بعد اعتذار ترامب للشعب الليبي ..واشنطن بين إبرام الصفقات وتسوية الأزمة

وسط محاولات لتحقيق التقارب بين حفتر والدبيبة

تضع التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ليبيا العلاقات بين واشنطن وطرابلس أمام اختبار دبلوماسي جديد، لكنها تفتح، في الوقت نفسه، باب التساؤلات حول حقيقة التحرك الأمريكي لإنهاء الانقسام الليبي.

فبينما أثارت تصريحاته المسيئة للبلاد غضبًا رسميًا ليبيًا، عاد ترامب ليؤكد احترامه للشعب الليبي، مشددًا على ضرورة وقف استخدام ليبيا ممرًا للهجرة غير الشرعية، ودعم توحيد مؤسسات الدولة وإجراء انتخابات وطنية.

ويأتي هذا التطور بالتزامن مع تحركات مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، للتوصل إلى تفاهم بين القوى النافذة في شرق ليبيا وغربها، وعلى رأسها عائلتا الدبيبة وحفتر. وهو ما يطرح سؤالًا محوريًا: هل تمثل الأزمة الدبلوماسية الراهنة مجرد خلاف عابر، أم تكشف عن تداخل المصالح الأمريكية الداخلية مع مساعٍ أوسع لإعادة ترتيب المشهد الليبي؟

فالمؤشرات المتاحة تكشف عن اهتمام أمريكي متزايد بتسوية الأزمة، لكن هذا الاهتمام لا ينفصل عن اعتبارات أمنية واقتصادية واستراتيجية، تشمل الهجرة والطاقة ومواجهة النفوذ الروسي، إلى جانب السعي إلى إيجاد سلطة ليبية موحدة تستطيع التعامل معها واشنطن بوصفها شريكًا سياسيًا واقتصاديًا.

تراجع في النبرة أم اعتذار لم يكتمل؟

جاءت تصريحات ترامب التصالحية بعد موجة من الانتقادات الليبية، أعقبت حديثه خلال تجمع انتخابي في ولاية جورجيا يوم 24 أكتوبر، حين استخدم أوصافًا مهينة بحق ليبيا ودول أخرى في سياق انتقاد سياسات الهجرة الأمريكية.

وفي اليوم التالي، استدعت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية القائمة بالأعمال الأمريكية في طرابلس، إينجا هيمينك، وقدمت احتجاجًا رسميًا، مطالبة بتصحيح التصريحات والاعتذار عنها.

لكن ترامب عاد في منشور عبر منصة “تروث سوشيال” ليصف الليبيين بأنهم شعب صامد ومضياف يستحق السلام والازدهار، مؤكدًا دعم بلاده توحيد ليبيا ومؤسساتها والوصول إلى انتخابات وطنية ناجحة، مع التشديد على ضرورة وقف استخدام الأراضي الليبية ممرًا للهجرة غير الشرعية.

ومع ذلك، لم يتضمن المنشور اعتذارًا صريحًا عن التصريحات السابقة، وهو ما يجعل التمييز ضروريًا بين تهدئة الأزمة الدبلوماسية وتسوية الخلاف بصورة كاملة.

وتكشف هذه التطورات عن مسارين متوازيين في السياسة الأمريكية: أولهما احتواء تداعيات تصريحات الرئيس والحفاظ على العلاقات مع ليبيا، وثانيهما توظيف الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية لدفع الأطراف الليبية نحو ترتيبات جديدة.

ومن هنا، لا يبدو أن الخلاف الدبلوماسي وحده كافٍ للحكم على مستقبل التحرك الأمريكي؛ فالمعيار الأهم هو ما إذا كانت واشنطن ستترجم حديثها عن وحدة ليبيا إلى خطوات عملية تدعم التسوية السياسية، أم ستظل الأولوية لديها مرتبطة بمنع الهجرة غير النظامية وحماية المصالح الأمريكية.

عودة ليبيا إلى دائرة الاهتمام الأمريكي

وفي هذا السياق لا يمكن فصل تحركات إدارة ترامب عن الأهمية الاستراتيجية لليبيا، التي تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة وموقعًا مهمًا على البحر المتوسط، فضلًا عن اتصالها بمسارات الهجرة نحو أوروبا، واستمرار التنافس الدولي على النفوذ داخل أراضيها.

