طلاب صربيا يهزمون الحزب الحاكم بعد احتجاجات طويلة

حصول "القائمة الطلابية" على الأغلبية المطلقة

لم تكن الانتخابات البرلمانية الصربية مجرد جولة تصويت روتينية لتوزيع المقاعد، بل تمخضت عن زلزال سياسي حقيقي أنهى حقبة الهيمنة المطلقة للحزب التقدمي الصربي بقيادة ألكسندر فوتشيتش. هذا الصعود المدوّي للتحالف الذي تقوده الحركة الطلابية يعكس حالة “الانسداد الوعائي” التي عانت منها الدولة لسنوات، حيث نجحت الكتلة الشبابية في تحويل الإحباط الشعبي من قضايا الفساد والسيطرة على وسائل الإعلام إلى طاقة تصويتية جارفة منحتهم 140 مقعداً وأغلبية مطلقة داخل البرلمان
فقد أظهرت النتائج التي نشرتها بعثة مراقبة الانتخابات التابعة لمركز الأبحاث والشفافية والمساءلة، المعروف اختصارًا باسم «كرتا»، تقدم قائمة الطلاب بنسبة تقارب 52.45%، مقابل نحو 39.2% لقائمة التحالف الذي يقوده الحزب التقدمي الصربي. وقدّرت البعثة حصول الحركة الطلابية على 138 مقعدًا من أصل 250 في البرلمان، بما يمنحها أغلبية تسمح بتشكيل الحكومة منفردة، مع انتظار استكمال الإجراءات الرسمية لإعلان النتائج النهائية.
مأساة محطة قطارات أشعلت الاحتجاجات
تعود جذور التحول إلى انهيار مظلة خرسانية في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد في نوفمبر 2024، ما أدى إلى وفاة 16 شخصًا. وأثار الحادث غضبًا شعبيًا وتساؤلات بشأن سلامة أعمال التجديد والرقابة على الإنفاق العام والمساءلة عن الإهمال المحتمل.
بدأت الاحتجاجات بمطالبات بتحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين، ثم اتسعت لتشمل اتهامات بالفساد والمحسوبية وتسييس المؤسسات. وتحولت الجامعات إلى مراكز للتعبئة، قبل أن تنتقل الحركة إلى المنافسة الانتخابية، مستفيدة من مشاركة أكاديميين وأطباء ومهنيين ومواطنين من خلفيات مختلفة.
ووفق تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية اليوم 26 أكتوبر، ارتفعت المشاركة الانتخابية إلى أكثر من 70% وفق التقديرات الأولية التي أوردتها الصحيفة، مقارنة بنحو 58% في انتخابات 2023. ويعكس الإقبال المرتفع تعبئة سياسية واسعة، وإن كان لا يعني بالضرورة أن جميع الناخبين المؤيدين للتغيير يتفقون على برنامج سياسي واحد.
مراقبو الانتخابات يرصدون اختلالات
لم تخلُ العملية الانتخابية من المخاوف المتعلقة بنزاهتها. فقد قالت بعثة المراقبة التابعة لمركز «كرتا»، في تقييمها الأولي المنشور اليوم، إن الانتخابات جرت في ظروف اتسمت بعدم تكافؤ واضح بين المتنافسين، وباستخدام موارد الدولة والقطاع العام لمصلحة السلطة، إلى جانب مشكلات في سجل الناخبين وآليات الرقابة المؤسسية.
وسجلت البعثة أيضًا مخالفات إجرائية في عدد من مراكز الاقتراع، لكنها أشارت إلى أن وجود ممثلين عن اتجاهات سياسية متنافسة ومراقبين مدنيين ساعد على الحد من بعض أشكال التلاعب.
وتظل هذه النتائج تقييمًا أوليًا صادرًا عن جهة مراقبة مستقلة، وليست حكمًا قضائيًا نهائيًا بشأن كل مخالفة جرى الإبلاغ عنها. كما أن رصد الاختلالات لا يلغي أهمية التحقق من النتائج المعلنة، بل يجعل نشر البيانات النهائية والتحقيق في الشكاوى خطوة أساسية لتعزيز الثقة العامة.
ماذا يعني الفوز للسياسة الخارجية؟
لا يقتصر التحدي أمام الحركة الطلابية على تشكيل الحكومة، بل يمتد إلى تحديد توجهاتها الخارجية في منطقة تتداخل فيها المصالح الأوروبية والروسية والأمريكية.
