بودراع: الأمة خرجت من الاستضعاف وتحالف مكة مظلة ردعية
في ظل التسارع المحموم للأحداث الإقليمية والدولية
- السيد التيجاني
- 24 أغسطس، 2026
- حوارات
- اتفاق مكة, السعودية, باكستان, تحالف إسلامي, تركيا, رضا بودراع
حوار: السيد التيجاني
في ظل التسارع المحموم للأحداث الإقليمية والدولية، وتهاوي المنظومات الدولية التقليدية التي سادت لعقود، تبرز تحولات جيوستراتيجية مفصلية تُعيد تشكيل الخارطة الجيوسياسية للمنطقة برمتها.
تتشابك المحاور العسكرية والمالية والتنظيمية لتسفر عن معادلات قوة جديدة تتجاوز الأطر القديمة وتفرض واقعاً ميدانياً مختلفاً. حول أبعاد اتفاقية الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، وأسباب انكفاء المشاريع الأمنية الإقليمية السابقة، وموقع التحولات العسكرية في أفريقيا ووسط آسيا، أُجري هذا الحوار المكثف والتفصيلي مع الكاتب والباحث في الشؤون الاستراتيجية، رضا بودراع.
كيف تقرأ التحولات الأخيرة في الأمة بعد طوفان الأقصى والحدث الميداني؟
- الأمة خرجت عملياً وبصورة قاطعة من مرحلة الاستضعاف الشامل ودخلت أولى مراحل التدافع؛ حيث نجحت الشعوب في استعادة السلاح والثروة والجغرافيا المحررة من جبال الهندوكش إلى الشام والساحل الإفريقي. لقد استطاعت فصائل محلية بأدوات تقليدية وبسيطة أن تُعجز تحالفات دولية ونووية مدعومة بأحدث التقنيات الاستكبارية، مما أدى إلى كسر المفهوم الغربي التقليدي للقوة والنصر وإعادة تعريفهما من جديد.
إن المتابع للمشهد بوعي عميق يدرك أننا لم نعد أمام أمة مسلوبة الإرادة أو عاجزة عن الحركة كما تحاول المنظومة الإعلامية الغربية ترسيخه، بل إننا أمام رقم صعب يملك مقومات البقاء والسيادة. لقد عادت مئات الملايين من قطع السلاح إلى أيدي أهل الأرض، واستُرجعت المصافي والمناجم والمعابر الحيوية، مما أوجد هامشاً كبيراً من استقلال القرار والتحرر من أسر التمويل المشروط.
نحن نشهد اليوم تفككاً بنيوياً وهيكلياً للمنظومة الدولية والهيئات الأممية المتهالكة ومجلس الأمن المشلول، بينما ترتسم في الميدان معالم صمود جديد يتجاوز شلل الدول والجيوش النظامية التقليدية التي أثبتت عجزها كاملاً عن حماية حدودها أو إدخال أبسط المستلزمات الأساسية لشعوبها.
ما المعنى الحقيقي لاتفاق الدفاع المشترك الذي جمع تركيا والسعودية وباكستان؟
- هو ترتيب استراتيجي ردعي فرضته التهديدات الوجودية المباشرة الناجمة عن الانكفاء الأمريكي واحتدام الصراع بين الكتلة الغربية (التي تضم أمريكا وأوروبا والناتو الاسيوي) والكتلة الشرقية (التي تضم روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية). يهدف هذا الاتفاق الاستراتيجي إلى بناء مظلة أمنية متكاملة تدمج بين القوة النووية والصناعية المتقدمة لباكستان، والقدرات العسكرية والتصنيعية والتقنية العالية لتركيا، والغطاء المالي والموقع الروحي والجغرافي المحوري للسعودية.
إنه ليس حلفاً هيكلياً كاملاً بالمعنى التنظيمي الشامل كحلف “الناتو” حتى اللحظة، بل هو صيغة دفاع وتنسيق أمني وعسكري متقدمة صُممت خصيصاً لتأمين الممر الأوسط الحاكم للتقاطعات البرية والبحرية بين الشرق والغرب.
