كيف حوّل الإنفاق على العلم “ورشة العالم” إلى سادة التصنيع والتكنولوجيا؟

صعود التنين الصيني

ماهر القاضي

——

كيف لدولة كانت تقف عند الصفر في معادلة التكنولوجيا قبل أربعة وعشرين عاماً فقط، أن تقلب الطاولة لتتحكم في نصف تصنيع الكوكب، وتتفوق على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في ميزانيات البحث العلمي؟

لطالما تناولتُ بالكتابة والتحليل صعود “التنين الصيني”، وسيطرته على الإنتاج وسلاسل الإمداد العالمية، وكنتُ دائماً أربط هذا الصعود بكلمة سر واحدة وجوهرية: “الإنفاق على البحث العلمي والتطوير”. فالمعادلة هنا بسيطة، منطقية، وخالٍ من أي مبالغة؛ إذ لم تشهد البشرية دولة قادت العالم أو صنعت تكنولوجيا استثنائية دون أن تنفق بجرأة وسخاء على عقول علمائها ومعاملها. وقد حافظت الولايات المتحدة على زعامتها للعالم بلا منازع منذ الحرب العالمية الثانية، لسبب جوهري وهو أنها كانت تنفق على العلم أكثر من أي دولة أخرى.

المشهد يتغير: الصين تتجاوز أمريكا في الإنفاق العلمي
لكن هذا المشهد التاريخي انقلب رسمياً هذا الأسبوع، وفق تقرير تاريخي نشرته مجلة “نيتشر” العريقة، يُعلن فيه بشكل قاطع أن الصين قد تخطت الولايات المتحدة لتصبح الدولة الأكثر إنفاقاً على البحث العلمي، والذي تجاوز حاجز التريليون دولار سنوياً!

من قاع الفقر إلى قمة الإنتاج: رحلة الأرقام
تخيل أنه في عام 1978، حينما بدأت الصين انفتاحها على العالم، كان إجمالي ما نشرته من أبحاث دولية طوال العام لا يتجاوز 120 بحثاً فقط؛ أي ما يعادل 0.02% من الإنتاج العلمي لكوكب الأرض بأكمله! وفي تلك الحقبة، كان المواطن الصيني يعاني من فقر مدقع، لدرجة أنه كان يُصنف ضمن أفقر الفئات على مستوى العالم، متخلفاً عن متوسط دخل المواطن في العديد من الدول الإفريقية.

وإذا تأملنا المنحنيات البيانية لعام 2000، سنجد أن الولايات المتحدة كانت تحلق في فضاء علمي منفرد، يليها الاتحاد الأوروبي، بينما كانت الصين تقبع في أدنى الدرجات بإنفاق لا يتجاوز 33 مليار دولار فقط.

ولكن خلال أربعة وعشرين عاماً فقط، كسرت الصين حاجز التريليون دولار في الإنفاق على البحث والتطوير (بمعيار القوة الشرائية PPP)، لتتخطى بذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لأول مرة في التاريخ المعاصر! والنتيجة المنطقية لهذا الإنفاق هي وصول أبحاثها السنوية إلى نحو 900 ألف بحث دولي، لتتصدر بذلك “مؤشر نيتشر” (Nature Index) عالمياً.

القفزة النوعية: من “الهندسة العكسية” إلى “الريادة والابتكار”
حينما أدركت الصين المعادلة، وأيقنت أن تقليد المنتجات وحده لن يغير واقعها جذرياً، قررت إعادة توجيه بوصلة إنفاقها نحو البحث العلمي والتطوير؛ لإنتاج تكنولوجيا خاصة بها تنافس بها العالم. واليوم، وقد تخطت أمريكا في حجم الإنفاق، يمكن توقع اتساع هذه الفجوة لصالح الصين في المستقبل.

فبعد مرحلة الانفتاح عام 1978 وصولاً إلى التسعينيات، نظر العالم إلى الصين على أنها مجرد “ورشة رخيصة” لتقليد البضائع الغربية، وتجميع المنتجات الصغيرة بهامش ربح ضعيف. وكانت عملية التقليد آنذاك تُعرف بـ “الهندسة العكسية”، بهدف فهم المنتج وإعادة تصنيعه بسعر أقل للمنافسة في السوق. لكن الأرباح التي تحققت من هذه المرحلة لم تُستهلك، بل أُعيد ضخها في المعامل، والجامعات، ومراكز البحث والتطوير، وتدريب أجيال جديدة من المهندسين.

ولهذا السبب، انتقلنا اليوم من مرحلة التقليد إلى مرحلة القيادة والمنافسة الحقيقية مع الغرب، وهو ما تعكسه أرقام السيطرة على صناعات المستقبل:
* تسيطر الصين على أكثر من 85% من إنتاج بطاريات العالم.
* تستحوذ على 90% من سلاسل الطاقة الشمسية.
* تنتج 65% من توربينات الرياح.
* تسيطر على 65% من صناعة السيارات الكهربائية.
* تساهم بـ  55% من صناعة الصلب العالمي.
* توفر 45% من المواد الفعالة للأدوية.
* تستحوذ على نحو  75% من تجميع الإلكترونيات.
وكل هذا الإنجاز ليس سوى نتيجة منطقية وحتمية للإنفاق الضخم على البحث العلمي والتطوير.

رسالة إلى صناع القرار: القوة الحقيقية في العلم لا في العقارات
نحن نعيش عصر العلم، ومن لا يستثمر فيه ستزداد الفجوة التقنية والاقتصادية معه بشكل كارثي. وفي مصر، أتمنى أن يدرك صناع القرار أن القوة الاقتصادية لا تكمن في الاستثمار في العقارات أو المشروعات السطحية، بل إن القوة الحقيقية تبدأ حينما تقرر الدولة وضع العلم والعلماء في قمة أولويات ميزانيتها القومية. والموضوع ليس مستحيلاً؛ فالصين قد أنجزت هذه المعجزة في أربعة وعشرين عاماً فقط.

——

* وقفة تحليلية: هل انتهى التفوق الأمريكي؟ (الفجوة بين البحث التطبيقي والأساسي)
ولتوضيح الصورة لمن قد يفسر هذا التحول بشكل خاطئ: هل يعني هذا أن الولايات المتحدة قد انتهت علمياً؟
الإجابة القاطعة: بالتأكيد لا.

فالتقرير يكشف عن نقطة في غاية الأهمية، وهي أن التفوق الصيني الحالي الكاسح يتركز في “التطبيقات الصناعية، والهندسية، وبراءات الاختراع، والكم”. في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة متفوقة في “الأبحاث الأساسية” (Basic Research)؛ وهي الأبحاث النظرية والاستكشافية التي تُفرز جوائز نوبل وتؤسس للعلوم الجديدة من الصفر.

وتوجه الولايات المتحدة نحو 14.4% من ميزانيتها للبحث العلمي نحو الأبحاث الأساسية، بينما توجه الصين 7% فقط. بالإضافة إلى ذلك، تعاني الصين حالياً من ضغط النشر الأكاديمي المفرط، مما تسبب في بروز مشاكل متعلقة بالنزاهة العلمية وسحب بعض الأبحاث.

إن هذه الثغرات، إذا ما تغلبت عليها الصين في السنوات القادمة، ستنقلها إلى مستوى آخر تماماً، وستجعل الفجوة بينها وبين العالم أعمق وأصعب في الإدراك.

اترك تعليقا