مأرب مؤجلة وتعز تشتعل في اليمن

الصراع مستمر دون حسم قريب

تتجه المواجهات العسكرية في اليمن نحو مرحلة تتداخل فيها الحسابات الميدانية مع رهانات السيطرة على الجغرافيا، في ظل تصاعد القتال بمحافظة تعز، واستمرار العمليات العسكرية في مأرب، وسط تساؤلات بشأن قدرة القوات الحكومية على تحويل الضربات الجوية المكثفة إلى تقدم بري يغير خريطة السيطرة ويقربها من العاصمة صنعاء.

وتكشف التطورات، وفق قراءة الخبراء العسكريين، أن المعركة لا تتوقف عند حجم النيران المستخدمة أو عدد الأهداف المستهدفة، بل ترتبط بقدرة كل طرف على استثمار موقعه الجغرافي، وتنسيق قواته، وإدارة جبهات متعددة دون استنزاف موارده في مواجهات متزامنة.

مأرب جبهة الضغط المؤجل

يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد حسن جوني أن مأرب تمثل «الجبهة المؤجلة»، إذ تتواصل فيها الاشتباكات ومحاولات الضغط من جانب القوات الحكومية، لكن الهدف الأبعد يتمثل في تعزيز التقدم باتجاه محيط صنعاء.

ويعكس هذا التقدير أن مأرب ليست مجرد ساحة مواجهة محلية، بل تمثل نقطة ارتكاز لأي تحرك عسكري يستهدف تغيير موازين القوى في شمال اليمن. غير أن الانتقال من الضغط الميداني إلى تحقيق اختراق واسع يظل مرتبطا بقدرة القوات الحكومية على تأمين خطوط الإمداد وتنسيق التحركات البرية والجوية.

وأعلنت القوات الحكومية اليمنية، ضمن عملية «فجر اليمن»، تدمير آليات عسكرية ومدفعية وثكنات تابعة للحوثيين في جبهات مأرب، مؤكدة تكبيدهم خسائر كبيرة. وفي المقابل، لا تكفي هذه الإعلانات وحدها للحكم على حجم التغيير في السيطرة الميدانية، ما لم تقترن بتقدم بري مستدام.

وتكمن المعضلة في أن فتح جبهة واسعة باتجاه صنعاء يتطلب موارد عسكرية ولوجستية كبيرة، في وقت لا تزال فيه جبهات أخرى، وفي مقدمتها تعز، تستحوذ على جانب مهم من الاهتمام العسكري.

تعز.. الجغرافيا تتحول إلى سلاح

في تعز، تبدو المعركة أكثر تعقيدا بسبب الطبيعة الجبلية التي تمنح القوات المتمركزة في المرتفعات فرصا للسيطرة على المداخل والمخارج وفرض ضغوط على التحركات المقابلة.

ويشير العميد حسن جوني إلى أن التضاريس الجبلية المحيطة بتعز تمثل عاملا مساعدا للحوثيين، بما توفره من إمكانات للتمركز والتحكم في محاور الحركة، وهو ما يجعل التقدم العسكري أكثر صعوبة من مجرد تنفيذ ضربات جوية.

وأعلن الحوثيون، مساء الأحد، تمكنهم من إخراج القوات الحكومية من مديرية المسراخ بمحافظة تعز، دون صدور تعليق حكومي على هذا الإعلان وفق المعلومات الواردة في التقرير. وإذا تأكد هذا التطور، فإنه قد يعكس استمرار قدرة الجماعة على استغلال طبيعة الأرض للضغط على القوات المقابلة.

وفي قراءة موازية، يرى أحمد الشلفي، محرر الشؤون اليمنية في قناة الجزيرة، أن الحوثيين يركزون عملياتهم بصورة مكثفة على جبهة تعز، بينما يتحركون بوتيرة أبطأ على الساحل الغربي.

ويشير هذا التباين إلى أن الجماعة تتعامل مع الجبهات وفق أولويات مختلفة، بدلا من توزيع الضغط العسكري بالتساوي. فتعز تمثل ساحة مناسبة لاستثمار التضاريس والحصار، بينما يفرض الساحل الغربي حسابات مرتبطة بالمواقع الساحلية والممرات البحرية الاستراتيجية.

التفوق الجوي لا يحسم المعركة

أحد أبرز التحديات التي تواجه القوات الحكومية يتمثل في الفجوة بين كثافة الضربات الجوية والقدرة على تحقيق نتائج ميدانية مستدامة.

وبحسب العميد حسن جوني، أعلنت القوات الحكومية تنفيذ أكثر من 1700 عملية دقيقة استهدفت مواقع عسكرية للحوثيين في مختلف المحاور والجبهات. ومع ذلك، يلفت الخبير إلى أن العمل الجوي يبدو في كثير من الأحيان منفصلا عن التحركات البرية وخريطة السيطرة على الأرض.

وتكشف هذه الملاحظة عن إشكالية عسكرية أساسية: تدمير المواقع والآليات لا يؤدي تلقائيا إلى انهيار الخصم أو فقدانه القدرة على القتال، خصوصا عندما يحتفظ بقدرة تنظيمية تسمح له بإعادة الانتشار واستغلال التضاريس.