لقد أدركت القوى الثلاث أن الاعتماد على الحماية الخارجية المباشرة أو القواعد الأجنبية لم يعد يضمن بقاء الأنظمة ولا حماية المنشآت الحيوية في لحظات الصراع الكبرى، فكان البديل هو التنسيق المباشر لخلق قدرة ردعية ذاتية تمنع الفراغ الاستراتيجي وتصنع توازناً يمنع ابتلاع المنطقة من قبل الأقطاب الدولية المتصارعة.
هل يهدف تحالف مكة لمواجهة المشروع الإيراني أو الدخول بمعركة معها؟
- التحالف ذو طبيعة ردعية وقائية بالأساس، وليس منصة هجومية أو رأس حربة قتالية صُممت لشن حرب مباشرة ضد إيران؛ فالواقع الاستراتيجي والتداخل الديموغرافي والأمني المعقد بين إسلام أباد وطهران يمنعان مثل هذا الانزلاق. تشكل المكونات المجتمعية في باكستان شريحة واسعة ترتبط بعلاقات عقدية وثيقة، وأي صدام عسكري مباشر مع طهران يعني فتح أبواب حرب أهلية داخلية في باكستان، وهو آخر ما تسعى إليه القيادة العسكرية الباكستانية، ناهيك عن التهديد الهندي المتربص على الحدود الشرقية.
التعاون الأمني بين باكستان وإيران في مجالات مكافحة الارهاب وضبط الحدود يعتبر من أعمق ملفات التنسيق في المنطقة. ولأجل ذلك، وبمجرد الإعلان عن الترتيبات الأخيرة، بادرت الأطراف الموقعة بإرسال مبعوثين ورسائل تطمينية مباشرة إلى طهران وموسكو؛ حيث توجهت الدبلوماسية التركية والباكستانية لإيضاح أن هذا التكتل يسعى للردع وتأمين سلاسل الإمداد وتجنب الفراغ الأمني ومحاربة التهديدات المشتركة، وليس الهدف منه تشكيل نوات قتالية لطرد النفوذ الإيراني أو الدخول في صراع صفري مع الشرق، بل حماية الممر الاستراتيجي من الانهيار.
كيف استغل الرئيس أردوغان شلل الأحلاف الدولية لتحقيق مصالح تركيا الإقليمية؟
- الدبلوماسية التركية برعت تاريخياً وفي هذا التوقيت تحديداً في استثمار حقول الالغام ومحيط النار المشتعل بين القوى الكبرى. أردوغان استشعر بدقة حجم القلق والذعر الأمريكي من إمكانية فقدان السيطرة على الممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، لصالح النفوذ الصيني والروسي عبر طهران. ومن هذا المنطلق، قدم هذا الترتيب الثلاثي كطوق نجاة واستقرار يُبقي الرؤية الاستراتيجية لتأمين الشريان الاقتصادي العالمي القادم من الأطلسي نحو آسيا دون السقوط الكامل تحت الهيمنة الشرقية.
في مقابل ذلك، حققت أنقرة مكاسب ذاتية واسعة؛ إذ ثبتت موقعها كركيزة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات أمنية مستقبيلة، وفتحت أسواقاً ضخمة لصناعاتها العسكرية والتكنولوجية النامية، وأوجدت لنفسها ظهيراً إسلامياً كبيراً يقيها مخاطر العزلة في مواجهة الانكفاء الغربي والتهديدات الروسية المتصاعدة في البحر الأسود والقوقاز. إنها عبقرية اللعب على التناقضات الدولية؛ حيث تمنح الطرف الدولي ما يحتاجه ظاهرياً لتأمين مصالحه، بينما تبني قدراتها وتوسع نفوذها وتؤمن حدودها الجغرافية الحيوية من الاستهداف.
ما الدور الذي تلعبه التحولات العسكرية في أفريقيا في إعادة تشكيل هذه الأحلاف؟
- أفريقيا والساحل الإفريقي تحديداً باتا يمثلان قلب الصراع الدولي القادم والساحة الخلفية لتشكل الأحلاف الجديدة. ما يجري في مالي والنيجر وبوركينا فاسو والسودان ليس مجرد انقسامات سياسية أو اضطرابات أمنية عابرة، بل هو عملية طرد متسارعة للنفوذ الاستعماري القديم، وعلى رأسه فرنسا وأمريكا، وتمدد محتدم للقوات الروسية عبر الميليشيات والصين عبر الاستثمارات الاقتصادية. إن تحرر الشعوب الأفريقية وسيادته الميدانية على مناجم الذهب وثروات الطاقة وسلاسل التوريد أربك المنظومة الغربية وأحدث شللاً عملياتياً للجيوش الأجنبية التي لم تعد تستطيع الحركة بحرية في الصحراء.
