أوروبا تبحث إنشاء مجلس أمني لمواجهة التهديدات الروسية
هل تستطيع أوروبا الاستقلال أمنيًا عن الولايات المتحدة؟
- dr-naga
- 16 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أوروبا, التهديدات الروسية, الطائرات المسيّرة, القمة الأوروبية, الهجمات الهجينة, روسيا
تتصاعد النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن تطوير آليات مشتركة للاستجابة للتهديدات الأمنية، بعد تزايد المخاوف من الهجمات السيبرانية والتخريبية وحوادث الطائرات المسيّرة المرتبطة بالتوتر مع روسيا. وتبحث الدول الأوروبية كيفية تسريع اتخاذ القرارات الأمنية، وتقليل الاعتماد على الاستجابات الوطنية المنفردة في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
وجاء الملف الأمني ضمن جدول أعمال القمة الأوروبية المنعقدة في بروكسل يومي ١٥ و١٦ أكتوبر الجاري، حيث ناقش القادة الدفاع الأوروبي، والحرب الروسية الأوكرانية، والهجمات الهجينة، والاستعدادات الدفاعية للقارة.
وأعلن المجلس الأوروبي في مخرجات اليوم الأول، ١٥ أكتوبر، الاتفاق على مواصلة العمل في ملفات التنافسية والإصلاحات والتوسع، بينما خصص جدول اليوم الثاني مساحة لقضايا أوكرانيا والدفاع والأمن والهجرة والشرق الأوسط.
أولًا: لماذا تريد أوروبا آلية أمنية أسرع؟
تواجه الدول الأوروبية تحديات لا تقتصر على الهجمات العسكرية التقليدية، بل تشمل اختراق الشبكات الرقمية، واستهداف البنية التحتية، والتشويش على الملاحة، والتحركات التي يصعب تحديد المسؤولية عنها بسرعة.
وتكمن المشكلة في أن هذه الحوادث قد تستهدف دولة واحدة، بينما تتطلب مواجهتها تبادل المعلومات بين أجهزة أمنية وعسكرية متعددة، واتخاذ قرارات سياسية قد تتأخر بسبب اختلاف تقديرات الحكومات.
وفي هذا السياق، تناولت تغطية يورونيوز في ١٥ أكتوبر مقترح إنشاء مجلس أمني أوروبي يساعد الاتحاد على الاستجابة بصورة أسرع للهجمات الهجينة الروسية. وأشارت التغطية إلى أن الآلية المقترحة قد تسهم في تحسين التنسيق، لكنها لن تحل وحدها جميع المشكلات الأمنية الأوروبية.
ثانيًا: الخلاف لا يتعلق بالتهديدات فقط
لا تواجه الدول الأوروبية المشكلة الأمنية نفسها بالدرجة ذاتها. فالدول القريبة من روسيا، خصوصًا في شرق أوروبا وشمالها، تنظر إلى التهديدات العسكرية والهجينة بوصفها خطرًا مباشرًا على أمنها.
أما دول أخرى، فتولي اهتمامًا أكبر لتكاليف تعزيز الدفاع، والعلاقة مع الولايات المتحدة، واستمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، وتأثير التصعيد على الاستقرار الداخلي.
ويثير إنشاء مجلس أمني جديد أسئلة حول علاقته بالمؤسسات القائمة، ولا سيما مجلس الاتحاد الأوروبي والمجلس الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
فإذا كان المجلس المقترح سيضيف طبقة إدارية جديدة من دون صلاحيات واضحة، فقد لا يحقق السرعة المطلوبة. أما إذا توافرت له آليات لتبادل المعلومات وتنسيق القرارات وتحديد المسؤوليات، فقد يساعد على تقليل الفجوات بين الحكومات.
ثالثًا: أوكرانيا في قلب الحسابات الأمنية
تظل الحرب الروسية الأوكرانية العامل الرئيسي الذي يدفع أوروبا إلى مراجعة ترتيباتها الدفاعية.
