استنفار عسكري على الحدود السورية العراقية: هل تقترب المنطقة من حرب جديدة؟

جمال سلطان يكتب

استنفار عسكري سوري مفاجئ

بدأت طبول الحرب تدق على الحدود السورية العراقية، حيث وردت أنباء بالغة الخطورة تفيد باستنفار عسكري سوري كبير ومفاجئ لم يُعلن عنه مسبقاً. فقد صدرت أوامر برفع درجة الجاهزية في مختلف قطاعات الجيش السوري، ودُعي عناصر الجيش إلى الالتحاق بوحداتهم العسكرية فوراً وفي أسرع وقت ممكن، مع رفع درجة الطوارئ. كما تواترت الأنباء عن تحركات وحشود عسكرية سورية نحو الحدود العراقية، شملت دفعات من المدرعات.

وفي المقابل، صدرت بيانات من الجانب العراقي تؤكد أن الأمور تحت السيطرة، ولا يوجد ما يدعو للقلق، وأن هناك تواصلاً مستمراً مع الجهات السورية. إن استنفار الجيوش بهذه الضخامة يُعد قراراً مكلفاً مادياً ونفسياً، ولا يُتخذ للاستعراض، بل يستند إلى دواعٍ حقيقية. فما الذي استدعى سوريا لاتخاذ مثل هذا القرار؟

تحذيرات متزامنة وتنسيق إقليمي

يأتي هذا الاستنفار بعد أيام من إنذار سوري علني موجه إلى الحكومة العراقية، يؤكد أن أي اعتداء أو تحرش أو محاولة تسلل من العراق إلى الأراضي السورية لارتكاب أعمال عنف أو إرهاب ستُواجه بردع عسكري حازم. وقد تزامن هذا البيان السوري مع بيان سعودي بنفس المضمون، يحذر من أن أي عدوان أو تحرش تقوم به الميليشيات العراقية الموالية لإيران على الأراضي السعودية سيُواجه برد حاسم. كما أصدر الأردن بياناً مشابهاً في نفس اليوم.

إن صدور هذه الإنذارات من الدول الثلاث المحيطة بالعراق وفي يوم واحد يعطي انطباعاً بوجود تنسيق استخباراتي وعسكري وثيق بينها لمواجهة خطر مشترك، يتمثل في الميليشيات العراقية الخارجة عن السيطرة والتابعة لإيران. ومن الواضح أن إيران، التي تتجنب حالياً المواجهة المباشرة مع المملكة العربية السعودية خشية التداعيات الخطيرة أو تدخل قوى إقليمية أخرى مرتبطة باتفاقيات دفاع مشترك، تحاول تحريك أذرعها في العراق وتوجيهها عن بُعد لتحقيق أهدافها.

التوترات الحدودية وعجز الدولة العراقية

قبل يومين، أبلغت الحكومة السورية نظيرتها العراقية برصدها لتحركات ميليشيات عراقية قرب الحدود السورية، حيث تمتلك هذه الميليشيات طائرات مسيرة هجومية وقدرات صاروخية، وتتحرك بالقرب من الحدود. وبالرغم من هذا البلاغ، لم يصدر أي تعقيب من الحكومة العراقية.

وفي سياق متصل، تناقلت الأنباء أنباء عن إطلاق نار من الجانب العراقي على مروحية سورية كانت تؤمن الحدود وتراقبها. كما أن هذه الميليشيات حاولت استهداف مصافي نفط سعودية بطائرات مسيرة، مما دفع المملكة إلى الرد بعملية قصف عنيفة لمواقعها، أسفرت عن مقتل وجرح العشرات وتدمير العديد من المعسكرات.

أثارت هذه الضربات غضب الميليشيات، التي أمهلت الحكومة العراقية حتى السادس من أغسطس (بعد انتهاء مراسم عاشوراء) للرد على ما وصفته بالعدوان، وإلا ستتصرف بمفردها. وفي المقابل، هددت الحكومة العراقية بمنع هذه الميليشيات من استهداف دول الجوار، محذرة من أن أي هجوم من جانبها سيستدعي رداً من الدول المجاورة، وستدفع العراق بأكملها الثمن. هذا العجز يعكس غياب الدولة الحقيقية في العراق؛ فمن أهم معالم الدولة احتكارها لقرار الحرب والسلم. وإذا كانت الميليشيات تشن حروباً بمعرفتها ضد دول الجوار، فهذا يُسقط الشرعية العملية عن الحكومة العراقية، ويُظهر رئيس الوزراء كشخصية شكلية تفتقر للهيبة والسلطة.

استقدام عناصر أجنبية ومخاطر التصعيد
في هذا السياق، رصدت تقارير عراقية خلال فترة “أربعينية الإمام الحسين” إصدار نحو 15 ألف تأشيرة دخول لعناصر أفغانية إلى العراق. هؤلاء العناصر هم أنفسهم من كانوا يشكلون “لواء الفاطميين”، الذي أرسلته إيران سابقاً للقتال في سوريا ضد الشعب السوري قبل طردهم. إن استدعاء هذه العناصر في هذه المرحلة الدقيقة يُعد مؤشراً خطيراً على التصعيد.

كما أن انتهاء مهلة الإنذار الموجه للميليشيات في السادس من أغسطس يثير التساؤلات حول إمكانية إقدامها على عمل عسكري طائش ضد السعودية أو سوريا أو الأردن. وفي حال حدوث ذلك، سيكون الرد فورياً، مما قد يؤدي إلى اشتعال حرب شاملة. وتجدر الإشارة إلى أن القوات السورية كانت قد ضبطت العديد من محاولات تهريب السلاح عبر أراضيها إلى “حزب الله” في لبنان، وهو ما أزعج الميليشيات العراقية لأنه قطع خط الإمداد الرئيسي للحزب، مما دفعها لإطلاق تهديدات بالانتقام.

هل تقترب المنطقة من الانفجار؟

السؤال الأهم الآن: هل ستقوم هذه الميليشيات بهجمات خارجة عن السيطرة على الأراضي السعودية أو السورية بعد انتهاء المهلة؟ وإذا دخلت سوريا في مواجهة مسلحة، فلن تقف مكتوفة الأيدي، وستجد السعودية في ظهرها نظراً للتحالف القوي بين البلدين.

كل الاحتمالات واردة في منطقة تسير على رمال متحركة، حيث يمكن أن يستيقظ الجميع على واقع مختلف تماماً. والمشكلة الأساسية هي أن العالم لا يتعامل حالياً مع دولة حقيقية في العراق، بل مع مجموعة من الميليشيات المرتبطة جوهرياً بإيران عسكرياً وسياسياً واستخباراتياً، وتعمل وفق أجندة الحرس الثوري الإيراني.

وعليه، يمكن توقع أي تصرفات غير عقلانية من هذه الميليشيات خلال الأيام المقبلة. المنطقة برمتها في خطر وتواجه مفاجآت محتملة قد تُشعل النيران فجأة. وإذا ما وقعت المعركة، فإن القوات السورية لن تتوقف عند الحدود، وسيكون لذلك تبعات أكثر خطورة تهدد استقلال العراق وربما وحدته الترابية.


تفريغ نص كامل ومحرر لمحتوى الفيديو المنشور على حساب الأستاذ جمال سلطان

اترك تعليقا