وتشير تفاصيل المبادرة التي يعمل عليها مسعد بولس إلى أن واشنطن تحاول الجمع بين الاستقرار السياسي وتوحيد المؤسسات الاقتصادية والأمنية، مع فتح المجال أمام استثمارات أمريكية أوسع في قطاع الطاقة. كما أن إنهاء الانقسام قد يساعد على الحد من المخاطر الأمنية التي تواجهها ليبيا وجوارها، ويقلل من فرص استغلال الفراغ السياسي من جانب الجماعات المسلحة أو القوى الخارجية.

وتحمل هذه المقاربة مصلحة أمريكية واضحة، لكنها قد تحقق أيضًا مكاسب لليبيين إذا أدت إلى تحسين إدارة الموارد، وتوحيد الإنفاق العام، وتوفير الخدمات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة. غير أن هذه النتائج ليست تلقائية؛ إذ يتوقف تحقيقها على طبيعة الاتفاق السياسي، ومدى خضوعه للرقابة والمساءلة، وقدرته على معالجة أسباب الانقسام بدلًا من الاكتفاء بتوزيع المناصب.

كما أن الحديث الأمريكي عن مكافحة الهجرة لا يعني بالضرورة أن واشنطن تسعى إلى تسوية شاملة من أجل ليبيا وحدها؛ فاستقرار البلاد يرتبط أيضًا بأمن حلفائها الأوروبيين، بينما يمثل النفط فرصة اقتصادية للشركات الأمريكية، ويظل التنافس مع روسيا أحد الاعتبارات الاستراتيجية في شرق البلاد.

مبادرة مسعد بولس

تقوم المبادرة الأمريكية، وفق المعلومات المنشورة والتسريبات المتداولة، على تقريب وجهات النظر بين عائلتي الدبيبة وحفتر، بما يسمح بتشكيل سلطة موحدة تجمع مراكز النفوذ في شرق ليبيا وغربها.

وتشير التقارير إلى تصورات لتقاسم المناصب العليا، تتضمن استمرار عبد الحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة، مع منح صدام حفتر دورًا قياديًا في السلطة الجديدة. لكن هذه التفاصيل لا ينبغي التعامل معها بوصفها اتفاقًا نهائيًا؛ إذ لم تُنشر وثيقة رسمية مكتملة تحدد شكل التسوية المقترحة، وآليات تنفيذها، والضمانات التي ستمنع انهيارها.

ولا تقتصر المبادرة على توزيع المواقع السياسية، بل تستند إلى فكرة أن التعاون الاقتصادي والأمني يمكن أن يمهد لتوحيد الدولة تدريجيًا. وقد شهد عام 2026 تطورات في هذا الاتجاه، من بينها إقرار ميزانية وطنية موحدة، إلى جانب خطوات للتنسيق العسكري بين الشرق والغرب.

وتراهن واشنطن على أن المصالح المشتركة قد تدفع القوى المتنافسة إلى قبول تسوية كانت تبدو صعبة في ظل انعدام الثقة المتبادل. فاستقرار قطاع النفط وتوحيد المؤسسات المالية يتيحان للطرفين الاستفادة من موارد الدولة، بينما قد يؤدي استمرار الانقسام إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية والمالية.

لكن السؤال الأساسي يظل: هل سيؤدي هذا التقارب إلى بناء دولة موحدة، أم إلى تثبيت نفوذ العائلتين داخل نظام سياسي جديد؟ هل تنجح المبادرة رغم الخلافات بين الدبيبة وحفتر؟

أمام الإجابة  علي هذه الأسئلة فتتمحور في ان هذه المبادرة تواجه عقبات تتجاوز الخلاف الشخصي أو السياسي بين الأطراف. فهناك تباين في موازين القوة العسكرية، وتعدد للتشكيلات المسلحة في غرب البلاد، ومخاوف من أن تتحول التسوية إلى وسيلة لمنح أحد المعسكرين نفوذًا أكبر على مؤسسات الدولة.

