بين روسيا وأميركا.. أوروبا مطالبة ببناء “أسلوبها الخاص في الحرب”
مقالة في الغارديان للكاتبة/ ناتالي توتشي
- معاذ الجمال
- 6 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات, مقالات وتحليلات
- أزمة مضيق هرمز, أنقرة, الاتحاد الاوروبي, الحرب الروسية الاوكرانية, اوروبا, حلف الناتو, حلف شمال الاطلسي, قمة حلف الناتو, موسكو
كيف يمكن لأوروبا أن تدافع عن نفسها في مواجهة “روسيا” من دون “الولايات المتحدة”، أو مع دعم أميركي أقل بكثير؟ يلخص هذا السؤال التحدي الوجودي الذي تواجهه القارة اليوم.
تبدأ الطموحات الإمبراطورية لروسيا في “أوكرانيا”، لكنها لا تنتهي عندها، فالهجمات الهجينة التي تشنها “موسكو”، وتدخلها السياسي لدعم الأحزاب الموالية لروسيا، واستعراضها للقوة العسكرية – بما في ذلك تنفيذ سفينة حربية روسية تدريبات بالذخيرة الحية على بعد (45 ميلًا فقط) من الساحل البريطاني – كلها تشير إلى الاتجاه نفسه، ولا يمكن استبعاد اندلاع حرب تقليدية للدفاع عن أوروبا ضد روسيا خلال الأشهر أو السنوات المقبلة، ولهذا السبب ترتفع ميزانيات الدفاع في مختلف أنحاء أوروبا، ولا سيما في الدول الأقرب إلى خطوط المواجهة.
تسارع الإنفاق الدفاعي منذ عودة “دونالد ترامب” إلى “البيت الأبيض”، ولا يعود ذلك بقدر كبير إلى انتقاداته وإساءاته – التي امتدت الآن حتى إلى زعماء اليمين المتطرف في أوروبا مثل “جورجيا ميلوني” – بقدر ما يعود إلى إدراك الأوروبيين لحقيقة مفادها أنه في حال اندلاع حرب مع روسيا، فقد لا تكون “الولايات المتحدة” إلى جانبهم.
ورغم أن المظلة النووية الأميركية قد تبقى قائمة – وإن كانت فرنسا قد أطلقت مبادرة لـ”أوربة” الردع النووي تحسبًا لاحتمال عدم بقائها – فإن الحكومات والمؤسسات الأوروبية تستعد لاحتمال اضطرارها إلى مواجهة روسيا من دون دعم القوات التقليدية الأميركية، أو بدعم أقل بكثير.
وهذا يفسر بروز ما بات يُعرف بشكل غير رسمي باسم “الناتو 3.0″، ففي “قمة الناتو” التي عقدت في “أنقرة” قبل أسابيع، جرى الترويج لهذه المبادرة بشكل مبالغ فيه، جزئيًا لإرضاء “ترامب”، وجزئيًا لإرسال رسالة إلى “فلاديمير بوتين” مفادها أنه حتى إذا تراجعت الولايات المتحدة إلى الصف الخلفي، فإن “ناتو” أكثر أوروبية سيظل يتمتع بالمصداقية.
غير أن الشعار الذي يستخدمه مؤيدو المبادرة، وهو “أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى”، يعد مضللًا، نعم، سيصبح الأوروبيون أقوى عسكريًا، لكن مع الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة، سيصبح الحلف ككل أضعف، ومع ذلك، فإن العمل على إقامة “ناتو” أكثر أوروبية يظل خيارًا منطقيًا؛ فحتى وإن أصبح الحلف أضعف من حيث القوة المطلقة، فقد يبقى قويًا بما يكفي لردع روسيا إذا واصلت التوسع.
لكن ثمة سبب يدعونا إلى توخي الحذر والعمل في الوقت نفسه على بدائل أخرى، فلنفترض أسوأ السيناريوهات، وهو أن تشن روسيا هجومًا على إحدى دول الناتو الأوروبية خلال الأشهر أو السنوات المقبلة، في هذه الحالة، من المرجح أن تسارع الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف إلى نجدة الدولة المعتدى عليها.
ومن الطبيعي أن تقف دول أوروبا الشرقية والشمالية إلى جانب بعضها البعض، وحتى “ألمانيا”، يمكن القول إنها تجاوزت الحاجز الثقافي والنفسي وأقرت بإمكانية اضطرار قواتها إلى قتال الروس مجددًا، ويعد قرارها نشر لواء قوامه خمسة آلاف جندي بصورة دائمة في “ليتوانيا” إشارة واضحة على ذلك.
وإذا تحركت ألمانيا، فمن المرجح جدًا أن تلحق بها “فرنسا” و”المملكة المتحدة”، وإذا تدخلت هذه الدول المحورية، فمن المتوقع أن تنضم إليها أيضًا (إيطاليا وإسبانيا)، والخبر الجيد هو أن الأوروبيين سيبقون على الأرجح موحدين، أما الخبر السيئ فهو أن الولايات المتحدة قد لا تستجيب لنداء الدفاع عن أوروبا، وهو ما سيؤدي فورًا إلى “انهيار حلف الناتو”.
فالتعهد الأساسي في المادة الخامسة من المعاهدة المؤسسة للحلف، ينص على أن أي هجوم على دولة عضو يُعد هجومًا على جميع الأعضاء، وسيكون الانقسام واحدًا سواء تم تفعيل المادة الخامسة ولم تستجب الولايات المتحدة، أو لم يتم تفعيلها أصلًا خشية هذا الاحتمال.
أما السيناريو الثاني، وهو أقل كارثية، فيفترض عدم وقوع استفزاز روسي، ومضي “الناتو 3.0” قدمًا بجدية، بحيث يبدو الحلف بعد سنوات مختلفة جذريًا عما هو عليه اليوم، مع تحمل الأوروبيين – إلى جانب تركيا وكندا – النصيب الأكبر من الأعباء.
لكن إذا تحمل الحلفاء من غير الولايات المتحدة معظم المسؤوليات، فسيرغبون أيضًا في الحصول على معظم الحقوق، وستصبح أسواق الدفاع الأوروبية أقل انفتاحًا أمام الشركات الأميركية، كما ستبدأ أولويات الحلف في عكس المصالح الأوروبية بصورة أكبر.
ومن المؤكد أن الأوروبيين لن يقبلوا إلى ما لا نهاية بأن تستمر الولايات المتحدة في اتخاذ جميع القرارات بينما يقتصر دورهم على تنفيذها، لكن من الصعب أيضًا تصور أي إدارة أميركية، ناهيك عن إدارة يقودها ترامب، تقبل بالتخلي طواعية عن هذه الامتيازات والنفوذ، ومنذ تأسيسه عام 1949، جرى تنظيم حلف الناتو حول القدرات والتقنيات والثقافة الاستراتيجية الأميركية، وقد اندمج الأوروبيون في هيكل القيادة الأميركي واعتمدوا الأسلوب الأميركي في خوض الحروب.
لكنهم يفتقرون إلى القدرات والأفراد وهياكل القيادة التي تمتلكها الولايات المتحدة، وإذا اضطروا إلى مواجهة عدوان مسلح في المستقبل القريب، فلن يكون بإمكانهم تكرار نموذج الناتو الحالي، وسيضطرون، بطريقة أو بأخرى، إلى تطوير بدائل، لكن وجود الولايات المتحدة داخل الحلف رسميًا، رغم تراجع التزامها، سيحول دون تحقيق ذلك من داخل الناتو نفسه.
ولا يُعد أي من البدائل المطروحة مثاليًا، فالاتحاد الأوروبي يؤدي دورًا مهمًا في التعاون بمجال الصناعات الدفاعية، كما أن معاهداته تتضمن بندًا للمساعدة المتبادلة، إلا أنني لا أعتقد، بسبب مجموعة من القيود الدستورية والسياسية، أنه يمثل مسارًا عمليًا لتولي مهمة الدفاع عن أوروبا، ويبقى الخيار الآخر هو ما يعرف بـ”ائتلافات الراغبين”، وهي فكرة ذات تاريخ مثير للجدل يجري إحياؤها مجددًا.
فقد قادت الولايات المتحدة في السابق ائتلافات من هذا النوع عندما أرادت تجاوز الأطر متعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة، ويظل المثال الأشهر هو التحالف الذي قادته واشنطن لغزو العراق عام 2003 من دون تفويض من “مجلس الأمن الدولي”، وفي انتهاك واضح للقانون الدولي، واليوم، تشكلت “ائتلافات الراغبين” حول عدد من بؤر التوتر الأمنية، من بينها “أوكرانيا” و”غرينلاند” و”مضيق هرمز”.
وكما حدث في الماضي، فإن ظهور هذه الائتلافات جاء نتيجة عجز المنظمات القائمة – الأمم المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي – عن التعامل بفاعلية مع هذه التحديات بمفردها، لكن اللافت هذه المرة أنها ليست بقيادة الولايات المتحدة، بل بقيادة أوروبية، وتهدف إلى تجاوز واشنطن، وإلى تأكيد العمل الأوروبي الجماعي في القضايا الأمنية الرئيسية، مع الالتزام بالقانون الدولي.
ومع ذلك، تبقى هذه الائتلافات مؤقتة ومرتبطة بظروف معينة، وتفتقر إلى منظومة لاتخاذ القرارات الاستراتيجية السياسية، وإلى سلسلة قيادة عملياتية متكاملة، ورغم أن جيوش الدول المشاركة تعقد اجتماعات منتظمة لوضع خطط مشتركة، فإن هذه الائتلافات لا تزال تفتقر إلى الطابع الدائم اللازم لبناء “أسلوب أوروبي في خوض الحروب”، وضمان الالتزام المستمر بالقانون الدولي، وتعزيز ثقة الرأي العام، وسيكون إضفاء الطابع المؤسسي على هذه الائتلافات على المستوى السياسي أمرًا بالغ الأهمية.
ويتمثل أحد الخيارات في إنشاء “مجلس أمن أوروبي”، وهي فكرة ظهرت عقب خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بهدف إبقاء لندن منخرطة في القرارات الأمنية الأوروبية، ويجري اليوم إحياؤها مجددًا لإيجاد سبل تمكّن الأوروبيين من إدارة أمن القارة، ولا ينبغي لأي من هذه الخطوات أن يقلل من أولوية جعل حلف الناتو أكثر أوروبية، لكن “ائتلافات الراغبين” قد تمثل بوليصة تأمين حاسمة إذا تعثر مشروع “الناتو 3.0” أو أخفق.
المصدر: الغارديان البريطانية