ووفقًا للمجلس الأوروبي، ناقش القادة في ١٦ أكتوبر استمرار دعم أوكرانيا، واحتياجات البنية التحتية الحيوية لديها قبل فصل الشتاء، إلى جانب تطورات مسار انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.
كما تناولت المناقشات السلوك الروسي الذي تصفه المؤسسات الأوروبية بأنه أكثر عدوانية، بما يشمل الأنشطة الهجينة والهجمات التي تستهدف الاستقرار الأوروبي.
وتريد الحكومات الأوروبية تعزيز قدرتها على حماية المنشآت الحيوية، وتحسين الاستعداد الدفاعي، ومعالجة أوجه النقص في القدرات العسكرية.
لكن تعزيز الدفاع الأوروبي يطرح تحديًا سياسيًا يتمثل في كيفية توزيع الأعباء بين الدول الأعضاء، وتحديد المجالات التي ينبغي أن يتولاها الاتحاد بصورة مشتركة، وتلك التي تبقى مسؤولية وطنية أو ضمن إطار حلف شمال الأطلسي.
رابعًا: هل تستطيع أوروبا الاستقلال أمنيًا عن الولايات المتحدة؟
يمثل هذا السؤال أحد أعمق الخلافات الاستراتيجية داخل القارة. فهناك اتجاه يدعو إلى تطوير قدرات أوروبية أكبر في التسليح والاستخبارات والدفاع الجوي وحماية البنية التحتية، حتى لا يتوقف أمن القارة بصورة مفرطة على القرارات الأمريكية.
وفي المقابل، ترى اتجاهات أخرى أن حلف شمال الأطلسي يظل الإطار الأساسي للدفاع الجماعي، وأن بناء منظومة أوروبية موازية بالكامل قد يؤدي إلى ازدواجية في الإنفاق والقيادة.
ولا يعني تطوير قدرات أوروبية مستقلة بالضرورة الانفصال عن الولايات المتحدة؛ فقد تسعى الدول الأوروبية إلى زيادة مساهمتها في الدفاع المشترك، مع الاحتفاظ بالشراكة عبر الأطلسي.
خامسًا: ما النتائج التي ينبغي مراقبتها؟
تتمثل الخطوة الأهم في معرفة ما إذا كانت المناقشات ستتحول إلى آليات مؤسسية محددة، أم ستظل ضمن إطار التنسيق السياسي العام.
ومن المؤشرات التي تستحق المتابعة صدور قرارات بشأن إنشاء المجلس الأمني المقترح، وتحديد صلاحياته، وتطوير آليات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الاستجابة للهجمات السيبرانية وحوادث الطائرات المسيّرة.
كما ينبغي متابعة القرارات المتعلقة بتمويل الدفاع الأوروبي، وسد النقص في القدرات العسكرية، وحماية المنشآت الحيوية، لأن هذه الملفات ستحدد مدى قدرة أوروبا على تحويل التصريحات السياسية إلى استعداد أمني فعلي.
ولا يوجد في المعلومات المشار إليها ما يثبت أن إنشاء مجلس أمني أوروبي جديد قد أُقر نهائيًا؛ لذلك يجب التمييز بين المقترحات المتداولة والقرارات الرسمية التي تدخل حيز التنفيذ.
الخلاصة
تسعى أوروبا إلى تطوير استجابة أمنية أكثر سرعة وتنسيقًا في مواجهة التهديدات الهجينة، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد المخاوف من استهداف البنية التحتية الأوروبية.
لكن نجاح أي مجلس أمني جديد سيتوقف على صلاحياته الفعلية، وقدرته على جمع المعلومات وتنسيق القرارات، ومدى توافق الدول الأعضاء على توزيع المسؤوليات والأعباء الدفاعية.
المصادر والتواريخ
المجلس الأوروبي، مخرجات اجتماع القادة الأوروبيين، ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦.
المجلس الأوروبي، جدول أعمال الدفاع والأمن وأوكرانيا والهجرة، ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦.
يورونيوز، تغطية النقاشات بشأن مجلس أمني أوروبي لمواجهة الهجمات الهجينة، ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦.