أفغانستان: خمس سنوات من الاستقرار النسبي وبناء البنية التحتية
وسط عوائق حقيقية أمام التعافي
- dr-naga
- 7 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أفغانستان, إيران, اقتصاد أفغانستان, الأمم المتحدة, باكستان, ملف المرأة في أفغانستان
تقدم أفغانستان الحالية صورة مركبة لا يصح اختزالها في رواية واحدة. فالأمم المتحدة أقرت في إحاطة مجلس الأمن بأن السنوات الخمس الماضية شهدت استقراراً أمنياً نسبياً، وسيطرة واسعة للسلطات الفعلية، وتطوراً في البنية التحتية ومحاولات لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وقالت جورجيت غانيون، نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، إن هذه التطورات «مشجعة»، لكنها أكدت أن الاستقرار لا يعني أن البلاد حققت تعافياً اقتصادياً واجتماعياً كاملاً.
الاقتصاد الأفغاني حافظ على قدر من الاستقرار الكلي
وتشير غانيون إلى أن الاقتصاد الأفغاني حافظ على قدر من الاستقرار الكلي، لكن دخل الفرد انخفض 5.6%، كما تراجعت الصادرات، بينما لا تزال البلاد شديدة الاعتماد على الواردات. وأدى اضطراب الحدود وتراجع المساعدات إلى إضعاف القوة الشرائية للأسر. كما قالت إن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 لم تحصل إلا على 30% من التمويل وقت إحاطتها، الأمر الذي أجبر منظمات الإغاثة على تقليص بعض الخدمات.
ويؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه الصورة من زاوية اقتصادية أكثر تفصيلاً؛ فقد بلغ النمو 1.9% فقط في السنة المالية 2024/2025، وهو معدل لا يكفي لمواكبة النمو السكاني. وقال البرنامج إن 74% من الأفغان لم يتمكنوا في 2025 من تلبية احتياجاتهم الأساسية، مع استمرار الديون وتراجع القدرة الشرائية واتساع العمل غير المستقر.
لكن في الوقت نفسه، هناك تطورات لا يمكن تجاهلها. فقد تمكنت السلطات القائمة من الحفاظ على درجة من الاستقرار النقدي والأمني، وتوسعت علاقاتها الاقتصادية مع دول الجوار، بينما أصبحت التجارة الإقليمية أحد البدائل عن الاعتماد السابق على المساعدات الغربية.
ويظهر ذلك بوضوح في التطورات الأخيرة مع أوزبكستان وقرغيزستان. ففي 26 سبتمبر وافقت أوزبكستان على اتفاق تجارة تفضيلية مع أفغانستان، بينما بحثت كابل وبشكيك في اليوم نفسه توسيع التجارة والاستثمارات والمشروعات المشتركة. وهذا يعني أن أفغانستان لا تعيش عزلة اقتصادية كاملة، حتى وإن ظل الاعتراف السياسي بحكومتها محدوداً للغاية.
أما مسألة الاعتراف الدولي، فتظل معقدة. فالولايات المتحدة والدول الأوروبية لا تمنح الحكومة القائمة الاعتراف الكامل، لكنها تتعامل معها عملياً في ملفات الأمن والمساعدات والهجرة والتجارة. وأعلنت المفوضية الأوروبية أخيراً أنها ستواصل دعم الشعب الأفغاني من دون الاعتراف السياسي بالإمارة الإسلامية.
ملف المرأة
وفي ملف المرأة، يجب التفريق بين أمرين: وجود قيود موثقة فعلاً على النساء والفتيات، وبين استخدام هذه القضية سياسياً في العلاقة مع كابل. فالأمم المتحدة وثقت استمرار منع الفتيات من التعليم الثانوي والعالي، وقيوداً على عمل النساء وحركتهن ومشاركتهن العامة، كما وثقت في هرات اعتقالات لنساء وفتيات بسبب تطبيق قواعد اللباس. ولذلك فإن هذه القضية ليست مجرد ادعاء غربي بلا أساس.
وفي الوقت نفسه، فإن استخدام ملف المرأة كأداة ضغط دولية أمر واضح في مسار العلاقات الخارجية؛ إذ تربط مؤسسات دولية ودول مانحة جانباً من التطبيع والدعم الاقتصادي بتحسين حقوق النساء والفتيات. لكن وصف ذلك كله بأنه «ابتزاز» يحتاج إلى نسبة هذا التوصيف إلى أصحاب الموقف، لا تقديمه كحقيقة موضوعية.
وتقدم غانيون نفسها تحليلاً متوازناً نسبياً؛ فهي قالت إن المجتمع الدولي يستطيع مواصلة الانخراط مع كابل بصورة عملية، وإن «التفاعل المبدئي والبراغماتي» يمكن أن يحافظ على الحوار ويقلل المخاطر ويفتح فرصاً للتقدم، لكنها طالبت في الوقت نفسه السلطات القائمة بخطوات واضحة بشأن الحكم الشامل وحقوق النساء ومكافحة الإرهاب.
كما أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يرى أن استبعاد النساء يمثل عائقاً اقتصادياً حقيقياً، وليس قضية حقوقية فقط؛ فالنساء يشكلن جزءاً مهماً من رأس المال البشري، وحرمانهن من التعليم والعمل يقلص قوة العمل ويضعف قدرة الاقتصاد على النمو.
العائدون من باكستان وإيران
وتضيف التطورات الديموغرافية ضغطاً جديداً؛ فقد قالت الأمم المتحدة إن نحو 1.2 مليون أفغاني عادوا من باكستان وإيران خلال 2026 وحده حتى موعد الإحاطة، وإن إجمالي العائدين منذ 2023 وصل إلى 6.5 مليون. وهذا يضغط على الوظائف والسكن والمياه والخدمات في وقت لا تزال فيه قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل محدودة.
والخلاصة أن أفغانستان حققت بالفعل قدراً من الاستقرار الأمني والسياسي الداخلي والتوسع في التجارة الإقليمية مقارنة بسنوات الحرب المفتوحة، لكن هذا لا يعني أن الاقتصاد أصبح مزدهراً أو أن الأزمة الإنسانية انتهت. وفي المقابل، فإن العزلة المالية وتراجع المساعدات والقيود على النساء تشكل عوائق حقيقية أمام التعافي.
أما الدول الأخرى، فهي أمام معادلة عملية: يمكنها الاستمرار في الضغط على كابل بشأن حقوق الإنسان، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى التعامل مع الحكومة القائمة في ملفات الأمن والحدود والهجرة والتجارة. ولهذا يبدو أن المسار الواقعي يتجه نحو التعامل العملي مع أفغانستان دون أن يعني ذلك بالضرورة اعترافاً سياسياً كاملاً بحكومتها. وهذه هي النقطة التي تجمع بين التحليلات الأممية والتطورات الإقليمية الأخيرة.
المصادر: الأمم المتحدة ومجلس الأمن
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
البنك الدولي .