كما أن التقارب بين القيادات الرئيسية لا يضمن موافقة القوى المحلية والاجتماعية والسياسية الأخرى. وقد عبّرت أطراف في غرب ليبيا، بينها قوى من مصراتة، عن تحفظات على أي اتفاق يعيد إنتاج الأزمة أو يفتح الطريق أمام حكم مركزي غير خاضع للمساءلة.

وتبرز هنا معضلة أساسية: قد يكون الاتفاق بين القيادات النافذة مدخلًا لوقف الصراع وتوحيد المؤسسات، لكنه لن يضمن وحده بناء شرعية سياسية مستدامة. فاستبعاد القوى الأخرى، أو تجاوز المسار الدستوري والانتخابي، قد يدفع أطرافًا متضررة إلى مقاومة الترتيبات الجديدة.

لذلك يرتبط نجاح مبادرة بولس بقدرتها على توفير ضمانات متبادلة، وتحديد صلاحيات السلطات، ووضع جدول زمني واضح للانتخابات، وضمان الرقابة على المال العام، فضلًا عن معالجة ملف المؤسسات الأمنية والعسكرية بصورة تدريجية ومتفق عليها.

التصور الأمريكي لإنهاء الأزمة

تبدو المقاربة الأمريكية أقرب إلى تسوية تدريجية تجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن، بدلًا من انتظار اتفاق شامل على جميع القضايا الدستورية قبل البدء في توحيد مؤسسات الدولة.

وفي هذا التصور، يمثل النفط ورقة اقتصادية يمكن استخدامها لتشجيع التعاون، بينما يشكل توحيد الميزانية والمؤسسات المالية خطوة لتقليص الانقسام، ويُفترض أن يتيح التنسيق الأمني بناء الثقة بين المعسكرين.

غير أن هذه المقاربة تواجه انتقادات ترى أنها تمنح الأولوية للتفاهم بين أصحاب النفوذ على حساب بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة، وقد تؤجل الانتخابات إذا تحولت المرحلة الانتقالية إلى ترتيب مفتوح المدة. وقد حذرت تحليلات بحثية من أن تقاسم السلطة بين العائلتين قد يرسخ مراكز النفوذ القائمة بدلًا من إنهائها.

وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للمبادرة ليس مجرد جمع الدبيبة وحفتر أو التوصل إلى تفاهم بشأن المناصب، بل تحويل التفاهم إلى قواعد مؤسسية تضمن تداول السلطة، ووحدة المؤسسات العسكرية والمالية، وشفافية إدارة النفط، وإجراء الانتخابات دون إقصاء القوى السياسية والمجتمعية.

عائلتا الدبيبة وحفتر

فيما تكشف تصريحات ترامب الأخيرة، رغم ما أثارته من أزمة دبلوماسية، عن استمرار اهتمام إدارته بملف ليبيا، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن واشنطن باتت أقرب إلى تسوية نهائية. فالتأكيد على وحدة البلاد والانتخابات يتزامن مع مطالب تتعلق بالهجرة، ومصالح في قطاع الطاقة، وحسابات أمنية واستراتيجية أوسع.

أما مبادرة مسعد بولس، فتطرح مسارًا يمكن أن يفتح الباب أمام تقارب بين القوى المتنافسة، لكنه يواجه خلافات عميقة بشأن توزيع السلطة، وموازين القوة، ومستقبل الانتخابات.

ويبقى نجاحها مرتبطًا بقدرتها على تجاوز منطق تقاسم المناصب إلى بناء مؤسسات موحدة وشرعية سياسية مستدامة. فالتسوية التي تجمع أصحاب النفوذ قد تفتح الباب أمام الاستقرار، لكن استمرار هذا الاستقرار يتطلب مشاركة أوسع من الليبيين، وضمانات دستورية واضحة، وآلية فعلية لمحاسبة المسؤولين.

ومن المهم التأكيد هنا إلي أن جدية  التحرك الأمريكي لن تقاس جدية بحدة التصريحات أو بمدى التقارب بين العائلتين، بل بما إذا كان سيقود إلى إنهاء الانقسام وإعادة القرار السياسي إلى مؤسسات الدولة والناخب الليبي.

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقا