هل يفعلها طلاب فرنسا ويغيرون وجه أوروبا ؟
د عمار علي حسن
- dr-naga
- 9 أكتوبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- أوروبا والعالم, احتجاجات, د. عمار علي حسن, طلاب فرنسا, فرنسا
ما يستحق الوقوف عنده في الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا حاليا هو أن باعثها هو “التعليم” ودافعها هي الرغبة في إصلاحه، وغايتها هو منع تدهور مكانة الدولة في أوروبا والعالم، اقتناعا بأنه لا نهضة تقوم، ولا مكانة تعلو، دون تعليم جيد، لكن مآلاتها قد تتعدى ذلك بكثير.
أبتداء، يُطالب المحتجون بزيادة الموارد المخصصة للتعليم، وتوفير العدد الكافي من المدرسين والموظفين الإداريين، وتعويض حالات الغياب، وتقليل ساعات الحضور بالمدارس، وخفض كثافة الفصول بعد اكتظاظها مما يؤثر على فرص الطلاب في استيعاب دروسهم ومناقشة مدرسيهم، وتذليل الاختبارات التي باتت غاية في الصعوبة، وتحسين ظروف الدراسة بوجه عام، لاسيما المنشآت التعليمية التي صارت متهالكة، وبعضها لم يعد ملائما للتغيرات المناخية، حيث موجة الحرارة التي تجتاح أوروبا، وبشكل غير مسبوق.
بالطبع، فهذه المظاهرات ليست الأولى للطلبة في فرنسا في الزمن الحديث والمعاصر، إذ لا ينسى العالم مظاهرات 1968 التي قادت لتحولات سياسية ومعرفية، وتجذرت عميقا في الوعي الأوروبي برمته، حتى أنها أنتجت في مناهج التفكير والنقد والفلسفة ومساقات علم الاجتماع، لتفتح الطريق إلى ما بعد البنيوية. لكن هذه المظاهرات تعددت أسبابها وقتها، ولم تتمركز حول التعليم.
فالطلاب الفرنسيون الذين خرجوا إلى الشوارع قبل ثمانية وخمسين عاما كانوا قد ضاقوا ذرعا بالنظام السياسي والاجتماعي المحافظ للرئيس شارل ديجول، والذي لم يكن مستوى ديمقرطية مؤسساته يكفيهم، وكانوا متأثرين بأفكار اليسار الراديكالي المتمردة على قيم البرجوازية وتقاليدها، وتصل إلى أسماعهم أصداء حرب فيتنام.
مع هذا لم تكن شؤون التعليم وشجونه بعيدة عن مطالبهم أيضا، إذ كانوا غاية في التبرم من القوانين الجامعية، واكتظاظ قاعات الدرس داخل الجامعات، وسوء الأوضاع ببعض المدن الجامعية. وكما يحدث هذه الأيام أدى القمع الأمني المفرط، عبر قوات مكافحة الشغب وغيرها، إلى تحول الاحتجاحات تلك إلى مواجهات واسعة في مختلف الشوارع، وانضم إليها العمال، وأضرب الملايين منهم مطالبين برفع الأجور وتحسين ظروف العمل، فاتسعت الأزمة لتحدث هزة سياسية كبرى في فرنسا، ومعها هزة فكرية.
فقد هتف الطلاب الغاضبون في المظاهرات “فلتسقط البنيوية”، جنباً إلى جنب مع شعار “يسقط ديجول”، باعتبارها سجنا من اللغة، جدرانه من الأنساق والأنظمة، ولأنها، في نظرهم، تجعل الإنسان غريبا أو مغتربا بين هذه الجدران أو التحكمات.
رحل ديجول بالفعل، وخلع كثير من البنيويين أرديتهم، وتحطم النسق المنغلق التسلطي، المنطوي على مركز ثابت كالعلة الأولى، لتطل برأسها مناهج ونظريات واقترابات أخرى، إذ راجع بعض البنيويين مثل رولان بارت وألتوسير أفكارهم، وانضم إليهم آخرون، لتبدأ مرحلة ما بعد البنيوية، وهي مدرسة فكرية رفضت إصرار البنيوية على الأطر والهياكل كمسار إلى الحقيقية، والتعامل مع اللغة على أنها نطام مغلق، وانطلقت من أن المعنى غير مستقر، وأن وجود فجوة بين الدال والمدلول، مسألة حتمية، وجعلت من القارئ هو الأهم وليس الكاتب، ودرست كلاً من النص وأنظمة المعرفة التي أنتجته، متجلية في التفكيكية، ونظريات ما بعد الحداثة، لكن من دون البنيوية لم يكن بوسع السيموطيقا أن تظهر، بوصفها تمثل جدلا بين المعنى والبناء، وما كان للنظريات الأخرى التي تعاملت مع النص أن تقوم على أسس قوية.
لقد عزا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على المظاهرات الراهنة إلى “الهجرة المفرطة، ورغبة الإسلام في السيطرة على فرنسا”، ورأى أن الأمر لا يتعلق بالمدارس، وهي رؤية زائفة، تتساوق مع ما يؤمن به ترامب، وتجهل تاريخ الاحتجاج في فرنسا، وحجية الغضب حيال تراجع التعليم، وهذا ما تعاني منه البلاد حقا.
فالأرقام والمؤشرات تقول إن فرنسا تأخرت إلى المركز السادس عشر أوروبيا في ثلاثة حقول معرفية هي الرياضيات والعلوم والقراءة، لتبلغ درجاتها 474 للأولى، 487 للثانية، و474 للثالثة، في مقياس من ألف نقطة، أعده عام 2023 برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) الذي تشرف عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD’s Programme for International Student Assessment ، تتصدره أستونيا بـ 510 و526 و511 على التوالى.
