بعد 7 أكتوبر.. إسرائيل تعيد حسابات الدفاع حول غزة
بعد ثلاثة أعوام
- السيد التيجاني
- 7 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات, فلسطين
- أزمة التحصين, إسرائيل, الأقمار الصناعية, حسابات الدفاع, غزة
بعد ثلاثة أعوام من هجوم 7 أكتوبر 2023، لم تعد القواعد العسكرية الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة مجرد مواقع ثابتة لحماية الحدود، بل تحولت إلى ورش مفتوحة لإعادة بناء منظومة أمنية وعسكرية تعرضت لاختبار قاس خلال الساعات الأولى من الهجوم.
وتكشف مقارنة صور الأقمار الصناعية لمواقع عسكرية إسرائيلية قبل الهجوم وبعده عن تغييرات واسعة شملت هدم مبان، وإنشاء منشآت جديدة، وإقامة أسوار داخلية، وتوسيع بعض القواعد، فضلا عن ارتفاع ملحوظ في أعداد الآليات العسكرية. لكن التغيير الأهم لا يتعلق بشكل القواعد فقط، وإنما بالدرس الذي فرضه الهجوم على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: التحصينات والتكنولوجيا لا تكفي إذا انهارت الجاهزية والقيادة والإنذار المبكر.
ناحال عوز.. عنوان الانكشاف العسكري
كانت قاعدة ناحال عوز واحدة من أكثر المواقع التي كشفت حجم المفاجأة التي تعرض لها الجيش الإسرائيلي. فقد أظهرت التحقيقات أن القاعدة كانت في حالة استعداد منخفضة، وأن الحراسة لم تكن تتناسب مع طبيعة الموقع القريب من غزة، بينما كانت بعض الدبابات والأسلحة خارج وضع الجاهزية.
وتمكن المهاجمون من اقتحام القاعدة بعد تعطيل وسائل المراقبة وفتح مداخلها، في مشهد أظهر أن الخط الدفاعي الإسرائيلي لم يكن قادرا على الصمود أمام هجوم منظم ومتزامن.
وبعد ذلك، تغير شكل القاعدة بصورة كبيرة. فصور الأقمار الصناعية تظهر إزالة منشآت قديمة وبناء منشآت جديدة وإنشاء حواجز وأسوار داخلية تقسم الموقع، بما يعكس اتجاها نحو جعل القاعدة أكثر قدرة على الدفاع الذاتي ومنع سقوطها بالكامل في حال اختراق محيطها.
ويرى اللواء الإسرائيلي المتقاعد يعقوب عميدرور أن أحد الدروس الرئيسية التي خرجت بها إسرائيل من الحرب يتمثل في ضرورة زيادة حجم القوات القادرة على حماية الحدود، وعدم الاعتماد على التكنولوجيا وحدها في توفير الأمن.
فجة.. عندما لا تكفي القوة
تكشف قاعدة فجة جانبا آخر من الأزمة. فقد تعرض الموقع لهجوم واسع شارك فيه عشرات المهاجمين، وسقط خلال المعارك عدد كبير من الجنود، بينما خلص التحقيق العسكري إلى وجود نقص في المعدات والاستعداد والبنية التحتية المناسبة للدفاع.
وهنا تظهر المفارقة؛ فإسرائيل تمتلك تفوقا كبيرا في القوة النارية والاستخباراتية، لكنها في 7 أكتوبر لم تستطع تحويل هذا التفوق إلى استجابة سريعة على الأرض.
وتظهر صور الأقمار الصناعية اللاحقة زيادة كبيرة في أعداد الآليات والأعمال الإنشائية داخل القاعدة، ما يشير إلى محاولة تحويل المواقع الحدودية من نقاط تمركز محدودة إلى عقد عسكرية قادرة على استيعاب قوات أكبر والتعامل مع هجمات مفاجئة.
ويرى خبراء عسكريون إسرائيليون أن توسيع القوات والتحصينات أصبح ضرورة بعد تجربة 7 أكتوبر، لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من أن زيادة القوة لا تعالج وحدها مشكلة سوء التقدير الاستخباري.
أوريم.. أزمة التقدير قبل أزمة التحصين
قاعدة أوريم، التي كانت أبعد من معظم المواقع المستهدفة عن قطاع غزة، تكشف أن المشكلة لم تكن محصورة في المواقع المتاخمة للسياج.
فبحسب التحقيقات الإسرائيلية، كانت إجراءات الدفاع في القاعدة معدة للتعامل مع تهديدات محدودة، ولم تكن مصممة لصد تسلل واسع ومنسق. كما أدى ضعف الاتصالات إلى تأخير فهم حجم الهجوم.
وتكشف صور الأقمار الصناعية اللاحقة عن زيادة في المنشآت والآليات العسكرية داخل الموقع.
لكن الخبير الاستراتيجي يعقوب عميدرور ذهب إلى ما هو أبعد من مسألة الاستعداد الميداني، حين اعتبر أن إسرائيل أخطأت في فهم طبيعة حماس وقدرتها على شن هجوم واسع، وهو ما يعني أن المشكلة بدأت في غرف التقدير قبل أن تصل إلى بوابات القواعد.
وهذا الرأي يتقاطع مع خلاصات تحقيقات إسرائيلية أشارت إلى وجود فجوة كبيرة بين التصورات الاستخبارية عن قدرات حماس وبين حقيقة استعدادها لتنفيذ هجوم واسع.
يفتاح وأميتاي.. الحدود تتحول إلى منظومة دفاعية
في منطقة يفتاح وزيكيم، واجهت إسرائيل هجوما بريا وبحريا متزامنا. ورغم نجاح القوات الإسرائيلية في منع السيطرة على الموقع، كشفت السنوات التالية عن توسع واضح في المنشآت العسكرية بالمنطقة.
أما قاعدة أميتاي، القريبة من معبر كرم أبو سالم، فقد شهدت هي الأخرى تغييرات كبيرة، بعدما أظهرت التحقيقات أن الدعم الجوي والتعزيزات البرية لم تصل بالسرعة الكافية، ما سمح للمهاجمين بالسيطرة على جزء من الموقع.
وتشير أعمال البناء الجديدة وزيادة الطرق والآليات إلى أن إسرائيل تتعامل مع هذه المواقع باعتبارها نقاطا دفاعية متقدمة وليست مجرد قواعد خلفية.
من «الحاجز الذكي» إلى الدفاع متعدد الطبقات
كان الاعتقاد السائد قبل 7 أكتوبر أن السياج الإلكتروني، والكاميرات، وأجهزة الاستشعار، والاستخبارات المتقدمة قادرة على احتواء التهديد القادم من غزة.
لكن الهجوم أظهر حدود هذه النظرية.
فوفقا لتحليلات عسكرية إسرائيلية، لم يكن الفشل مجرد عجز عن اكتشاف الهجوم في الوقت المناسب، بل كان نتيجة تراكم أخطاء في فهم نيات حماس، وتوزيع القوات، والاستعداد العملياتي، والقيادة والسيطرة.
ومن هنا يبدو أن إسرائيل تتجه إلى نموذج مختلف يقوم على دفاع متعدد الطبقات: تحصينات أقوى، قوات أكثر، قواعد أوسع، وسائل مراقبة إضافية، وقدرة أسرع على نقل التعزيزات.
ردود الفعل.. المعركة على المسؤولية مستمرة
لم تنته تداعيات 7 أكتوبر داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بانتهاء المعارك الأولى، بل تحولت إلى قضية سياسية ومجتمعية تتعلق بالمسؤولية والمحاسبة.
وتطالب عائلات الضحايا بإجابات عن سبب انهيار منظومة الدفاع، بينما يواجه الجيش والحكومة انتقادات متواصلة بشأن أسباب عدم الاستعداد للهجوم.
وفي المقابل، يدافع مسؤولون إسرائيليون عن التحولات العسكرية باعتبارها دليلا على استخلاص الدروس، ويرون أن الجيش أعاد بناء قدراته على الحدود بما يقلل احتمالات تكرار السيناريو نفسه.
لكن منتقدين داخل إسرائيل وخارجها يرون أن إعادة بناء القواعد لا تكفي إذا لم يصاحبها تغيير في طريقة اتخاذ القرار وقراءة المعلومات الاستخبارية.
ماذا يعني ذلك مستقبلا؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الحدود مع غزة ستبقى أكثر عسكرة وتحصينا من أي وقت مضى. ومن المتوقع أن تستمر إسرائيل في زيادة القوات والمنشآت الدفاعية وتطوير وسائل الإنذار المبكر، مع تقليل اعتمادها على فكرة أن التكنولوجيا وحدها تستطيع منع المفاجآت.
غير أن السؤال الأكبر سيظل سياسيا واستخباريا وليس هندسيا: هل تغيرت فعلا طريقة إسرائيل في فهم التهديدات القادمة من غزة؟
فإذا اقتصر الدرس على بناء أسوار أكثر قوة وقواعد أكبر، فقد تتم معالجة نقاط الضعف التكتيكية، لكن خطر المفاجأة الاستراتيجية سيبقى قائما. أما إذا شمل التغيير العقيدة الاستخبارية وآليات القيادة والانتشار وسرعة الاستجابة، فإن ما حدث بعد 7 أكتوبر سيكون تحولا عميقا في منظومة الأمن الإسرائيلية.
وبذلك تكشف صور الأقمار الصناعية أكثر من مجرد مبان جديدة أو آليات إضافية؛ إنها توثق انتقال إسرائيل من منظومة دفاع كانت تراهن على الردع والمراقبة إلى منظومة تحاول الاستعداد لأسوأ سيناريو ممكن، بعدما أثبت 7 أكتوبر أن أكثر الحدود تحصينا يمكن أن تنهار عندما تجتمع الثغرات الاستخبارية مع ضعف الاستعداد وسوء تقدير الخصم.