الأمم المتحدة تحذر من تصاعد التوغلات الإسرائيلية جنوب سوريا

مداهمات للمنازل وقيودًا على حركة السكان واحتجاز

حذّر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 9 أكتوبر 2026 من استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا، مشيرًا إلى أن هذه التحركات تؤثر بصورة مباشرة في حياة المدنيين وحرية تنقلهم ومصادر رزقهم، وسط مطالب سورية بوقف التوغلات والالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وقالت المتحدثة باسم المكتب، شبيعة مانتو، إن المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك يشعر بالقلق إزاء استمرار الانتهاكات. وأوضحت أن المكتب وثّق نحو 280 حادثة توغل عسكري إسرائيلي داخل الأراضي السورية خلال سبتمبر الماضي، وهو أعلى عدد شهري يسجله منذ بداية العام، بحسب البيان الذي نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا». 

وشملت الحوادث، وفق المكتب الأممي، مداهمات للمنازل، وقيودًا على حركة السكان، وعمليات احتجاز، ومضايقات للمدنيين، وتدميرًا لمصادر رزقهم ومحاصيلهم الزراعية. وأشار المكتب إلى أن المعلومات المتاحة تفيد ببقاء ما لا يقل عن 49 سوريًا في الاحتجاز الإسرائيلي، مع عدم توافر حصيلة شاملة مؤكدة بصورة مستقلة.

القنيطرة في قلب التطورات الميدانية

تتركز المخاوف في مناطق من محافظة القنيطرة، حيث تتكرر التحركات العسكرية الإسرائيلية بالقرب من القرى والتجمعات السكانية.

وأفاد مكتب حقوق الإنسان بأنه تلقى معلومات عن حادثة وقعت الأربعاء 7 أكتوبر، أُصيب خلالها مزارع من ذوي الإعاقة بالرصاص واحتُجز مؤقتًا خلال توغل عسكري في بلدة جباتا الخشب شمالي القنيطرة. ووفق المعلومات التي أوردها المكتب، نُقل المزارع لاحقًا إلى مستشفى الجولان لإجراء عملية جراحية.

كما أشار المكتب إلى مقتل شاب يبلغ 22 عامًا من بلدة جبا في حادثة وقعت قرب بلدة الحميدية يوم الاثنين 5 أكتوبر. ووفق المعلومات الأولية التي تلقاها، كان الشاب يسير ليلًا ولم يكن يعلم بوجود موقع عسكري إسرائيلي في نهاية الطريق، ولم تتوافر معلومات عن إطلاق طلقات تحذيرية قبل مقتله.

وطالب فولكر تورك بإجراء تحقيق سريع ومحايد في الحوادث، مؤكدًا أن استخدام القوة المميتة خارج سياق الأعمال العدائية لا يجوز إلا عندما يكون ضروريًا بصورة لا مفر منها لحماية الحياة.

اتهامات بسوء معاملة المحتجزين

أفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأن شهادات بعض المحتجزين الذين أُفرج عنهم، إلى جانب معلومات من مصادر أخرى، تضمنت ادعاءات بالتعرض للاحتجاز المطول وسوء المعاملة والتعذيب.

وشملت الادعاءات الضرب والإجبار على الوقوف لفترات طويلة والتهديد بإيذاء المحتجزين وأسرهم. وهذه اتهامات أوردها المكتب الأممي استنادًا إلى المعلومات التي جمعها، وتحتاج الوقائع الفردية إلى تحقيقات مستقلة لتحديد المسؤولية.

وأشار المكتب إلى الإفراج عن 14 محتجزًا على الأقل ممن طالت فترات احتجازهم خلال أغسطس وسبتمبر، مع استمرار تسجيل حالات احتجاز جديدة. وتثير هذه المعلومات مخاوف بشأن الضمانات القانونية، وحق المحتجزين في معرفة أسباب احتجازهم، والحصول على الحماية القضائية.

دمشق تتمسك باتفاق فض الاشتباك

تطالب الحكومة السورية بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وتدعو المجتمع الدولي إلى الضغط على إسرائيل لاحترام السيادة السورية والالتزامات الدولية.

ويظل اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974 الإطار الأساسي المنظم للفصل بين القوات السورية والإسرائيلية في المنطقة. لكن استمرار التوغلات والعمليات العسكرية يثير مخاوف من تحول التحركات التي تصفها دمشق بالانتهاكات إلى وجود عسكري طويل الأمد يغيّر الوقائع الميدانية.

وكانت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا قد حذرت في سبتمبر 2026 من أن النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب البلاد يتخذ طابعًا أكثر استمرارًا وترسخًا، مع تكرار الدوريات والتوغلات وعمليات التفتيش. وأشارت إلى أن بعض الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب إذا ثبتت عناصرها القانونية.

وفي المقابل، يتطلب التقييم الكامل للمشهد الاطلاع على المبررات الأمنية التي تقدمها إسرائيل، والتحقق من الوقائع الميدانية بصورة مستقلة، بدل الاكتفاء برواية طرف واحد.

ما الذي يمكن أن يغيّر الوضع؟

تواجه دمشق تحديًا يتمثل في تحويل المطالب الدبلوماسية إلى إجراءات توقف التوغلات وتحمي السكان، خصوصًا في القرى الزراعية القريبة من خطوط التماس. ويحتاج ذلك إلى تحرك دولي يركز على مراقبة اتفاق 1974، وتوثيق الحوادث، والتحقيق في مقتل المدنيين واحتجازهم، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

كما أن استمرار العمليات العسكرية يفرض أعباء اقتصادية على السكان، إذ يمكن أن يعيق الوصول إلى الأراضي الزراعية ويعطل الأعمال اليومية ويزيد مخاوف الأسر من البقاء في مناطقها.

وسيكون المؤشر الأهم خلال الفترة المقبلة هو ما إذا كانت التحذيرات الأممية ستؤدي إلى تحقيقات وإجراءات ملموسة، أم ستظل في إطار البيانات الدبلوماسية دون تغيير في الواقع الميداني.

المصدر

وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، نقلًا عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان

اترك تعليقا