ألمانيا أمام حرب الظل الروسية وتحذيرات الخبراء من اتساع التخريب
شبهة استهداف طائرات عسكرية
- dr-naga
- 22 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات
- ألمانيا, أوكرانيا, حرب الظل الروسية, روسيا, مطار لايبزيغ/هاله, موسكو
لا تقتصر دلالة رفع الجيش الألماني مستوى التحذير من التخريب الروسي إلى الدرجة الثانية من أصل خمس درجات على احتمال وقوع هجمات جديدة، بل تكشف عن تحول في تقدير برلين لطبيعة المواجهة مع موسكو. فالمؤسسة العسكرية الألمانية باتت ترى أن منشآتها داخل البلاد قد تكون أهدافًا مباشرة، بعدما انصب جانب من المخاوف سابقًا على مواقع تدريب القوات الأوكرانية والموانئ والمنشآت البحرية.
ووفقًا لتقرير نشرته هيئة البث الألمانية «إيه آر دي» وصحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» في 21 أكتوبر 2026، عُثر في سبتمبر على طائرة مسيّرة قرب قاعدة فونستورف الجوية في ولاية سكسونيا السفلى، وبالقرب منها عبوة تحتوي على مواد متفجرة. وتشتبه التحقيقات في احتمال استهداف طائرات عسكرية ألمانية، بينما لا تزال ملابسات الواقعة بحاجة إلى استكمال التحقيقات.
وتكتسب الواقعة أهميتها من أنها تأتي بعد العثور على مسيّرة تحمل متفجرات قرب مطار لايبزيغ/هاله في أغسطس الماضي، في حادثة قالت السلطات الألمانية إنها مرتبطة بروسيا. لكن ينبغي الفصل بين ما أعلنته السلطات بشأن حادثة المطار وما لا يزال في نطاق الاشتباه والتحقيق بشأن قاعدة فونستورف، وعدم التعامل مع المسؤولية الروسية عن جميع الوقائع باعتبارها محسومة بالدرجة نفسها.
تحليل: لماذا تمثل ألمانيا هدفًا مهمًا؟
يرى شتيفان مايستر، الخبير في شؤون أوروبا الشرقية بالمجلس الألماني للعلاقات الخارجية، في مقابلة مع دويتشه فيله نُشرت في 17 أكتوبر، أن موسكو لا تبدو راغبة في خوض مواجهة عسكرية مباشرة مع حلف شمال الأطلسي في الوقت الراهن، لكنها تسعى إلى اختبار قدراته وإظهار إمكاناتها. ويضع هذا التقدير التخريب والاستفزازات ضمن أدوات الضغط التي يمكن استخدامها دون الوصول إلى حرب مفتوحة.
وتنبع أهمية ألمانيا من موقعها المحوري في دعم أوكرانيا، سواء عبر الإمدادات العسكرية أو التدريب أو الخدمات اللوجستية. ومن ثم، فإن تعطيل منشأة عسكرية أو إرباك حركة النقل قد يحقق أثرًا يتجاوز حجم الضرر المادي المباشر، إذا أدى إلى تأخير الإمدادات أو رفع تكلفة تأمينها أو إضعاف ثقة الرأي العام في قدرة الحكومة على حماية البلاد.
وفي هذا السياق، لا يحتاج التخريب بالضرورة إلى تدمير منشأة كاملة لتحقيق غرضه؛ فقد يكفي تكرار حوادث محدودة لإجبار السلطات على زيادة الحراسة، وتحويل الموارد إلى حماية المواقع، وإبطاء بعض العمليات، وإثارة خلاف داخلي بشأن استمرار الدعم العسكري لكييف. وهذه قراءة استراتيجية للوقائع، وليست دليلًا مستقلًا على أن كل حادثة وقعت في ألمانيا كانت جزءًا من خطة روسية موحدة.
تحليل: هل تختبر موسكو حدود رد الفعل الأوروبي؟
في تعليق نشره المعهد الملكي للخدمات المتحدة في سبتمبر 2026، تناولت الباحثة إميلي فيريس حادثة مطار لايبزيغ من زاوية أوسع، معتبرة أن شبكات النقل أصبحت عنصرًا محوريًا في القدرات الدفاعية لحلف الأطلسي وروسيا على السواء. وأوضحت أن إحدى المسائل الأساسية التي تثيرها حوادث التخريب هي عدم وضوح الخطوط التي قد تستدعي ردًا عسكريًا من الحلف.