حافظت حكومة فوتشيتش على علاقات مع روسيا، مع استمرار مسار التقارب مع الاتحاد الأوروبي، في سياسة حاولت الجمع بين مصالح متعارضة. وقد اتهم فوتشيتش الحركة الطلابية بأنها مدعومة من الخارج، بينما قدم المحتجون تحركهم باعتباره استجابة لمطالب داخلية تتعلق بالفساد والمساءلة.
ولا تتوافر حتى الآن أدلة كافية تسمح بالجزم بأن فوز الطلاب سيؤدي إلى انقلاب كامل في سياسة صربيا الخارجية. فالمواقف المتعلقة بكوسوفو والعلاقات مع روسيا والاتحاد الأوروبي ملفات حساسة، وقد لا تتفق جميع مكونات الحركة بشأنها.
وتشير قراءة صحيفة «لوموند» إلى أن الفوز يمثل فرصة لتغيير سياسي، لكن حجم التغيير الفعلي سيعتمد على قدرة الحركة على بناء مؤسسات حكومية متماسكة، وليس على إسقاط المعسكر الحاكم وحده.
التحدي الأكبر يبدأ بعد إعلان الفوز
أمام الحركة الطلابية ثلاثة ملفات عاجلة: اختيار رئيس الحكومة والوزراء، ووضع برنامج قابل للتنفيذ لمكافحة الفساد، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات العامة.
وتكمن إحدى نقاط القوة في الحركة في أنها لا تعتمد على شخصية سياسية واحدة، بل تجمع أكاديميين وأطباء ومهنيين ومشاركين من خلفيات متعددة. غير أن هذا التنوع قد يتحول إلى مصدر خلاف عند الانتقال من الاحتجاج على السلطة إلى اتخاذ قرارات بشأن الضرائب والإنفاق العام والقضاء والسياسة الخارجية.
كما أن التوقعات الشعبية مرتفعة، خصوصًا لدى الشباب الذين شاركوا في الاحتجاجات على أمل تحسين التعليم وفرص العمل ومكافحة المحسوبية. وإذا لم تظهر نتائج ملموسة خلال فترة معقولة، فقد تتعرض الحركة لضغوط من جمهورها نفسه.
وفي المقابل، لا ينبغي افتراض أن كل من دعم الحزب الحاكم كان مستفيدًا من الفساد أو معارضًا للإصلاح؛ فقد اختار بعض الناخبين الاستقرار السياسي أو الاستمرارية الاقتصادية، وهي مخاوف ستحتاج الحكومة الجديدة إلى التعامل معها دون إقصاء اجتماعي أو سياسي.
هل تتغير علاقة صربيا بالاتحاد الأوروبي؟
رحبت مؤسسات أوروبية بالفرصة التي تتيحها النتائج لتعزيز سيادة القانون واستقلال المؤسسات وحرية الإعلام. لكن التقارب مع الاتحاد الأوروبي لن يتحقق بمجرد تغيير الحكومة، إذ يتطلب إصلاحات قانونية ومؤسسية، ومواقف واضحة بشأن عدد من الملفات الإقليمية.
وفي المقابل، قد تواجه الحكومة الجديدة ضغوطًا داخلية إذا اعتُبرت الإصلاحات الأوروبية تنازلًا عن المصالح الوطنية، أو إذا ارتبطت بتكاليف اقتصادية واجتماعية لا يشعر المواطنون بأنهم يستفيدون منها.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الحكومة على تحقيق إصلاحات داخلية تحظى بقبول شعبي، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني وتجنب تحويل المنافسة السياسية إلى صراع بين معسكرين لا يقبل أحدهما الآخر.
الخلاصة
يمثل فوز الحركة الطلابية في صربيا تحولًا سياسيًا مهمًا بعد نحو عامين من الاحتجاجات. لكنه لا يضمن وحده القضاء على الفساد أو إصلاح المؤسسات أو تغيير السياسة الخارجية. وستتوقف دلالة هذا التحول على شفافية تشكيل الحكومة، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، واحترام حقوق المعارضين، وقدرة القيادة الجديدة على تحويل مطالب الشارع إلى سياسات عملية.
المصادر
•مركز الأبحاث والشفافية والمساءلة «كرتا»
•صحيفة «لوموند» الفرنسية
•قناة «يورونيوز»

اترك تعليقا