اكتشاف غازي ضخم في إيران

ثروة جديدة تواجه اختبار العقوبات والحرب

أعلنت إيران اكتشاف حقل جديد للغاز الطبيعي في جنوب إقليم فارس، يضم أكثر من 7.5 تريليونات قدم مكعبة من الغاز، في تطور لافت يأتي في وقت يواجه فيه قطاع الطاقة الإيراني ضغوطًا غير مسبوقة بفعل الحرب والعقوبات وتراجع قدرات الإنتاج. وقال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد إن نحو 5.7 تريليونات قدم مكعبة من الكمية المكتشفة يمكن استخراجها، استنادًا إلى معامل استخلاص يتجاوز 72%.

ويكتسب الإعلان أهمية إضافية بالنظر إلى حجم الاحتياطيات الجديدة مقارنة باحتياجات إيران المحلية. وبحسب الوزير، فإن الكمية القابلة للاستخراج تعادل تقريبًا الإنتاج الذي توفره إحدى مراحل حقل بارس الجنوبي لمدة 15 عامًا، وهو أحد أهم مصادر الغاز في البلاد وأحد أكبر مكامن الغاز في العالم الذي تتقاسمه إيران وقطر تحت اسمي بارس الجنوبي والقبة الشمالية.

اكتشاف في توقيت حساس

جاء الإعلان الإيراني بينما تحاول طهران إعادة بناء قطاع الطاقة بعد أضرار لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب الأخيرة، وفي ظل تهديدات أمريكية بتشديد الضغط الاقتصادي على إيران وشركائها التجاريين.

ويشير خبراء الطاقة إلى أن قيمة الاكتشاف لا ترتبط فقط بحجم الغاز الموجود تحت الأرض، وإنما بقدرة إيران على تحويله إلى إنتاج فعلي. فامتلاك الاحتياطي لا يعني بالضرورة وصول الغاز إلى الأسواق سريعًا، إذ تحتاج الحقول الجديدة إلى آبار ومنشآت معالجة وخطوط نقل واستثمارات طويلة الأجل.

وتشير بيانات حديثة إلى أن الحرب ألحقت أضرارًا كبيرة بمنشآت الغاز الإيرانية. وقال عرفان أفاضلي، الأمين العام لاتحاد صناعة النفط الإيراني، إن أربع مصافٍ في منشآت بارس الجنوبي تضررت، الأمر الذي أدى إلى فقدان نحو ثلث القدرة الإنتاجية للحقل بسبب نقص منشآت المعالجة. كما حذر من احتمال مواجهة إيران نقصًا في الغاز خلال موسم البرد المقبل.

وبذلك، فإن المفارقة التي تواجه طهران تتمثل في الإعلان عن مورد غازي ضخم في وقت لا تزال فيه أجزاء من قدرتها الحالية على الإنتاج والمعالجة بحاجة إلى إعادة تأهيل.

غاز أقل تكلفة

من أبرز عناصر أهمية الاكتشاف الجديد، بحسب وزارة النفط الإيرانية، طبيعة الغاز الموجود فيه. ووصف باك نجاد الغاز بأنه “حلو”، أي منخفض المركبات الكبريتية، وهو ما يمكن أن يقلل الحاجة إلى عمليات معالجة معقدة ويخفض تكاليف التطوير والتشغيل.

ويضم الحقل أيضًا كميات كبيرة من مكثفات الغاز، وهي سوائل هيدروكربونية ذات قيمة اقتصادية يمكن فصلها والاستفادة منها في قطاعات مختلفة من صناعة الطاقة والبتروكيماويات. وقال الوزير إن الموارد الجديدة يمكن أن تضيف قيمة اقتصادية بمليارات الدولارات إلى الاقتصاد الإيراني.

لكن تقدير القيمة المالية النهائية سيظل مرتبطًا بمعدلات الإنتاج المستقبلية وتكاليف التطوير وأسعار الغاز والمكثفات والقدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

العقوبات هي الاختبار الأصعب

تواجه إيران مشكلة قد تكون أكثر تعقيدًا من العثور على الغاز نفسه، وهي كيفية تطوير الحقل في ظل القيود المفروضة على التمويل والتكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية.

وتشير تحليلات قطاع الطاقة إلى أن سنوات العقوبات قلصت الاستثمارات في البنية التحتية الإيرانية، بينما أدت الحرب الأخيرة إلى أضرار إضافية في منشآت النفط والغاز. وقالت كارول نخلة، مؤسسة شركة Crystol Energy الاستشارية، إن إيران قد تواجه مسار تعافٍ أطول من بعض منتجي المنطقة بسبب القيود التي فرضتها العقوبات والهجمات التي ألحقت أضرارًا بالبنية التحتية للطاقة والنقل.

وهذا يعني أن الاكتشاف الجديد يمثل مكسبًا استراتيجيًا طويل الأجل أكثر منه حلًا فوريًا لأزمة الطاقة الإيرانية.

بين الاستهلاك المحلي وطموح التصدير

تستهلك إيران كميات ضخمة من الغاز محليًا، خصوصًا في قطاعات الكهرباء والصناعة والتدفئة، ما يجعل أي زيادة في الإنتاج ذات أهمية مباشرة للاقتصاد والسكان.

