عذابات الشيخوخة
كبار السن وحاجتهم واحمد امين وابنه جلال وقصة الكاتب محمد عفيقي
- dr-naga
- 16 أكتوبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- الشيخوخة, جمال سلطان, كبار السن
جمال سلطان
—–
كنت أراه بين الحين والآخر، جالسا على المقاعد الخشبية بدعاماتها المعدنية المنتشرة في الحديقة العامة القريبة من مكان سكني، لمن أنتبه له كثيرا، شخص كبير في السن، شيخ أنيق في ملبسه، يجلس وحده، يراقب الطريق، ويتفرس الوجوه بصمت وهدوء، كنت ألقي عليه السلام سريعا أثناء مروري عليه في طريقي لقضاء مصلحة أو أداء عمل، غير أنه في هذه المرة وجدته يبتسم لي كثيرا وبمشاعر طفولية وعينه تلاحقني، كأنه يدعوني للحديث معه، فصافحته، وجلست إلى جانبه دقائق أحييه وأسأله عن أحواله وعن صحته، ومن أي البلاد هو، استغرق معي في حديث لا ينتهي، أو لا يريد أن ينهيه، كانت الفرحة تغمر وجهه وهو يتحدث أو وهو يستمع، حدثني عن شبابه، وخدمته في جيش بلاده، وعن احترافه لعب كرة القدم في أحد النوادي المعروفة، وعن سفراته في بلاد كثيرة، وعن أولاده الذين تفرقوا في البلدان المختلفة بحثا عن الرزق، طالت الجلسة معه وهو لا يمل، وأشعر كأنه يتعلق بي ولا يريدني أن أغادر الجلسة، إلا أني استأذنته لارتباطي بمصالح أسرية.
بعدها كنت عندما أمر عليه في يوم من الأيام أراه يوشك أن يتقافز من مقعده، وهو يشير إلى مكان الجلسة بجانبه وكأنه يدعوني إلى الجلوس معه عدة دقائق، الفرحة الطفولية التي كنت أراها في عينه كانت تكسرني، وتثير فيَّ مزيجا من الشفقة والود، فأصافحه وأجلس بجواره نتحدث عدة دقائق، وهو في غاية الفرح والانتشاء، أحيانا كان يعيد علي قصصا سبق وحكاها لي، لكنه لا يتذكرها، لم أكن أذكره بها، ولا أقول له أنه سبق ورواها، كنت أتركه يسترسل، طالما تغمره السعادة بالحكي والشعور بالأنس مع “بشر” آخرين.
أذكر مما حكاه الدكتور جلال أمين، المفكر المصري المعروف، في مذكراته “ماذا علمتني الحياة”، قوله أنه وهو شاب مراهق في أوائل الخمسينات الميلادية، وكان أبوه المفكر الكبير الدكتور أحمد أمين، صاحب المؤلفات الشهيرة ، فجر الإسلام، وضحى الإسلام، ظهر الإسلام، وزعماء الإصلاح، وفيض الخاطر، وغيرها، ومؤسس مجلة الثقافة إحدى علامات الثقافة العربية طوال نصف قرن، كان قد كبر سنه، وأرخت الشيخوخة عليه سدولها الكثيفة، وضعف بصره كثيرا حتى أوشك أن يكف، وارتعشت يداه فلم يعد يمكنه الكتابة أو إمساك القلم، فكان يقضي وقتا طويلا في البيت فيما يشبه العزلة، يقول جلال أنه كان في سهرة مع أصدقائه لحضور حفلة في السينما، ثم عاد ليلا إلى البيت، فلما فتح الباب ودخل، وجد أباه يجلس في ركن من صالة البيت، في ضوء معتم ضعيف، ساكنا صامتا هادئا، لا يفعل أي شيء، لا يقرأ كتابا ولا يسمع مذياعا ولا يكتب مقالا، يقول جلال : مررت عليه سريعا وألقيت السلام في طريقي إلى غرفتي، فسألني: كنت فين يا جلال؟ فأجبته باقتضاب شديد: كنت في السينما مع بعض الأصدقاء، فسألني: ما هو الفيلم الذي شدك لمشاهدته؟ فأجبته بشيء من الزهق، فسألني: هل كان فيلما جميلا؟ يقول جلال أنه مل من أسئلة أبيه التي رآها سخيفة وغير ذات أهمية، وهو يريد أن يذهب ليغير ملابسه ويخلو لنفسه ومشاغله.
