هل تكفي صفة الحلال لتبرير الاستثمار؟

أنور عمر

هذا مقال حديث يتناول إشكالية مهمة في الاقتصاد الإسلامي: هل يكفي أن تجتاز الشركة الضوابط الشرعية المالية حتى يصبح الاستثمار فيها مقبولاً، بصرف النظر عن أنشطتها وتأثيرها الاجتماعي؟

لم تعد قضية الاستثمار الإسلامي مقتصرة على معرفة ما إذا كانت الشركة تتعامل بالربا أو تمارس أنشطة محرمة، بل أصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل يكفي أن يكون الاستثمار متوافقاً مع الضوابط الشرعية من الناحية الفنية، حتى لو كانت الشركة نفسها متورطة في أنشطة تتعارض مع القيم الأخلاقية التي يقوم عليها الإسلام؟

هذا السؤال كان محور النقاش في اليوم الافتتاحي للمؤتمر الرابع عشر لمؤسسة التمويل الإسلامي في كيب تاون بجنوب أفريقيا، يوم 27 أكتوبر 2026.

وقد ظهرت الإشكالية من خلال مثال صندوق HSBC للأسهم الإسلامية، الذي اجتازت جميع شركاته اختبارات التوافق الشرعي، ومن بينها شركة بالانتير للتكنولوجيا، التي دخلت في شراكة مع وزارة الدفاع الإسرائيلية لدعم مهام مرتبطة بالحرب.

وبحسب المعلومات التي عرضها المقال، اشترى الصندوق أسهماً في الشركة بقيمة تقارب 38 مليون دولار خلال العام الحالي.

وهنا يبرز التناقض الذي يثير قلق بعض المستثمرين المسلمين: فقد يحصلون على شهادة بأن استثماراتهم متوافقة مع الشريعة، بينما لا يعرفون بالضرورة طبيعة الأنشطة التي تدعمها الشركات التي يساهمون في تمويلها.

وقدمت الدكتورة فاطمة عصوب، بالاشتراك مع ساليغ سلام، إطاراً جديداً لتقييم الاستثمار الإسلامي، يقوم على الانتقال من مجرد التحقق من الجواز الشرعي إلى قياس المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية للشركة.

واستخدمت عصوب مثال شركتين تجتازان الاختبارات الشرعية نفسها، لكن إحداهما تحقق منافع أكبر للمجتمع وتسبب أضراراً أقل من الأخرى. فهل ينبغي للمستثمر المسلم أن يعاملهما بالطريقة نفسها؟

وشبهت ذلك بقواعد البناء والسلامة؛ فاجتياز المبنى لاختبارات السلامة لا يعني بالضرورة أنه يقدم خدمة جيدة للسكان أو أنه صديق للبيئة.

وترى الباحثة أن معايير التوافق الشرعي الحالية تحدد ما يجوز للمستثمر امتلاكه، لكنها لا تجيب بصورة كافية عن السؤال الأهم: ماذا يفعل رأس المال بعد دخوله إلى الشركة؟

ويقترح الإطار الاستفادة من مقاصد الشريعة الخمسة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، لقياس سلوك الشركات تجاه الإنسان والمجتمع والبيئة.

وبذلك يصبح الاستثمار الإسلامي مسؤولية تتجاوز تجنب الأنشطة المحرمة، لتشمل النظر في أثر الأموال على حياة الناس، ومدى مساهمة الشركات في العدالة الاجتماعية، واحترام الحقوق، والحد من الأضرار.

وتتصل هذه القضية بمسألة الثقة بين المستثمر والمؤسسات التي تمنح شهادات التوافق الشرعي؛ فالمستثمر الذي يضع مدخرات تقاعده في صندوق إسلامي لا يريد مجرد وثيقة تؤكد اجتياز الاختبارات المالية، وإنما يريد الاطمئنان إلى أن أمواله لا تسهم في أنشطة تناقض قناعاته الأخلاقية.

إن التحدي الذي يواجه صناعة التمويل الإسلامي اليوم ليس فقط ابتكار منتجات مالية جديدة، بل تحديد الغاية التي ينبغي أن تخدمها هذه الصناعة: هل تقتصر على إدخال المسلمين إلى الأسواق المالية التقليدية بمنتجات تحمل صفة إسلامية، أم تسعى إلى بناء نموذج اقتصادي يجعل العدالة والمسؤولية الاجتماعية جزءاً أصيلاً من قرارات الاستثمار؟

الكاتب: أنور عمر
المصدر: Muslim Views – جنوب أفريقيا

اترك تعليقا