وتكمن المعضلة في أن الرد المحدود قد يشجع الجهة المسؤولة عن الهجمات على تكرارها، بينما يمكن أن يؤدي الرد المبالغ فيه أو المبني على أدلة غير مكتملة إلى تصعيد يصعب احتواؤه. لذلك تحتاج ألمانيا وشركاؤها إلى تحديد استجابات متدرجة تشمل التحقيق الجنائي، والعقوبات، والتدابير الدبلوماسية، وتعزيز حماية المنشآت، مع إبقاء الخيارات العسكرية مرتبطة بطبيعة الحادث والأدلة المتاحة.
وتشير هذه المعادلة إلى أن نجاح الرد الأوروبي لا يُقاس بعدد الاعتقالات أو التصريحات السياسية وحدها، بل بقدرة السلطات على كشف الشبكات المتورطة، وإثبات المسؤولية، ومنع تكرار الحوادث، مع تجنب منح الخصم فرصة لاستدراجها إلى مواجهة أوسع.
تحليل: هل ألمانيا مستعدة داخليًا لهذه المواجهة؟
حذّر مايستر، في مقابلته مع دويتشه فيله، من ضعف الاستعداد الألماني للمخاطر الجديدة، ليس على المستوى العسكري فحسب، بل أيضًا على مستوى المجتمع والبنية المدنية. وأشار إلى أن ألمانيا اعتادت لعقود بيئة أمنية أكثر استقرارًا، وهو ما يجعل الانتقال إلى مرحلة تتطلب استعدادًا أكبر للطوارئ أمرًا صعبًا سياسيًا واجتماعيًا.
ويظهر هذا التحدي في النقاش الألماني بشأن التجنيد، والإنفاق الدفاعي، ودور الجيش في حماية الداخل. فزيادة الجاهزية تتطلب تمويلًا إضافيًا، وتدريبًا، وتحديثًا لأنظمة المراقبة، لكنها تتطلب كذلك إقناع المواطنين بأن الإجراءات الجديدة ضرورية وليست مجرد توسع غير مبرر في صلاحيات الأجهزة الأمنية.
وفي المقابل، لا ينبغي تجاهل مخاوف المواطنين من عسكرة الحياة العامة أو استخدام التهديد الخارجي لتقليص مساحة الاعتراض السياسي. فالحفاظ على الأمن يظل مرتبطًا بوجود رقابة قانونية، وشفافية في إعلان نتائج التحقيقات، ومحاسبة عند وقوع تجاوزات.
تحليل: ما الذي ينبغي مراقبته خلال المرحلة المقبلة؟
هناك ثلاثة مؤشرات ستحدد ما إذا كانت ألمانيا تواجه سلسلة حوادث متفرقة أم حملة ضغط أوسع.
أولها، نتائج التحقيقات الجنائية والاستخباراتية، ومدى توافر أدلة تربط الوقائع المختلفة بجهة واحدة. وثانيها، تكرار الحوادث في منشآت النقل والطاقة والدفاع، خصوصًا المواقع التي تؤدي دورًا في دعم أوكرانيا. وثالثها، قدرة الحكومة على تحسين حماية البنية التحتية دون تعطيل الخدمات أو تحميل الاقتصاد تكاليف غير متناسبة.
كما ينبغي مراقبة الموقف الروسي الرسمي. فقد نفت موسكو تورطها في عمليات التخريب والهجمات الهجينة، واتهمت برلين في مناسبات سابقة بإثارة مشاعر معادية لروسيا. وهذا النفي لا يحسم المسألة، مثلما أن الاتهامات الألمانية لا تغني عن نشر الأدلة التي يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
الخلاصة
تواجه ألمانيا اختبارًا أمنيًا يتجاوز حماية قاعدة جوية أو مطار؛ فهو يتعلق بقدرتها على مواصلة دعم أوكرانيا، وحماية البنية التحتية، والحفاظ على تماسك المجتمع في مواجهة التهديدات غير التقليدية.
لكن التعامل الفعال مع هذه المخاطر يتطلب الحذر من خطأين متعاكسين: التقليل من شأن حوادث قد تكشف ثغرات خطيرة، أو الجزم بمسؤولية جهة معينة قبل اكتمال الأدلة. وبين هذين الحدين، سيكون الاستثمار في الوقاية والتحقيق والتعاون الأوروبي أكثر فائدة من الاكتفاء بالتحذيرات السياسية.
المصادر
هيئة البث الألمانية «إيه آر دي» وصحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»
المعهد الملكي للخدمات المتحدة