جلال استذكر تلك اللحظات عندما كبر في السن، وهو يقول في مذكراته أنه كلما تذكر هذه الواقعة كلما شعر بالألم ووخز الضمير، والحزن الشديد، يقول أن أباه وهو في شيخوخته كان متعطشا للونس، أن يجد ابنه أو صديقه يسمر معه، يحدثه، يملأ فراغه، يشعره بأن الحياة باقية ومستمرة وأنه حي بين أحياء، هو لا يريد أن يعرف منه الفيلم ولا قيمة الفيلم، هو يريد أن يأنس به في تلك الوحشة التي فرضتها عليه الشيخوخة.
كثيرا ما كنت أتوقف عند آيات سورة الإسراء عن بر الوالدين: “إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا “، وأقول لنفسي، إن بر الوالدين خلق وواجب في كل وقت وكل حين، شبابا كانوا أو شيوخا، فلماذا خص الله تبارك وتعالى ذكر الشيخوخة “الكبر” تحديدا هنا؟ ” إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ … فلا تقل لهما أف”، هل لأنهم يكونون في أضعف حالاتهم وأكثرها احتياجًا للبر؟.
في شبابي قرأت رواية الراحل الكبير الجميل “محمد عفيفي” وعنوانها “ترانيم في ظل تمارا”، عرفتني عليها صافي ناز كاظم، قالت لي : اقرأها ستعجبك، فأتيت بها وقرأتها، كنت أضحك وأنا أقرأها، وأستمتع بقفشات الكاتب الساخر، وهو أستاذ الكتابة الساخرة، والحوارات الغريبة التي تجري بينه وبين “الكائنات” في حديقة بيته، حتى أنه كان يتشاجر مع الفراشة أو يتحاور مع القطة، عندما كبرت، وخبرت الحياة، تذكرت “ترانيم في ظل تمارا” فعدت إليها، فإذا بعيني تدمع وأنا أقرأها، بينما في شبابي كنت أضحك، والنص هو هو، لكن القارئ تغير، فلم يعد هو الشاب الغر الذي غره شبابه وشغله عن تأمل الحياة وتحولاتها، اكتشفت أن ترانيم تمارا هي قصة حزينة، وليست مضحكة، مكتوبة بمداد الحزن والوجع، وليس بحس الفكاهة والسخرية، محمد عفيفي كان يعيش آخر سنوات عمره، قهرته الشيخوخة، وداهمه السرطان، حتى أنه مات قبل أن تنشر هذه الرواية، وهي آخر ما كتب، لدرجة أنه لم يدرك كتابة عنوان لها، وتردد أن نجيب محفوظ ـ صديقه ـ هو الذي اقترح هذا العنوان لها بعد وفاة عفيفي، كان يعيش عذابات الشيخوخة، ووحشتها، وعزلتها، ولم يجد من يؤنسه أو يعيش مشاعره، أو يفهم خلجات نفسه، فقرر أن يفرغ تلك المشاعر في حوارات مع الكائنات الأخرى، مع تمارا، الشجرة الكبيرة العتيقة في بيته، ومع القطة والضفدع والفراشة وغيرهم، لكي يشعر بأنه حي، ويتخيل أن هناك من يشعر به ويتجاذب معه الحديث ويؤنس عزلته ويتفهم شيخوخته دون أن يزعجه أو يظهر الملل من وجوده.
كونوا رفقاء بكبار السن، عندما تدهمهم الشيخوخة، ويشعرون بالعجز والفراغ والوحشة، اقتربوا منهم، آنسوهم، كونوا لطفاء معهم إلى أبعد حد، لا تجادلوهم كثيرا، ولا تسمعوهم ما يؤذي مشاعرهم من أخبار حتى لو كانت صحيحة، فلن يفيدهم معرفتها، لكن سيضرهم سماعها، هذه صدقة روحية إنسانية، لا تقل عن صدقات الماديات، لا تتأفف من تكرار سماع قصصهم، ولا تبدي لهم الملل من ذلك، هؤلاء كالأطفال، بل هم أطفال بالفعل، في قواهم، ومشاعرهم، وهمومهم، وحاجتهم للآخرين.