ثقافة العداوة والتحريض بين مصر والسودان

عمرو عبد المنعم

هذه رسالة موجزة في العلاقة مع السودان وأهلها عامة، والأحداث الأخيرة خاصة، وهي موجهة للإخوة في السودان أصالةً:
– استعمال القصف الجوي لتصفية جموع وحشود مدنية غير عسكرية أمر مرفوض في حق المسلمين عامة (بل وغير المسلمين)، وفي حق أهل السودان خاصة، للعلاقة الخاصة بيننا وبينهم (وهي للأسف علاقة ودية من طرف واحد وسأوضح الأمر). وبصورة كلية: المفترض إن كان قد حدث خرق فالممكن المتاح هو الحملات البرية لإيقاف دخول الحدود، لا القصف الجوي.. هذا مبدأ فوق كل شيء وكل نقاش. وإدانة ما جرى أصل يُبنى عليه النقاش.
– تعزية أهل السودان في مصابهم بمقتل العشرات منهم واجب على كل مصري، وهذا أيضا مبدأ فوق كل شيء وكل نقاش.
انتهت المقدمة الواجبة.
ثم بعد ذلك، أود قراءة التالي بهدوء وإنصاف وعقلانية، ليس من الضروري الآن، بل في أي وقت لاحق بعد مرور الموجة الحالية من الغضب:
أولا. عمق الاختراق للحدود: حملات دخول منقبي الذهب والمعادن وصلت إلى أماكن داخل أعماق مصر، وهناك فيديوهات موثقة من سودانيين أنفسهم وهم يتحركون في جموع بالقرب من مرسى علم في أعماق مصر، وبعضهم يحمل الأسلحة البيضاء (وهذا طبيعي، إذ هم في صحراء بلا هوية!)، وكان من الظريف أن بعضهم يسب النظام والحكومة المصرية – وهو في هذا العمق بالداخل المصري – لأنها تطارده!
مثلي لا يؤمن بحدود سايكس بيكو، لكن (الحدود الإدارية) موجودة طوال التاريخ يا جماعة، حتى في ذروة الدولة الإسلامية كان دوما يُنظَر للتجمعات المتحركة غير المُصرَّح بها، والضارة بالدولة، باعتبارها محظورة، وتواجه من الجيوش، لكن هذه الأنشطة كانت قديما توشك أن تكون محصورة في البدو والأعراب، وأي عارف بتاريخ الأمة الإسلامية خاصة يعلم كيف كان يُنظَر للتجمعات هذه بمنظور أمني واقتصادي محض، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وكانوا يواجَهون من الدول بكل السبل.
فتصوير الأمر باعتبار أن ما يجري مخالف للتاريخ، وأن هذا سببه المحض هو إجرام الدولة المصرية الحديثة، هو أكذوبة! مصر تحتمس الثالث واجهت الأعراب في الصحراء والجوَّالة بنفس منطق وأفعال مصر الظاهر بيبرس البندقداري: المواجهة وأحيانا الاحتواء والتحالف القصير المرتاب! لم يُنظَر أبدا لجماعات الصحراء، الجوَّالة، غير الملتزمة بالسياسات والإدارة والقانون، إلا باعتبارها تهديدا دائما، بصرف النظر عن عرقها، منذ الدولة القديمة (عصر بناة الأهرام) حتى اليوم! الحاكم مصري أو يوناني روماني أو عربي أو تركي: نفس التعامل تقريبا ونفس الرؤية لهم باعتبارهم تهديدا للأمن القومي.
ولو كان الذين يخترقون الحدود هم أعراب مصر إلى عمق سوداني يبلغ 200 كيلو متر لسرقة ثروات السودان، وهم بالمئات، ويحملون كراهية وعداء واحتقار لأهل السودان، لما كان تردد السودانيون في التحريض ضدهم والدفع نحو قتلهم ولو كانوا ألوفا!
وتصوير الأمر أن القصف (حتى لو حدث باختراق للحدود المشتركة مع السودان) واقع دائما بداخل السودان، هو أكذوبة أخرى يستعملها وينشرها الكارهون لمصر لإظهار أن (مصر المُستعمِرة تنهب شمال السودان!)، فهو لخدمة سردية إعلامية وضيعة ولكنها منتشرة في الشعب السوداني للأسف ويقوم عليها كل الأطراف تقريبا إلا ندرة عاقلة. حتى إن وقع القصف باختراق للحدود هذه المرة، لكن الأزمة مستمرة منذ سنوات والمواجهة واقعة بداخل شريط ممتد لعشرات الكيلو مترات على ساحل البحر الأحمر أكثره في مصر وبعضه في السودان. إذن الذي حدث هو في إطار مواجهة أكثرها واقع بالداخل المصري نفسه، وهذا يعلمه أكثر السوادنيين المتحدثين ممن تابعتهم الأيام الماضية، وأكثرهم يرى أن من حقه خرق تلك الحدود لإن مصر محتلة حلايب وشلاتين إلخ، فهو يرفض احترام تلك الحدود أصلا، لكن في المقابل يطالب باحترام حدوده حتى إن خرقتها قوات من الجيش المصري هاج غاضبا!