تتأخر فرنسا وفق هذا التقييم عن كل من أستونيا، وسويسرا، وهولندا، وإيرلندا، وبلجيكا، والدنمارك، والمملكة المتحدة، وبولندا، والنمسا، وجمهورية التشيك، وسلوفينيا، وفنلندا، ولاتفيا، والسويد، وليتوانيا، وألمانيا، وتلي فرنسا كل من: أسبانيا، والمجر، والبرتغال، وإيطاليا، والنرويج، ومالطا، وسلوفاكيا، وهي مرتبة لا يرضاها الفرنسيون، الذين أطلقوا حركة “التنوير” في أوروبا الحديثة عقب ثورة 1889، التي رفعت شعار “الحرية والإخاة والمساواة”، وهم الآن يتحدثون عن تحديات يواجهها نظامهم التعليمي، ومنها خضوع التعليم للفجوات الاجتماعية أو الطبقية، وضآلة التحصيل في بعض المراحل مقارنة بمتفوقي دول أوروبية أخرى، ودول شرق آسيا أيضا.
وكما جرى في مظاهرات 1968 أنضمت نقابات عمالية وتعليمية من بينها الاتحاد العام للعمل، إلى جانب الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا UNEF، وغيرها، إلى الطلبة الغاضبين، وكذلك الكثير من أولياء أمورهم، لتمتد من المدارس الثانوية إلى الجامعات، ومن العاصمة باريس إلى مدن أخرى، فاضطرت 559 مدرسة إلى التعطل، وأغلقت 18 جامعة أبوابها، إلى جانب إغلاق إدارات خمس مؤسسات بصورة احترازية ودخل الساسة المعارضون، خصوصا من اليسار، على الخط في جدل حول حجية مطالب الطلاب، وطريقة التعامل الأمني العنيف مع احتجاجاتهم، والذي أدى إلى إصابة 215 طالبا و85 من العاملين في قطاع التعليم، إلى جانب 715 من أفراد الشرطة والدرك، إلى الآن، حسب التقديرات الرسمية، التى أتت أيضا على ذكر أعمال تخريب ومواجهات ووجود مجموعات عنيفة وسط بعض التجمعات، بما برر اعتقال نحو خمسة آلاف متظاهر.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أي مآلات يمكن أن تفضى إليها هذه الاحتجاجات؟
والإجابة التي تأتي للوهلة الأولى هي أنه إلى جانب بدء استجابة الحكومة لمطلب إصلاح التعليم، فهنا ما يتعلق بأمر قد يكون مؤقتا أو عابرا، هو أثر هذه الاحتجاجات على الحالة السياسية الفرنسية، لاسيما أنها تأتي قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.
فقد رأينا جان لوك ميلانشون زعيم حزب “فرنسا الأبية” اليساري والمرشح للرئاسة، يستغل الاحتجاج في تعبئة الأصوات المنقدة للحكومة لمناصرته، فيما يعتبر أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور أن الوقوف إلى جانب الطلاب وحماية مظاهراتهم واجب، أما فابيان روسيل، الأمين العام للحزب الشيوعي، فقد دعا صراحة أعضاء حزبه إلى المشاركة في المظاهرات.
لكن الأثر الأكبر الذي يمكن أن تقود إليه هذه الاحتجاجات، وعلى غرار ما جرى في عام 1968، هو فتح الباب أمام مقاربات فكرية ومنهجية مختلفة تبدو أوروبا جميعا في حاجة إليها، كما تدل على ذلك الدراسات الاجتماعية والتصورات الفلسفية.
إن المجتمع الفرنسي يشهد حاليا نقاشا جادا، ومراجعات عميقة، حول قضايا مهمة مثل أزمة النظام الجمهوري، والديمقراطية التمثيلية، ووضع “دولة القانون”، وتأثير القضاء من خلال المحاكم الدستورية الأوروبية على الإرادة الشعبية، ومخلفات الإرث الاستعماري، ومنه إعادة الآثار المنهوبة إبان الحقبة الاستعمارية إلى دولها الأصلية.
وهناك أيضا أزمة الهوية والتعدد الثقافي وما انتهت إليه الأطروحات العلمانية، ومشاكل الأقليات وما يرتبط بها من نقاش حول الدمج والاستيعاب والتشريعات الضابطة لها، وإمكانية تحقيق التوازن بين الأمن القومي وحقوق الإنسان.
ويوجد نقاش حول مسألة العدالة الاجتماعية، وسياسات التقشف، خاصة ما تطرحه حركة “لنغلق كل شيء” حول العدالة الضريبية، والطرف الذي عليه تحمل عبء الإصلاح المالي، ونقاش آخر عن الهوة بين الأجيال وما صنعته من استقطاب سياسي وفكري حول الأيديولوجيات المحافظة واليمينية واليسارية، وقضايا النسوية والبيئة، وأزمة الثقة في المؤسسات السياسية، والإعلامية والعلمية، وكيفية التعامل مع التقنيات الجديدة، لاسيما الأبعاد الأخلاقية لدور الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم وسوق العمل والتأثير على الخصوصية ومكانة البشر.
أعتقد أن هذه الاحتجاجات لاسيما إن توسعت وتعمقت ستفتح الباب واسعا أمام بلورة رؤية فرنسية ستمتد إلى كل شيء، بما في ذلك النظريات التي تحكم مختلف المعارف والعلوم، على غرار ما جرى عام 1968، وهو شيء إن حدث سيمتد أثره إلى أوروبا، ومنها إلى العالم بأسره.
*****
نشر المقال بموقع الجزيرة نت