هذه التحولات الأفريقية تؤثر مباشرة على الأمن القومي للجزيرة العربية والشام؛ فسيطرة الشعوب على مقدراتها وطرد القواعد الغربية يجبران الدول الإقليمية في تحالف مكة على مراقبة البحر الأحمر والمنافذ البحرية المؤدية للأطلسي. إن اختناق الفيلق الروسي أو تمدده في أفريقيا يتوقف على طبيعة المظلة الأمنية المشكلة في المنطقة العربية والإسلامية. وإذا ما اتسعت دائرة التنسيق لتشمل شمال إفريقيا ومنافذ البحر الأحمر، فإن ذلك سيعني إغلاق الباب أمام المحاولات الروسية والصينية للاستحواذ الكامل على الممرات الأفريقية، وسيعيد رسم الخارطة الاقتصادية والعسكرية لصالح الشعوب المالكة للأرض وثرواتها.
هل يُعد تحالف مكة موشّكاً على مواجهة إيران؟
• التحالف ليس موجهاً ضد إيران بشتى الصور؛ فحجم العلاقات الباكستانية-الإيرانية عميق جداً ولا يمكن تجاوزها أمنياً أو اقتصادياً أو ديموغرافياً؛ إذ يشكل المكون الشيعي ما يقارب 37% من الباكستانيين. وأي حرب بينهما قد تستغلها الهند وتُشعل حرباً أهلية داخلية في باكستان بسبب الولاء العقدي، وهو آخر ما تريده إسلام أباد.
علاوة على ذلك، تعتبر الوثيقة الاستراتيجية الإيرانية باكستان ضمن نفوذها الحيوي، والتعاون الأمنـي بينهما في “مكافحة الإرهاب” يُعد درة تاج الحرب على الإرهاب في نظر الغرب. ولهذا السـبب تحديداً سارع السفير الباكستاني في موسكو بالتصريح بأن إيران قد تنضم مستقبلاً لتحالف مكة، وذهبت رسائل تطمينية لطهران وموسكو تؤكد أن التحالف ردعي دفاعي وتكافلي، وليس نواة قتالية لصدام بين الشرق والغرب.»
ما الرؤية المستقبيلية لخروج الأمة النهائي من حالة التبعية الحضارية؟
- ج: التحرر النهائي والتام لا يمكن أن يتحقق عبر التماهي مع الهياكل والقوانين التي فرضها الاستعمار لتقسيم المنطقة وإبقائها تحت التبعية المركبة، بل ينطلق أساساً من التمرد الفكري والميداني الشامل على هذه المنظومة الدولية المتهالكة، والتحرر من حالة الاستلاب الحضاري التي تعاني منها النخب. يجب استثمار حالة الإعياء الشديد والمغالبة المستمرة بين القوى المهيمنة الكبرى لبناء الذات وتأمين العبور الآمن للأمة من حالة التهديد الداخلي والخارجي إلى حالة الامان والتمكين.
إن استعادة المركزية الحضارية للأمة تنطلق من ثلاثية منضبطة ومحكمة: الانضباط الكامل بنور الوحي، والامتلاك الواعي للأدوات الاستراتيجية، والاستفادة الميدانية من عودة السلاح والسيادة للشعوب فوق أرضها. إن جعل استرداد المقدسات، وفي مقدمتها القدس الشريف، البوصلة الحاكمة والموجهة لجميع الجهود والحركات، هو الضمان الوحيد لفك الارتباط النهائي مع التبعية الشرقية والغربية، والانتقال من حالة التشرذم والهوان إلى بناء البدائل الذاتية التي تملأ الفراغ لحظة الانهيار الحتمي للمنظومة الدولية الظالمة.