.
ثانيا: جمهرة الشعب السوداني يا جماعة كما يظهر في مواقع التواصل، مريض بكراهية المصريين! مرض جنوني يصل بالعديد منهم أن يعيش في الداخل المصري بقلب القاهرة ويظل يسب مصر ويسخر من أهلها!
والحقيقة أن هذا وضع غير معقول لا أظن السودانيين يدركون مدى شذوذه! يا جماعة ليس في العالم المنظور دولة فيها أكثر من مئتي ألف إنسان من دولة أخرى حدودية مُدمَّرة بالحرب الأهلية، إلا والتحريض على أشده بداخل الدولة المُستقبِلة ضد الشعب اللاجئ، والدولة نفسها تتبنى كل السبل للتخلص من كل أولئك والتضييق عليهم والعنصرية ضدهم، على مستوى هيكلي وشعبي.. وقد شهدت مصر لاجئين سوريين وعراقيين وليبيين من قبل، وكان الامتنان منهم عاليا من أول لحظة حتى النهاية، لكن لم أشهد في حياتي من قبل ظاهرة اللجوء المعادي هذه: أن تستقبل دولة منك ملايين وتعاملك أكثر الوقت بامتيازات جوار، ثم تُشتَم ليلا ونهارا عند شعبك الذي لجأ منه الناس، ويُفاخِر الكثير منهم أنهم أعداء مصر، ومع أول حادث أو خلاف يجري مثل ما وقع أمس من دعاء كثير من السفلة أن يُهلك الإسرائيليون مصر وأنهم متطوعون حينئذٍ لمساعدة اليهود وغير هذا من السفالات الخارمة للدين نفسه! لا يوجد حفظ أي جميل لمصر والمصريين بل استحقاقية جنونية وعداوة مرة مُهلِكة غير عقلانية! يجب أن يفهم السودانيون هذا عن ثقافتهم الحالية كمثلبة يجب أن تُعالَج، لا أن يكذبوا على أنفسهم ويقولوا هذا عادي وسببه مصر! السودان دولة مفككة متهالكة منذ قرن الاستقلال، ومع ذلك ذهب الجيش المصري حتى اليمن والكونغو وواجه إسرائيل والغرب مرات، ولم يفكر في ضم السودان ولم يكن هذا من استراتيجيات أي حاكم مصري منذ الانفصال، وهو أمر أهون على جيشها – شئت أم أبيت – من مواجهة إسرائيل مرات متتالية! فأي أطماع تلك التي تتحدث عنها؟
.
ثالثا: خطاب العنصرية المصرية ضد السودان هذا من أكثر ما يثير الضحك! ادخل أي صفحة سودانية سودانية وشاهد حجم عنصريات الشعب السوداني ضد بعضه البعض، من لون وعرق ومدينة وشمال وجنوب وكل شيء! قد يتعجب بعض المصريين لكن فكرة السوداني الشمالي (الأبيض) ذي الملامح السامية ضد السوداني الأسود صاحب الملامح الأفريقية هذه موجودة في ثقافة السودان نفسها. أكثر من رأيت تحريضا على مصر بالتاريخ وزعما أنها عنصرية ضدهم هم أشخاص مسكونون بفكرة العنصرية ضد السود هذه. وكم من صفحة للأستاذ فلان والأستاذ علان تمتلئ بعشرات التواريخ الكاذبة عن تاريخ بديل فيه السودان كانوا هم الفراعنة الحقيقيين والمصريون ليسوا إلا سراق آسيا الغزاة! كمتية سوادانية سوداء ممتزجة مع حركات الأفروسينترزم، ولها رواج في مواقع التواصل استغلالا لبذور الكراهية والعداء لمصر!
هل هذا يعني التسامح مع أي عنصرية؟ اللهم لا! لكن الفارق هائل بين رصد شذوذات، وبين مزاعم كاذبة عن عنصرية جماعية!
.
رابعا: يبدو أن جمهرة السودانيين حتى اليوم لا يفقهون ما صنعه فيهم اليهود وبغالهم في الحكومة الإثيوبية! يا ناس: من أجل تهديد مصر بالإيذاء، صُنِع من الأحباش سد من أكبر سدود الدنيا على حدودكم أنتم مباشرة! أي أن أي صراع مصري إسرائيلي أو غربي أو حتى إثيوبي صار من الممكن جدا أن يكون من تداعياته الجانبية إنهاء السودان نفسه في إطار صراع خارجي لا ناقة لكم فيه ولا جمل!
السودان أيها الناس مقتول مقتول بالصورة الحالية! المجرمون وضعوا لكم أكبر قنبلة ذرية في الكوكب على حدودكم أملا أن يصيب (غبارها الذري) مصر إن انفجرت يوما! لكن من الذي سيُقضى عليه خلال الأيام الأولى من انهيار السد؟ كل السودان المعروف حول النيل!
سيضرب عمود من الماء ارتفاعه عشرات الأمتار كل السودان الحالية بموجة ستقتل عشرات الملايين من السودانيين وتفني كل المدن حول النهر تحتها لزمن طويل يستحيل علاجه وإعادته إلى حاله الأول!