وتسعى طهران في الوقت نفسه إلى الحفاظ على طموحها في تصدير الغاز، لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى فائض إنتاجي مستقر بعد تغطية الطلب المحلي، فضلًا عن بنية تحتية قادرة على النقل والتصدير.

ومن هنا، يمكن للاكتشاف الجديد أن يدعم موقع إيران في سوق الطاقة على المدى الطويل، لكنه لن يغير بصورة فورية معادلة العرض والطلب. فحتى مع وجود 5.7 تريليونات قدم مكعبة قابلة للاستخراج، يحتاج تطوير الحقل إلى استثمارات وحفر وبنية تحتية ووقت قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج التجاري.

بارس الجنوبي يكشف حجم التحدي

يمثل حقل بارس الجنوبي محور منظومة الغاز الإيرانية، وبدأ إنتاجه عام 2002، بينما تقدر احتياطياته القابلة للاستخراج بنحو 14 تريليون متر مكعب وفق البيانات الواردة في التقارير الإيرانية. وقد تعرض تطويره لعقبات متكررة بسبب العقوبات الأمريكية وصعوبة الحصول على التكنولوجيا والاستثمارات الخارجية.

وفي المقابل، تظهر تحركات إيران الأخيرة رغبة في الحفاظ على قدراتها الإنتاجية رغم الظروف الصعبة. فقد أعلنت الشركة المشغلة لمرحلة 11 من بارس الجنوبي أن الإنتاج يقترب من تجاوز مليار قدم مكعبة يوميًا مع استمرار أعمال الحفر، في مؤشر على محاولة طهران تعويض خسائرها وزيادة الإمدادات المحلية.

كما أعلنت إيران في اليوم السابق للاكتشاف أن إصلاح منشأة في المرحلة 14 من بارس الجنوبي وصل إلى نحو 70%، مع استمرار أعمال إعادة التأهيل.

ورقة اقتصادية في مواجهة الضغط الأمريكي

يأتي الإعلان في وقت تصاعد فيه الضغط الأمريكي على إيران، خصوصًا مع تهديد واشنطن باتخاذ إجراءات ضد الدول والشركات التي تواصل التعامل التجاري مع طهران. وقد انعكست المخاوف بشأن إمدادات الطاقة الإيرانية على أسواق النفط، إذ ارتفعت الأسعار خلال الأسبوع الماضي وسط مخاوف من استمرار اضطراب الإمدادات وحركة الملاحة في المنطقة.

ويرى محللون أن امتلاك إيران احتياطيات غازية ضخمة يمنحها هامشًا إضافيًا للمناورة الاقتصادية، لكنه لا يلغي تأثير العقوبات على قدرتها في استقطاب الاستثمارات والتكنولوجيا.

وتبرز هنا نقطة أساسية: الاكتشاف يعزز الثروة الجيولوجية لإيران، لكنه لا يعالج تلقائيًا أزمة السيولة أو البنية التحتية أو الوصول إلى الأسواق.

ثروة استراتيجية تحتاج إلى استثمار

من الناحية الاقتصادية، يمكن أن يوفر الحقل الجديد فرصة لإيران لزيادة إنتاج الغاز وتخفيف الضغوط على محطات الكهرباء والصناعة، وربما تعزيز صادراتها مستقبلًا. كما يمكن لمكثفات الغاز أن تضيف مصدرًا إضافيًا للإيرادات.

لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب بيئة استثمارية مستقرة، وتمويلًا، وتقنيات متقدمة، وإعادة بناء المنشآت المتضررة، فضلًا عن استقرار سياسي وأمني يسمح بتنفيذ مشاريع تمتد لسنوات.

ويؤكد الخبير الإيراني في قطاع النفط والغاز عرفان أفاضلي أن حجم الأضرار التي لحقت بمنشآت بارس الجنوبي يجعل إعادة تأهيل القدرات الإنتاجية الحالية نفسها تحديًا كبيرًا، بعدما تضررت أربع مصافٍ خلال الحرب.

لذلك، يمكن النظر إلى الاكتشاف الجديد باعتباره احتياطيًا استراتيجيًا لإيران أكثر من كونه موردًا ماليًا فوريًا. فطهران حصلت على دفعة قوية في قاعدة مواردها، لكنها تحتاج أولًا إلى تجاوز العقوبات وأضرار الحرب ونقص الاستثمارات حتى تتمكن من تحويل الغاز المدفون في جنوب فارس إلى إنتاج وإيرادات وصادرات.

وبينما تراهن الحكومة الإيرانية على الاكتشاف لإظهار قدرة قطاع الطاقة على الصمود، ستظل المسألة الحاسمة خلال السنوات المقبلة هي قدرة طهران على تمويل التطوير وإعادة تأهيل البنية التحتية وربط الاحتياطيات الجديدة بشبكة الإنتاج والأسواق.

وعندها فقط يمكن لهذا الاكتشاف أن يتحول من رقم ضخم في سجلات الاحتياطيات إلى قوة اقتصادية مؤثرة في سوق الطاقة الإقليمي.

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا