انتصارات الجيش الإثيوبي والفيتو الأمريكي .. هل يعرقلان اشتعال الحرب بين أديس أبابا وأسمرة ؟

بعد سيطرة قوات أبي أحمد علي عاصمة إقليم تيجراي

الرائد ..لا تبدو سيطرة القوات الحكومية الإثيوبية على ميكيلي، عاصمة إقليم تيجراي، نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا. فاستعادة المدينة تمثل ضربة عسكرية وسياسية كبيرة لجبهة تحرير شعب تيجراي وحلفائها، لكنها لا تعني بالضرورة انهيار التحالف المناهض لرئيس الوزراء آبي أحمد، ولا تضمن عودة الاستقرار إلى شمال إثيوبيا.بل إن التطورات الأخيرة تضع البلاد أمام سؤال أكبر: هل تنتهي المواجهة باستعادة ميكيلي، أم تتحول إلى حرب متعددة الجبهات تمتد إلى إريتريا والسودان؟

وجاءت السيطرة على ميكيلي، الأحد 4 أكتوبر، بعد تقدم سريع للقوات الفيدرالية وقوات متحالفة معها، عقب أكثر من أسبوع من المعارك التي اندلعت في تيجراي. وأقرت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي بانسحابها من المدينة، معلنة نقل إدارة الإقليم مؤقتًا إلى مكان آخر. ووصفت مصادر دولية التطور بأنه أكبر انتكاسة عسكرية للجبهة منذ تجدد القتال.

نهاية  تحالف الفصائل السبعة

رغم أهمية سقوط ميكيلي، فإن الإجابة الأقرب هي: لا فالتحالف الذي تشكل في سبتمبر ويضم سبع جماعات مسلحة، من بينها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وفصائل من حركة فانو الأمهرية وقوى مسلحة من مناطق أخرى، لم يكن مجرد تحالف عسكري يتركز وجوده في مدينة واحدة. هدفه المعلن هو إزاحة حكومة آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية، فيما تختلف دوافع ومطالب أعضائه باختلاف مناطقهم وتاريخهم السياسي.

وهنا تكمن المفارقة: فالجبهة الشعبية لتحرير تيجراي خسرت عاصمتها، لكنها ليست الفصيل الوحيد في التحالف. وما زالت جماعات مسلحة تنشط في مناطق أخرى من البلاد، الأمر الذي يجعل السيطرة على ميكيلي انتصارًا مهمًا للحكومة، لكنه لا يساوي بالضرورة نهاية التمرد.

بل إن فقدان المدينة قد يدفع الجبهة إلى تغيير تكتيكاتها، من الدفاع عن المدن والمطارات إلى حرب استنزاف وحرب عصابات، خصوصًا أن قيادة الجبهة أكدت استعدادها للرد. كما أن تجارب الحرب السابقة تظهر أن السيطرة على ميكيلي لا تضمن حسم الصراع؛ فقد استولت القوات الفيدرالية على المدينة في الحرب السابقة عام 2020، قبل أن تستعيدها قوات تيغراي بعد أشهر.

أزمة إثيوبية متعددة الجبهات

ومن المؤكد أن المشهد الحالي أخطر من مجرد مواجهة بين أديس أبابا وتيجراي. فالقتال امتد إلى مناطق أمهرا وعفر، وظهرت جبهات جديدة ومناطق متنازع عليها، فيما تعرضت البنية الأساسية والاتصالات في أجزاء من الشمال لاضطرابات.

وهذا يعني أن الحكومة الإثيوبية أمام معادلة صعبة: كلما حققت تقدمًا في تيجراي، قد تضطر إلى توزيع قواتها ومواردها على جبهات أخرى. ولذلك فإن السؤال الحقيقي بعد سقوط ميكيلي ليس فقط: من يسيطر على العاصمة؟ وإنما: هل تستطيع الحكومة الحفاظ على السيطرة على الإقليم ومنع عودة التمرد،فالسيطرة العسكرية شيء، وإدارة الإقليم واحتواء الغضب السياسي والعرقي شيء آخر.

إريتريا.. الحلقة الأخطر

ومن المهم الإشارة هنا  إلي أن الملف الأكثر إثارة للقلق أن الانتصار الحكومي في تيجراي جاء بالتزامن مع انهيار العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا.

