أوروبا ترفع جاهزيتها لمواجهة موجات الحر القياسية

تحذير أوروبي بعد 16 ألف وفاة إضافية بسبب موجات الحر

الرائد// تسارعت خلال الأيام الأخيرة إجراءات عدد من الحكومات الأوروبية لمواجهة موجة حر غير مسبوقة أثرت في شبكات النقل والطاقة والمطارات، بعدما دفعت درجات الحرارة المرتفعة السلطات إلى اتخاذ تدابير استثنائية لحماية البنية التحتية التي صُممت في الأصل لظروف مناخية أكثر اعتدالاً.

بعد ان سجلت أوروبا أكثر من 16 ألف وفاة مرتبطة بحرارة الصيف، فيما دعت لجنة أمن الصحة التابعة للاتحاد الأوروبي الحكومات إلى تغيير نهجها في التعامل مع موجات الحر، والانتقال من الاستجابة للطوارئ إلى التخطيط طويل الأمد.

وتشير لجنة أمن الصحة التابعة للاتحاد الأوروبي إلى أن أنظمة الصحة العامة في دول أوروبية عديدة لا تزال “غير مستعدة بما فيه الكفاية” للتعامل مع فترات طويلة من الحر الشديد، اللجنة الذي اعتُمِد في 30 تموز/يوليو. وترى أن مواجهة هذا التهديد المتصاعد تتطلب “مقاربة شاملة عابرة للقطاعات، تقوم على تعبئة أجهزة الدولة والمجتمع برمّته”، تجمع بين تدابير قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل. ولا تقتصر تداعيات الحر على ضربة الشمس، إذ تؤدي فترات الحرارة المرتفعة المطوّلة إلى زيادة الوفيات، وتفاقم الأمراض القائمة، وإضافة أعباء جديدة على أنظمة الرعاية الصحية، كما تؤثر في صحة النباتات والحيوانات، بما ينعكس على سبل العيش والصحة النفسية.

حلول تقنية جديدة للحد من الأضرار
وأفادت وكالة رويترز أن دولاً مثل النرويج والسويد وبريطانيا وإيطاليا بدأت تطبيق حلول تقنية جديدة للحد من الأضرار، من بينها استخدام طائرات مسيّرة لفحص خطوط السكك الحديدية، ونشر مجسات تعمل بالذكاء الاصطناعي لرصد التشققات، وطلاء أجزاء من القضبان باللون الأبيض لخفض درجة حرارتها، إضافة إلى اختبار أنواع جديدة من الأسفلت المقاوم للحرارة في المطارات والطرق.
وقال يورن أرفيد ريمارك، المهندس المسؤول في شركة أفينور المشغلة للمطارات في النرويج، إن ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير معتادة دفع الشركة إلى تجربة مواد جديدة تتحمل التباين الكبير بين برد الشتاء وحرارة الصيف، موضحاً أن الحفاظ على سلامة المدارج أصبح تحدياً متزايداً.
موجات الحر تكشف ضعف استعداد أوروبا
من جانبه، أوضح أندرياس شفيدلر، رئيس لجنة البنية التحتية في المجلس الأوروبي لمشغلي السكك الحديدية، أن تغير المناخ لم يعد احتمالاً مستقبلياً، بل أصبح عاملاً يؤثر بصورة مباشرة في تشغيل شبكات النقل، مؤكداً أن كثيراً من الخطوط الأوروبية تحتاج إلى إعادة تصميم وليس مجرد صيانة دورية.
ويرى البروفيسور هانا كلوك، أستاذة الهيدرولوجيا بجامعة ريدنغ البريطانية، أن الحكومات الأوروبية انتقلت من مرحلة الاستجابة للكوارث إلى مرحلة التكيف طويل المدى، مشيرة إلى أن الظواهر المناخية المتطرفة ستفرض إعادة تقييم معايير تصميم الطرق والسكك الحديدية والمطارات خلال العقود المقبلة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية تاريخية، إذ إن معظم البنية التحتية الأوروبية أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية وفق معايير مناخية تختلف كثيراً عن الظروف الحالية، وهو ما يفسر تزايد الأعطال مع كل موجة حر شديدة.
لجنة أمن الصحة التابعة للاتحاد الأوروبي.. ضرورة التنسيق بين الوزارات والسلطات العامة
وتحث اللجنة الدول الأعضاء على تعزيز التنسيق بين الوزارات والسلطات العامة، وضمان تحديث “خطط العمل الخاصة بالحر والصحة” بانتظام وإعدادها بشكل مشترك بين هيئات الصحة العامة وأجهزة الحماية المدنية، وتحسين تبادل المعلومات عبر نظام الإنذار المبكر والاستجابة التابع للاتحاد الأوروبي.
حماية الفئات الضعيفة
كما تدعو إلى اتخاذ تدابير قائمة على الأدلة من أجل حماية أفضل للأطفال، والعمال المعرضين لدرجات حرارة مرتفعة، والأشخاص المشاركين في الفعاليات الجماهيرية الكبرى.
ويشدد الرأي أيضا على ضرورة تجهيز العاملين في القطاع الصحي بشكل أفضل من خلال تدريب مخصص يمكّنهم من التعرّف إلى الأمراض المرتبطة بالحر والتعامل معها، إلى جانب تحسين التواصل مع الجمهور عبر إرشادات متعددة اللغات موجهة إلى السياح والعمال الموسميين والعاملين عبر الحدود وفي قطاع النقل.
بناء قاعدة أدلة أقوى 
وفي الوقت نفسه، يدعو إلى بذل جهود إضافية لسد الثغرات المستمرة في البيانات وبناء قاعدة أدلة أقوى حول الآثار الصحية لموجات الحر من خلال “المرصد الأوروبي للمناخ والصحة”.
ويتوقع خبراء المناخ أن تزداد استثمارات الحكومات الأوروبية في تقنيات التكيف المناخي، بما يشمل الذكاء الاصطناعي والمواد الهندسية الجديدة وأنظمة الإنذار المبكر، مع تحول حماية البنية التحتية إلى أحد أهم ملفات الأمن الاقتصادي في أوروبا خلال السنوات المقبلة.
المصادر:
•وكالة رويترز، 30 يوليو 2026، تقرير عن استعدادات أوروبا لمواجهة موجات الحر وتأثيرها على البنية التحتية.
•تصريحات يورن أرفيد ريمارك، شركة أفينور النرويجية، ضمن تقرير رويترز.
•جامعة ريدنغ البريطانية، تحليلات البروفيسور هانا كلوك حول التكيف مع الظواهر المناخية.

اترك تعليقا