اتفاق مكة مقدمة لتحالف إسلامي
ضمن إطار أمني واحد
- السيد التيجاني
- 24 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- اتفاق مكة, السعودية, باكستان, تحال إسلامي, تركيا
لم يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس/آب 2026 حدثًا عسكريًا عابرًا؛ فالوثيقة تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، وتفتح الباب أمام تعاون أوسع في الدفاع والتدريب والتنسيق الأمني والصناعات العسكرية. والأهم أن الاتفاق يجمع للمرة الأولى منذ عقود قوة اقتصادية عربية، وقوة عسكرية وصناعية تركية، ودولة إسلامية نووية هي باكستان، ضمن إطار أمني واحد.
لكن وصف الاتفاق بأنه «أول تحالف عربي إسلامي منذ الخلافة الإسلامية» يحتاج إلى تدقيق تاريخي؛ فالمنطقة شهدت تحالفات واتفاقيات عابرة للحدود بعد ذلك، من بينها حلف بغداد عام 1955 الذي ضم العراق وتركيا وباكستان وإيران وبريطانيا. ويشير مركز الدوحة إلى أن اتفاق مكة هو أول إطار أمني جماعي حديث يجمع دولًا عربية وغير عربية منذ حلف بغداد، كما أنه أول اتفاق دفاع مشترك توقعه السعودية خارج إطار مجلس التعاون الخليجي.
من الدفاع إلى إعادة تشكيل موازين القوة
السؤال الأهم ليس ما إذا كان اتفاق مكة «ناتو إسلاميًا» مكتملًا، بل هل يمثل بداية مسار يمكن أن يتحول إلى منظومة أمن إقليمية جديدة؟
الخبيرة الأمريكية أليسون ماينور، من المجلس الأطلسي، ترى أن الاتفاق لا يشكل تحالفًا مماثلًا لحلف الناتو ولا يعني ولادة كتلة إقليمية منفصلة، لكنه يمنح الرياض قدرة أكبر على تنويع شراكاتها بدل الاعتماد على طرف واحد. وبحسب تحليلها، فإن القيمة الدبلوماسية للاتفاق قد تكون أهم من قدرته العسكرية المباشرة في المدى القريب.
أما مايكل كوجلمن، الباحث المتخصص في جنوب آسيا بالمجلس الأطلسي، فيرى أن الاتفاق يعزز حضور باكستان داخل البنية الأمنية الناشئة في الشرق الأوسط، ويمنح إسلام آباد نفوذًا سياسيًا أكبر في منطقة ترتبط بها اقتصاديًا وأمنيًا وبشريًا عبر ملايين العاملين الباكستانيين.
وفي المقابل، يرى الخبير ريتش أوتزن أن دخول تركيا إلى الترتيب يضيف قدرات صناعية وعسكرية كبيرة، بينما يمنح وجود باكستان، بما تملكه من قدرات نووية، الاتفاق وزنًا ردعيًا مختلفًا. لكنه يضع الاتفاق أيضًا في سياق صعود نظام إقليمي متعدد الأقطاب بدل اعتباره إعلانًا عن محور عسكري مغلق.
هل نحن أمام «بشارة خلافة جديدة»؟
هنا تبدو المسألة أكثر تعقيدًا. فالتقارب بين السعودية وتركيا وباكستان يستند إلى المصلحة الاستراتيجية الحديثة وليس إلى مشروع لإعادة نظام الخلافة. الدول الثلاث تحتفظ بسياداتها ومصالحها الوطنية وعلاقاتها الدولية المختلفة، كما أن لكل منها تصورًا مختلفًا للتهديدات.
السعودية تضع أمن الخليج وإيران والهجمات على منشآتها وممراتها الحيوية في مقدمة حساباتها، بينما تظل الهند عنصرًا مركزيًا في العقيدة الأمنية الباكستانية. أما تركيا فتواجه شبكة مختلفة من التحديات تشمل إسرائيل واليونان وقبرص وإيران. ويؤكد تحليل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن اختلاف مصادر التهديد والأولويات يجعل تحول الاتفاق سريعًا إلى تحالف عسكري متكامل أمرًا صعبًا.
ومن هنا فإن الحديث عن «خلافة جديدة» يصلح بوصفه قراءة سياسية أو رمزية أكثر منه توصيفًا مؤسسيًا. ما يتشكل فعليًا هو محاولة لبناء مركز قوة إسلامي مستقل نسبيًا عن المظلات الأمنية التقليدية.
هل يؤدي الاتفاق إلى تفكك عربي؟
المفارقة أن الاتفاق قد يعزز التضامن الإسلامي من جهة، لكنه قد يكشف في الوقت نفسه حجم الانقسامات العربية من جهة أخرى. فمصر لم تنضم إلى الاتفاق، رغم أنها كانت جزءًا من مشاورات سابقة حول ترتيبات أمنية أوسع، كما أثار استبعاد دول أخرى تساؤلات بشأن مستقبل منظومة الأمن الخليجي والعربي.
ويحذر محللون من أن قيام تكتلات أمنية متنافسة قد يدفع المنطقة إلى اصطفافات جديدة: محور تقوده السعودية وتركيا وباكستان، في مقابل ترتيبات أخرى تضم دولًا عربية وإسرائيل واليونان، بينما تحاول دول مثل مصر والإمارات الحفاظ على هامش مستقل للحركة.
اتفاق مكة ليس عودة إلى الخلافة، وليس حتى الآن «ناتو إسلاميًا» بالمعنى المؤسسي. لكنه قد يكون بذرة لنظام أمني جديد إذا نجحت الدول الثلاث في تحويل النص السياسي إلى قيادة وتنسيق عسكري ومناورات مشتركة وصناعة دفاعية متكاملة، ثم توسيع العضوية.
والاختبار الحقيقي سيكون عند أول أزمة كبرى: هل تتحول عبارة «الهجوم على أحدنا هجوم علينا جميعًا» إلى قرار سياسي وعسكري مشترك، أم تبقى رسالة ردع قوية على الورق؟
في الحالتين، فإن توقيع الاتفاق في مكة يكشف تحولًا مهمًا: دول المنطقة لم تعد تريد أن تكون مجرد ساحات لتنافس القوى الكبرى، بل بدأت تحاول صناعة مظلتها الأمنية بأيديها. ولذلك قد يكون السؤال الأصح ليس: هل بدأت خلافة جديدة؟ بل: هل بدأت مرحلة جديدة من التوازن الإسلامي في الشرق الأوسط؟