فالبلدان قطعا العلاقات الدبلوماسية مؤخرًا، بعد سنوات من التوتر المتزايد. وتتهم أديس أبابا إريتريا بدعم القوى المناهضة للحكومة، بينما تنفي أسمرا مشاركتها في الحرب. وفي المقابل، تتهم إريتريا إثيوبيا بانتهاج سياسات عدائية تجاهها وبالسعي إلى الوصول إلى الساحل الإريتري.

فالمفارقة  أن إريتريا كانت حليفًا عسكريًا لإثيوبيا خلال حرب تيجراي الأولى بين 2020 و2022، قبل أن تنقلب العلاقة بين الطرفين بصورة حادة. ومع عودة القتال إلى تيغراي، أصبحت الحدود الإثيوبية ـ الإريترية واحدة من أكثر نقاط الاشتعال حساسية في القرن الأفريقي.

وتزداد المخاوف بسبب قضية ميناء عصب، إذ ترى أديس أبابا أن الحصول على منفذ بحري مسألة استراتيجية، بينما تنظر إريتريا إلى أي تحرك إثيوبي باتجاه أراضيها أو موانئها باعتباره تهديدًا مباشرًا.

لذا فمن البديهي القول أن احتمال الحرب الإثيوبية ـ الإريترية لا يمكن استبعاده، لكنه ليس نتيجة حتمية للمعارك الحالية.

فالخيار العسكري سيكون عالي التكلفة بالنسبة للطرفين، وقد يؤدي إلى فتح جبهة جديدة في وقت تواجه فيه إثيوبيا اضطرابات داخلية، بينما تعاني المنطقة بأكملها من أزمات متشابكة في السودان والصومال والبحر الأحمر.

كما أن أي مواجهة مباشرة قد تخرج سريعًا عن نطاق الحدود الإثيوبية ـ الإريترية، خصوصًا مع وجود اتهامات متبادلة بشأن دعم أطراف داخل إثيوبيا. وقد حذرت مراكز بحثية من أن الحرب الجديدة في تيغراي تحمل مخاطر انتقال الصراع إلى إريتريا والسودان.

فيتو أمريكي؟

وفي هذا السياق يبرزالحديث عن “فيتو أمريكي” بالمعنى الحرفي يحتاج إلى قدر من الدقة؛ فالولايات المتحدة لا تملك آلية قانونية تمنع إثيوبيا وإريتريا من خوض حرب ثنائية بمجرد إصدار قرار أمريكي.

لكن واشنطن تملك أدوات ضغط سياسية ودبلوماسية واقتصادية يمكن أن تجعل تكلفة الحرب أعلى، كما يمكن للتحرك الأمريكي، بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي والقوى الدولية، أن يضغط باتجاه احتواء التصعيد.

والأهم أن الحرب الجديدة لن تجري في فراغ دولي. فالقرن الأفريقي يقع على خطوط تجارة وممرات بحرية شديدة الحساسية، وأي مواجهة واسعة قد تؤثر في البحر الأحمر وباب المندب وحركة التجارة الدولية، فضلًا عن احتمال خلق موجات نزوح جديدة.

الانتصار.. أم بداية مرحلة أخطر؟

لذا فإن سقوط ميكيلي يمنح آبي أحمد مكسبًا عسكريًا وسياسيًا كبيرًا، لكنه لا يحسم الصراع الإثيوبي. فالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي فقدت مركزها الرئيسي، لكن التحالف المسلح الذي انضمت إليه لا يزال قائمًا، فيما تستمر عوامل التوتر في أمهرا وأوروميا وعفر وغيرها.

ومن ثم، فإن انتصار الجيش الإثيوبي في ميكيلي قد يكون نهاية لمرحلة من الحرب، لكنه ليس بالضرورة نهاية للحرب نفسها.

ومن ثم فإن الاختبار الحقيقي أمام آبي أحمد يبدأ الآن: هل يستطيع تحويل السيطرة العسكرية إلى تسوية سياسية؟ أم أن سقوط ميكيلي سيدفع خصومه إلى الانتقال من معركة المدن إلى حرب استنزاف طويلة؟

أما أخطر سيناريو فيبقى أن تتقاطع الحرب الداخلية مع التوتر الإثيوبي ـ الإريتري، لتتحول أزمة تيغراي من صراع إثيوبي داخلي إلى أزمة إقليمية تهدد استقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر بأكمله.

اترك تعليقا