ويشير جوني إلى أن القوات الحكومية تمتلك ميزة التفوق الجوي، لكنها تواجه تحديات تتعلق بتنسيق المناورات وتعدد التشكيلات وتباين مراكز القيادة السياسية والعسكرية. وفي المقابل، تتمتع قوات الحوثيين بقدر أكبر من التماسك التنظيمي والقيادة المركزية.

وهذا التفاوت يجعل نتائج المواجهات مرتبطة بمدى قدرة القوات الحكومية على توحيد القرار الميداني وربط الضربات الجوية بعمليات برية واضحة الأهداف.

الساحل الغربي وحسابات الإقليم

بحسب أحمد الشلفي، يشهد الساحل الغربي هدوءا نسبيا مع احتفاظ القوات الحكومية بقدرة نارية مؤثرة، عقب تقدمها في مطار ذو باب والمنطقة المحيطة بباب المندب، رغم تعرضها لهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الحوثية.

وتكتسب هذه المنطقة أهمية تتجاوز حدود المواجهة اليمنية، نظرا إلى ارتباطها بالممرات البحرية وحركة التجارة الدولية. ولذلك فإن أي تغير في ميزان السيطرة قرب باب المندب قد ينعكس على الحسابات الأمنية والاقتصادية الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، تظل مأرب والجوف والبيضاء ضمن حسابات الدفاع والتحرك العسكري الأوسع، بحسب قراءة الشلفي لخطة «فجر اليمن». ويعني ذلك أن عدم تحقيق تقدم سريع في هذه الجبهات لا يثبت بالضرورة غياب التحرك، لكنه يطرح سؤالا حول المدة اللازمة قبل الانتقال إلى مرحلة هجومية أوسع.

وعلى الجانب الآخر، اتهم المتحدث العسكري للحوثيين، العميد يحيى سريع، السعودية بتنفيذ 124 غارة جوية خلال 24 ساعة، قال إنها استهدفت صنعاء وتعز ومأرب والجوف وحجة والحديدة وصعدة. ويظل هذا الرقم اتهاما صادرا عن الجماعة، ولا تتوافر في المعلومات الواردة تفاصيل مستقلة تؤكده.

كما تثير الهجمات التي تستهدف المطارات المدنية السعودية مخاوف من اتساع المواجهة خارج الأراضي اليمنية، ومن استخدام الضغط على العمق الإقليمي للتأثير في طبيعة الدعم الجوي المقدم للقوات الحكومية.

ماذا بعد؟ ثلاثة مسارات محتملة

تتوقف المرحلة المقبلة على قدرة القوات الحكومية على معالجة الاختلال بين التفوق الناري والتقدم البري. ويتمثل المسار الأول في نجاحها في توحيد القيادة وتحويل الضربات الجوية إلى مكاسب ميدانية، بما يتيح زيادة الضغط على مواقع الحوثيين في مأرب وفتح المجال أمام تحركات أوسع باتجاه صنعاء.

أما المسار الثاني، فيتمثل في استمرار استنزاف الطرفين، مع احتفاظ الحوثيين بقدرتهم على الضغط في تعز واستغلال التضاريس، مقابل استمرار الضربات الجوية دون تغير حاسم في خطوط السيطرة. وفي هذه الحالة، قد تطول المواجهات وتتزايد تكلفتها الإنسانية والاقتصادية.

ويتمثل المسار الثالث في اتساع البعد الإقليمي للصراع، إذا استمرت الهجمات على المنشآت المدنية والمطارات السعودية، بما قد يدفع الأطراف المعنية إلى إعادة حساباتها العسكرية والأمنية، ويزيد صعوبة احتواء الحرب ضمن حدود الجبهات اليمنية.

ولا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأي من هذه المسارات، لكن استمرار القتال في تعز بالتزامن مع العمليات في مأرب والساحل الغربي يشير إلى أن الحسم لن يتحدد بعدد الغارات وحده، بل بقدرة الأطراف على إدارة الجبهات وتثبيت المكاسب.

في رأيي

تكشف خريطة المعارك أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص القوة النارية بقدر ما تكمن في كيفية توظيفها لتحقيق أهداف ميدانية قابلة للاستمرار. فالقوات الحكومية قد تنجح في تدمير مواقع عسكرية، لكنها لن تحقق تحولا استراتيجيا ما لم تتمكن من تأمين المناطق التي تتقدم إليها، ومنع خصمها من إعادة تنظيم صفوفه.

وفي المقابل، يمنح تماسك الحوثيين وسيطرتهم على مواقع جبلية مهمة الجماعة قدرة على إبطاء التقدم المقابل وفرض معارك استنزاف، حتى في ظل التفوق الجوي للقوات المناوئة لها.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لعملية «فجر اليمن» يتمثل في مدى قدرتها على الانتقال من استهداف المواقع إلى تغيير خطوط السيطرة، بالتوازي مع معالجة الانقسامات القيادية وتأمين الجبهات الخلفية. وإذا استمر الفصل بين القوة الجوية والنتائج البرية، فقد تبقى مأرب جبهة مؤجلة، فيما تظل تعز ساحة ضغط مفتوحة، ويستمر الصراع دون حسم قريب.

اترك تعليقا