هذه الكارثة صنعوها لكم، أملا في (إيذاء مصر)، ثم يأتي السفهاء (وما أكثرهم) ويقولون إثيوبيا أخت بلادي وهي أقرب لنا من مصر!
يا عقلاء السودان: مصر تخشى من (آثار) بقاء أو انهيار السد عليها، وأنتم، المقتولون من السد مباشرة، تتعاملون معه إما بدعم لبقائه وإما باستخفاف به، بدلا من الذعر والاستنجاد بمصر لإنهاء هذه الكارثة القومية الكبرى على الحدود!
من الأولى بإشعال الدنيا وجلب الجيوش والتحالفات للقضاء على سد صهيوني في دولة معادية تاريخيا إن انهار انتهى السودان وغرق أهله؟ مصر هي التي تحتاج السودان لمساندتها في القضاء على هذا السد أم العكس؟!
هذا العجز عن رؤية الوضع الاستراتيجي والواقع وخريطة العداوات متأصِّل في الجمهور السوداني بصورة تصيب المرء بالحيرة!
.
خامسا: معلوم أن إثيوبيا هي الداعم الحدودي الرئيسي للدعم السريع، الفئة المجرمة الحقيرة التي صنعت الإبادات والاغتصابات، وحتى أمس – أثناء تحريض إعلامها للسودانيين ضد مصر – خرقت بطائراتها الأجواء السودانية لصنع أعمال عدائية حقيقية لتدمير الدولة، لا لمجابهة جماعات حدودية، فالسودان أحوج الناس إلى مصر و وأهلها ضد إثيوبيا، لكن في الممارسة العملية؟ لا! التحريض دائم ضد مصر!
.
سادسا: الإمارات أنفع لمصر ألف مرة من السودان عمليا واقتصاديا في العقد الأخير، نفعا مباشرا ودعما واضحا، ومع ذلك الكل يعلم أن مصر لم تتردد في أن تقف ضد الإمارات في السودان والملف الأفريقي كله، وهي تقصف لها الدعم عميل الإمارات المرة تلو المرة، وتحشد الدول في القرن الأفريقي ضد إثيوبيا المدعومة صهيونيا وإماراتيا، فلا أعرف – من جديد – ما هو وجه التحريض ضد مصر في الوقت الذي يحتاج فيه السودانيون إلى جيشها ودعمها السياسي بكل قوة! هل لديكم شك في ميول الدعم المتصهينة وكيف أن أمريكا نفسها تقف ضد أي محاولة من الجيش السوداني للتعامل كجهة شرعية وحيدة ممثلة للسودان؟!
من الجهة الأكبر تمويلا للجيش السوداني بالذخيرة والإسناد بالقصف الاستراتيجي في السنوات الماضية؟ هل يجهلها السودانيون؟ أم يصدقون أنفسهم أن الجيش السوداني صنع تلك العودة الكبيرة للسيطرة على غالب السودان بعدما كان قد تقلص وجوده وأوشك على الانهيار بجهوده الذاتية وحده؟ من الداعم للجيش السوداني إن كانت إسرائيل والإمارات وروسيا وأمريكا وإثيوبيا وليبيا مع الدعم السريع؟
.
أخيرا،
للأسف، ثقافة العداء والتحريض هذه لن تنتهي، لهذا كنت أكرر في السنوات الأخيرة أن الموقف المصري بعدم الدخول في الصراع السوداني رغم أنه مستفز شرعيا واستراتيجيا، لكنه صحيح في النهاية: مصر ليس لها أصدقاء في سودان البشير والبرهان من جهة والدعم السريع من جهة أخرى، وقطتها جمل: أي خطأ مصري متوقَّع سيُعتبر غزوا واحتلالا واغتصابا وإعادة لزمن الاستعمار إلى آخره من هراء الثقافة السياسية السودانية عامة!
وتعامل السودانيين مع مصر هو تعامل من يجهل قيمة مصر ويجحد جهودها مع أقرب خلاف بل وحتى دون خلاف، ولا يفكرون لحظة ماذا لو خسرنا مصر وجعلناها عدوا! ماذا سيكون وضع ملايين السودانيين في مصر وماذا ستصنع بنا إثيوبيا وماذا سيفعل بنا الإماراتيون والدعامة؟
إن الصراحة في أيام الفتنة هي مجلبة للعداء، لكن كما ذكرت في مطلع المقال، أرجو أن يقرأ السودانيون هذا الكلام لاحقا بعد سكون الفتنة ويفكروا فيه طويلا، فالصراحة هي أول طرق بدء تعديل الثقافة السياسية السودانية المعطوبة، ولا أقول (السياسة السودانية) الحكومية، بل المُختل هو الثقافة السياسية للشعب نفسه ولمتصدري مواقع التواصل (إلا قلة نادرة)، وهو أمر يحتاج لإصلاح عميق، وإدراك لخطورة هذا السفاه المستمر في خسارة الداعم ودعم العدو!

اترك تعليقا