إغلاق خط الحمادة يكشف صراع المصالح النفطية في ليبيا
صراع الأجندات فوق آبار النفط
- dr-naga
- 31 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات
- الطهارة, المصالح النفطية في ليبيا, خط الحمادة, مصفاة الزاوية
عاد التوتر إلى قطاع النفط الليبي بعد إغلاق مجموعة مسلحة صمام خط الأنابيب الرئيسي الذي ينقل النفط من حقول الحمادة والطهارة إلى مصفاة الزاوية، غربي البلاد، في تطور يعيد طرح التساؤلات حول قدرة المؤسسات الليبية على حماية المنشآت الاستراتيجية، والفصل بين المطالب الوظيفية والصراعات على إدارة الموارد النفطية.
وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، في بيان 30 أكتوبر، أن مجموعة مسلحة أغلقت صمام الخط في منطقة الرياينة، ما أدى إلى ارتفاع مفاجئ في ضغط التشغيل، واضطر الفرق الفنية إلى وقف الضخ حفاظاً على سلامة الأنابيب والمنشآت.
وقدرت المؤسسة الكميات المهددة بالفقد بنحو 15 ألف برميل يومياً من النفط الخام المخصص لمصفاة الزاوية.
وأوضحت أن الخط، الذي يبلغ قطره 18 بوصة، ينقل النفط من حقول الحمادة والطهارة إلى المصفاة، وطالبت جهاز حرس المنشآت النفطية والسلطات المختصة بالتدخل لإعادة فتح الصمام وتأمين خطوط النقل.
أولاً: ما وراء الإغلاق.. مطالب مالية وإدارية
لا يمكن فهم الحادثة بمعزل عن سلسلة الاحتجاجات التي شهدها قطاع النفط الليبي خلال سبتمبر وأكتوبر.
ففي 15 سبتمبر الماضي، أعلن جهاز حرس المنشآت النفطية، وفقاً لما نقلته وكالة رويترز، مطالبته بنقل تبعيته الإدارية والمالية من وزارة الدفاع إلى المؤسسة الوطنية للنفط، مع تحديد جدول زمني لتنفيذ ذلك.
كما طالب أفراد الجهاز بتحسين الرواتب وتسوية أوضاعهم المالية، في ظل اعتراضات على الفوارق بينهم وبين العاملين في قطاعات عسكرية وأمنية أخرى.
وفي المقابل، اعتبرت المؤسسة الوطنية للنفط أن إغلاق خطوط الإنتاج لا يمثل وسيلة مقبولة لتحقيق المطالب، وحذرت من أن استمرار تعطيل المنشآت قد يضطرها إلى إعلان القوة القاهرة.
وهنا تظهر وجهتا النظر:
•من جانب حرس المنشآت النفطية، ترتبط المطالب بتحسين الأوضاع المالية والإدارية وتوضيح التبعية المؤسسية، وهي مطالب تتعلق بأفراد يتولون حماية منشآت ذات أهمية استراتيجية.
•من جانب المؤسسة الوطنية للنفط، فإن تعطيل الإنتاج والنقل يعرض المنشآت للخطر ويضر بإيرادات الدولة والتزاماتها المالية، فضلاً عن الإضرار بسمعة ليبيا كمورد للطاقة.
ولا تتوافر حتى الآن إفادة مستقلة حديثة من قيادة المجموعة التي أغلقت صمام الرياينة يوم 30 أكتوبر توضح دوافعها المباشرة، ولذلك لا يصح الجزم بأن الإغلاق الأخير جاء حصراً بسبب المطالب السابقة.
ثانياً: تكرار الإغلاق يثير مخاوف أكبر
تكمن أهمية الحادثة في أنها ليست الأولى خلال الشهر نفسه.
ففي 22 أكتوبر، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط إغلاق صمام آخر على خط الحمادة ـ الزاوية بواسطة أفراد لم تكشف عن هوياتهم.
وفي سبتمبر، شهدت المنطقة إغلاقاً مماثلاً، كما تعرض خط حقل الشرارة للإغلاق، ما أدى إلى انخفاض إنتاجه بنحو 130 ألف برميل يومياً وفق بيانات المؤسسة الوطنية للنفط.
وفي 22 سبتمبر، حذر بيان المؤسسة من أن إغلاق مجمع الزاوية النفطي وتعطيل دخول العاملين والفنيين يهددان عمليات التكرير وتوفير الوقود للسوق المحلية.
تحليل مركز ليبيا للأمن ومتابعة الأوضاع:
تقدم تقارير Libya Security Monitor المنشورة في سبتمبر قراءة تتجاوز مسألة الرواتب، إذ تربط تكرار إغلاق المنشآت بضعف الفصل بين الترتيبات الأمنية والإدارة الاقتصادية للقطاع النفطي.
وتشير متابعات المركز إلى أن تسوية بعض الاحتجاجات السابقة جاءت بعد تقديم تنازلات مالية وإدارية، وهو ما يثير تساؤلات حول تحول إغلاق المنشآت إلى وسيلة ضغط للحصول على مطالب.
وهذا تحليل للمسار المتكرر، وليس دليلاً على أن جميع عمليات الإغلاق تخضع لجهة سياسية واحدة أو أن دوافع المشاركين فيها متطابقة.
ثالثاً: هل تتأثر إيرادات الدولة وإمدادات الوقود؟
تكتسب مصفاة الزاوية أهمية خاصة لأنها من أكبر منشآت التكرير الليبية، وتبلغ طاقتها التصميمية نحو 120 ألف برميل يومياً.
لكن يجب التمييز بين ثلاثة أمور:
1.توقف ضخ الكميات المخصصة للمصفاة.
2.انخفاض إنتاج الحقول المرتبطة بالخط إذا تعذر تحويل النفط إلى مسارات أخرى.
3.انخفاض إنتاج النفط الليبي الإجمالي، وهو أمر لا تثبته واقعة الإغلاق وحدها.
وتشير بيانات المؤسسة إلى أن الكميات المهددة تبلغ 15 ألف برميل يومياً، لكن هذا الرقم لا يعني تلقائياً خسارة مماثلة في إجمالي صادرات ليبيا، لأنه يتعلق أساساً بإمدادات الخام المخصصة لمصفاة الزاوية.
أما إذا طال الإغلاق، فقد تظهر آثار إضافية على عمليات التكرير وتوفير المنتجات النفطية، خصوصاً إذا لم تتوافر بدائل مناسبة.
رابعاً: موقف المؤسسة الوطنية للنفط والحكومة
في بيانها الصادر في 30 أكتوبر، حملت المؤسسة الوطنية للنفط الجهات المختصة مسؤولية تأمين خطوط النقل، وطالبت جهاز حرس المنشآت النفطية بأداء مهامه القانونية.
ويعيد ذلك طرح سؤال إداري مهم: كيف يمكن لجهاز مكلف بحماية المنشآت أن تتحول بعض عناصره إلى طرف في تعطيلها؟
لكن معالجة المسألة لا ينبغي أن تقتصر على الإجراءات الأمنية، لأن تجاهل المطالب المالية والإدارية قد يؤدي إلى تكرار الاحتجاجات بأشكال مختلفة.
والحل يتطلب مسارين متوازيين:
•ضمان عدم استخدام المنشآت النفطية للضغط على المؤسسات العامة.
•معالجة ملفات الرواتب والتبعية الإدارية والحقوق الوظيفية عبر قرارات واضحة قابلة للتنفيذ والرقابة.
خامساً: البعد الدولي ومصالح شركات الطاقة
لا تقتصر أهمية استقرار قطاع النفط الليبي على الداخل، فليبيا مورد مهم للأسواق الأوروبية، وتوجد بها استثمارات لشركات دولية في الإنتاج والتطوير والخدمات النفطية.
وتشير تقارير اقتصادية دولية حديثة إلى اهتمام شركات مثل إيني الإيطالية وتوتال إنرجي الفرنسية وكونوكو فيليبس الأمريكية بمشروعات القطاع الليبي.
وتواجه هذه الشركات مخاطر مرتبطة باستمرار عدم الاستقرار الأمني والسياسي، لأن تعطيل خطوط النقل والإنتاج يؤثر على تنفيذ العقود وتكاليف التشغيل والالتزامات الاستثمارية.
لكن ينبغي التمييز بين مصالح الشركات الأجنبية ومصالح الاقتصاد الليبي؛ فزيادة الاستثمارات قد توفر تمويلاً وخبرات وتقنيات، لكنها تحتاج إلى عقود شفافة وضمانات تحمي حصة الدولة وحقوقها في الموارد.
ومن هنا فإن تكرار إغلاق المنشآت يضر بقدرة ليبيا على جذب الاستثمارات طويلة الأجل، كما أن التوسع في منح امتيازات للشركات الأجنبية دون رقابة كافية قد يثير مخاوف أخرى تتعلق بشروط التعاقد وتوزيع العوائد.
سادساً: ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
السيناريو الأول: تسوية سريعة.
تتدخل السلطات لإعادة فتح الصمام، مع التوصل إلى تفاهمات مالية وإدارية مع العناصر المحتجة. وهذا يحد من الخسائر المباشرة، لكنه لا ينهي المشكلة إذا بقيت أسباب النزاع دون معالجة مؤسسية.
السيناريو الثاني: استمرار الإغلاقات المتقطعة.
تتكرر عمليات تعطيل الصمامات والمنشآت كلما ظهرت خلافات حول الرواتب أو التعيينات أو التبعية الإدارية، بما يجعل الإنتاج النفطي عرضة لاضطرابات دورية.
السيناريو الثالث: اتساع نطاق التعطيل.
إذا امتدت الاحتجاجات إلى حقول أخرى أو موانئ التصدير، فقد تتزايد الخسائر المالية وتتأثر قدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام والوفاء بالتزاماتها.
ولا توجد حتى الآن معلومات كافية لترجيح أحد هذه السيناريوهات بصورة قاطعة.
الخلاصة
تكشف أزمة خط الحمادة عن مشكلة مؤسسية أعمق من مجرد إغلاق صمام نفطي؛ فهناك تداخل بين المطالب الوظيفية والتبعية الأمنية وإدارة الموارد الاقتصادية.
المؤسسة الوطنية للنفط محقة في التحذير من مخاطر تعطيل المنشآت، لكن معالجة الأزمة لا تتحقق بالتحذيرات وحدها، بل تتطلب تسوية واضحة للمطالب المشروعة، ومحاسبة المسؤولين عن تعطيل المنشآت، وضمان عدم تحول الموارد النفطية إلى وسيلة ضغط في الخلافات المحلية والسياسية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع السلطات الليبية وضع ترتيبات تضمن حقوق العاملين في حماية المنشآت، دون أن تصبح قدرتهم على إيقاف الإنتاج وسيلة لفرض المطالب؟
المصادر والمراجع
1.المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، بيان إغلاق خط الحمادة ـ الزاوية، 30 أكتوبر 2026.
2.وكالة الأناضول، تقرير لينا الطوال، 31 أكتوبر 2026.
3.Libya Security Monitor، تقارير إغلاق خطوط النفط ومطالب حرس المنشآت، سبتمبر 2026.
4.المؤسسة الوطنية للنفط، بيان الوضع الأمني في حقول الحمادة، 15 سبتمبر 2026.
5.المؤسسة الوطنية للنفط، بيان إغلاق مجمع الزاوية النفطي، 22 سبتمبر 2026.
6.رويترز، تصريحات رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان بشأن الإنتاج ومطالب حرس المنشآت، 15 سبتمبر 2026.
7.Global Insights Group، تقرير تطورات قطاع الطاقة الليبي، 5 أكتوبر 2026.
8.فاينانشال تايمز، تقرير احتياجات الاستثمار وتحديات تطوير النفط الليبي، أغسطس 2026.