، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تطوير قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات والتكنولوجيا القادرة على توليد صادرات مستقلة عن الطاقة.
الأسعار والمعيشة: تضخم أهدأ.. وضغوط لا تختفي..
لا تدعم أحدث البيانات المتاحة توصيف الاقتصاد الجزائري بأنه يواجه موجة تضخم مرتفعة في 2026؛ فقد انخفض التضخم بصورة ملحوظة خلال 2024 و2025، بينما يتوقع صندوق النقد أن يبلغ متوسط التضخم نحو 3.9% في 2026، مع الإشارة إلى احتمال ارتفاع مؤقت في ضغوط الأسعار.
كما أظهرت بيانات بنك “الجزائر” أن التضخم السنوي بلغ 3.14% في يوليو 2025، بعد أن كان 6.12% في الشهر نفسه من العام السابق، ما يعكس تحسناً واضحاً مقارنة بموجات الأسعار السابقة.
ومع ذلك، فإن تراجع معدل التضخم العام لا يعني بالضرورة اختفاء الضغوط عن ميزانيات الأسر، خصوصاً عندما تتركز الزيادات في سلع أساسية ذات وزن كبير في إنفاق الأسر محدودة الدخل.
ومن هنا فإن قياس أثر الأسعار على المعيشة يحتاج إلى النظر في تطورات أسعار الغذاء والدخل الحقيقي وتكاليف السكن والنقل، وليس إلى المتوسط العام لمؤشر أسعار المستهلك وحده.
كما أن سياسة الدعم تظل عنصراً مركزياً في إدارة الأوضاع الاجتماعية، لكن صندوق النقد يرى أن إصلاح منظومة الدعم وتحويلها بصورة أكبر إلى دعم موجه للفئات الأكثر احتياجاً يمثلان جزءاً من الإصلاح المالي الضروري، بالتوازي مع حماية الشرائح الهشة.
وتواجه المالية العامة في الوقت نفسه ضغوطاً كبيرة؛ فقد بلغ العجز المالي 10.5% من الناتج المحلي في 2025، ويتوقع الصندوق ارتفاعه إلى نحو 12.4% في 2026، بينما ارتفعت نسبة الدين الحكومي الإجمالي إلى مستويات أعلى، ما يجعل تحسين كفاءة الإنفاق وزيادة الإيرادات غير النفطية أكثر إلحاحاً.
لذلك تبدو معادلة المعيشة في “الجزائر” خلال الخريف المقبل مرتبطة ليس فقط بمعدل التضخم، بل بقدرة الدولة على الحفاظ على القوة الشرائية دون توسيع الاختلالات المالية، وتحويل الإنفاق العام من أداة لدعم الاستهلاك إلى وسيلة لرفع الإنتاجية وخلق وظائف أكثر استدامة.
الإصلاح والاستثمار: خطوات رقمية.. واختبار للقطاع الخاص..
تواصل “الجزائر” خلال 2026 تنفيذ خطوات لتحديث بيئة الاستثمار والإدارة، وهو جانب يمثل تحولاً مهماً مقارنة بالسنوات التي اتسمت فيها بيئة الأعمال بدرجة أكبر من التعقيد الإداري.
وتعمل الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار على إطلاق الشباك الوحيد الرقمي لتعميم رقمنة الإجراءات المرتبطة بالاستثمار، بهدف جعل المعاملات أكثر سرعة ووضوحاً وأماناً، في إطار تطبيق قانون الاستثمار رقم 22-18.
كما اتخذت السلطات خطوات إضافية لتوسيع الدفع الإلكتروني؛ إذ أطلقت المديرية العامة للضرائب في يوليو 2026 خدمة الدفع الإلكتروني للحقوق والرسوم عبر بوابة «جبايتك»، في مسار يستهدف تحديث الإدارة وتقليل الاعتماد على المعاملات التقليدية.
وعلى المستوى المصرفي، أظهر بنك “الجزائر” استمرار العمل على تحديث النظام المالي وتسهيل الوصول إلى الخدمات المصرفية، فيما صدرت خلال 2026 تعليمات جديدة تتعلق بتمويل عمليات التصدير وتنظيم بعض عمليات الصرف والتجارة الخارجية.
لكن هذه الخطوات لا تعني أن العقبات الهيكلية اختفت؛ فصندوق النقد يرى أن الجزائر تحتاج إلى إصلاحات أعمق لتعزيز القطاع الخاص وتقليص الروابط المالية بين الدولة والمؤسسات العمومية والبنوك العامة، وتحسين كفاءة الإطار المالي والنقدي وزيادة مرونة سوق الصرف.
ويظل التشغيل أحد أهم اختبارات هذا التحول؛ فالبنك الدولي أشار إلى أن بطالة الشباب بلغت 29.3% في 2024، ما يجعل خلق وظائف منتجة خارج القطاع العام والأنشطة المرتبطة بالمحروقات ضرورة اقتصادية واجتماعية في آن واحد.
ومن ثم فإن نجاح الإصلاحات لن يقاس بعدد المنصات الرقمية أو القوانين الجديدة فقط، بل بمدى قدرتها على تحويل الاستثمار إلى شركات منتجة، وزيادة الصادرات غير النفطية، وتوسيع التمويل أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة.
ومع اقتراب الربع الأخير من 2026، تبدو “الجزائر” أمام فرصة مهمة بفضل استمرار النمو وامتلاكها قاعدة طاقة كبيرة، لكن هامش المناورة ليس مفتوحاً بلا حدود؛ فاستمرار العجز المالي والحساب الجاري وتراجع الاحتياطيات وفق توقعات صندوق النقد يفرضان تسريع الإصلاحات قبل أن تتحول قوة الإيرادات النفطية إلى عامل يؤجل المعالجة بدلاً من تمويلها.