تحقيق يكشف الوجه الآخر لمفاوضات الشرق الأوسط

كوشنر وظلال المصالح المتشابكة

سلّط تحقيق استقصائي طويل نشرته شبكة “CNN” الضوء على الدور المتنامي لجارد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ملفات الشرق الأوسط الساخنة، وتحديداً ملفات غزة، إيران، وحتى المسار الروسي-الأوكراني. لا تقتصر أهمية التحقيق على كون كوشنر رجل أعمال يجمع بين المصالح التجارية والتدخل السياسي فحسب، بل تكشف القصة عن تشابك معقد يجمع بين ثلاث دوائر رئيسية: حرب غزة، شركات السلاح الإسرائيلية، ودور كوشنر كمفاوض غير رسمي باسم الإدارة الأمريكية.

 إمبراطورية “أفينيتي” وتغلغل رأس المال في إسرائيل
بعد انتهاء الولاية الأولى لترامب، أسس كوشنر شركة استثمارية خاصة باسم “أفينيتي بارتنرز” (Affinity Partners)، والتي نجحت في جذب استثمارات بالمليارات من المنطقة. وفي خطوة استراتيجية، دخل كوشنر السوق الإسرائيلي بقوة؛ ففي عام 2023، استحوذت “أفينيتي” على حصة في شركة إسرائيلية، تلاها في عام 2024 الاستحواذ على حوالي 5% من مجموعة “فينيكس المالية” (Phoenix Financial)، إحدى أكبر التكتلات المالية في إسرائيل والتي تعمل في مجالات التأمين، المعاشات، وإدارة الأصول.

الأمر الأكثر لفتاً للانتباه هو التوقيت؛ فقبل أيام قليلة من عودة ترامب المرتقبة إلى البيت الأبيض، ضاعفت شركة كوشنر حصتها تقريباً، لتصبح أكبر مساهم في “فينيكس”. وحتى هذه النقطة، قد يبدو الأمر مجرد استثمار مالي تقليدي، إلا أن تتبع سجلات الإفصاح المالي كشف عن ما هو أبعد من ذلك.

شركات السلاح والارتباط المباشر بالصناعات العسكرية
كشفت متابعة استثمارات “فينيكس” أن المجموعة تمتلك مئات الملايين من الدولارات في شركات ترتبط بشكل مباشر بالجيش الإسرائيلي والصناعات العسكرية. يبرز هنا اسم شركة “إلبيت سيستمز” (Elbit Systems)، أكبر شركة أسلحة إسرائيلية، والتي تستثمر فيها “فينيكس” ما لا يقل عن 265 مليون دولار.

وقد حصلت “إلبيت” خلال الحرب على عقود ضخمة من وزارة الدفاع الإسرائيلية، شملت ذخائر جوية متقدمة، وقذائف مدفعية عيار 155 ملم، وبرامج تطوير الدبابات. ونتيجة لذلك، ارتفع سهم الشركة بأكثر من 165% منذ بداية حرب غزة، وسط إقرار من الشركة بزيادة الطلب مقارنة بفترة ما قبل الحرب.

ولم يقتصر الأمر على “إلبيت” فحسب؛ بل أشار التحقيق إلى استثمارات لـ”فينيكس” في 8 شركات أخرى على الأقل توفر معدات للجيش الإسرائيلي، تتراوح بين كاميرات الطائرات المسيّرة، وصواعق إلكترونية لقذائف المدفعية، وأجزاء للمدرعات، وسفن هجومية. وقد ذكرت بعض هذه الشركات في تقاريرها أن الحرب كان لها تأثير إيجابي على أعمالها وزادت الطلب على منتجاتها.

العودة إلى الدبلوماسية: من ظلال البيت الأبيض إلى قلب الأزمة
تزامن هذا النشاط الاستثماري مع عودة كوشنر القوية إلى المشهد السياسي. فمنذ ربيع عام 2025، بات كوشنر أحد أبرز المحاورين لترامب في شؤون الشرق الأوسط، وبدأ في السفر والتفاوض مع قادة المنطقة، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو.

وقد روى كوشنر لاحقاً أن تدخله بدأ بشكل هادئ لمساعدة المبعوث ستيف ويتكوف، لكن مع تصاعد الأزمة، طلب منه ترامب وويتكوف الانخراط بشكل أعمق. وفي سبتمبر 2025، حضر كوشنر اتصالاً بين نتنياهو ورئيس الوزراء القطري في البيت الأبيض، تلاه اجتماع مع الوفد الإسرائيلي لمناقشة إطار وقف إطلاق النار. وبحلول أكتوبر 2025، أرسله ترامب إلى شرم الشيخ للمشاركة في إتمام الاتفاق، ليظهر لاحقاً في تل أبيب محتفلاً بالنجاح الدبلوماسي.

ولم يتوقف دور كوشنر عند وقف النار فحسب، بل امتد إلى ملف “اليوم التالي”؛ حيث عرض في دافوس تصوراً لإعادة إعمار غزة يتضمن منطقة سياحية ساحلية، وأبراجاً سكنية، ومطاراً جديداً، وفرصاً استثمارية ضخمة للقطاع الخاص.

معضلة تعارض المصالح: التفاوض على الحرب والاستثمار في أدواتها
هنا يطرح تحقيق “CNN” سؤاله الجوهري والأخلاقي: ماذا يحدث عندما يكون الشخص المشارك في التفاوض لإنهاء الحرب أو إدارتها، هو في الوقت ذاته أكبر مساهم في مؤسسة مالية تستثمر في شركات تستفيد اقتصادياً من استمرار الطلب العسكري؟

الفجوة القانونية: مستشار “غير رسمي” بلا قيود الإفصاح
في رده على الانتقادات، نفى محامي كوشنر أي دور لموكله في قرارات “فينيكس” الخاصة بالاستثمار في الشركات العسكرية التسع، مؤكداً أن كوشنر لم يشارك في قرارات الشراء أو البيع، ولم يكن قط عضواً في مجلس الإدارة.

ومع ذلك، اعترف كوشنر في مقابلات سابقة بوجود “حوار نشط جداً” مع إدارة “فينيكس”، وأنه كان يلتقي بقيادات الشركة كل بضعة أسابيع لمناقشة الفرص الاستراتيجية. ورغم تأكيد محاميه أن هذا التواصل قل بعد انخراط كوشنر الدبلوماسي، إلا أن النقطة الجوهرية تكمن في الوضع القانوني لكوشنر.

فبخلاف ولايته الأولى، حيث كان مستشاراً رسمياً يخضع لقواعد إفصاح صارمة، يعمل كوشنر حالياً كمبعوث “متطوع” وغير رسمي. وهذا يعني، بحسب التحقيق، أنه غير ملزم بنفس درجة الإفصاح المالي المطلوبة من المسؤول الحكومي الرسمي. وبالتالي، ينتقد المراقبون وجود شخص يجمع بين التأثير السياسي المباشر والوصول للرئيس، ومصالح مالية ضخمة في نفس المنطقة التي يفاوض فيها، دون رقابة قانونية كافية.

حصاد مالي ضخم في زمن الأزمات
يُغلق التحقيق على جانب مالي لا يمكن تجاهله؛ حيث حقق استثمار “أفينيتي” في “فينيكس” أرباحاً طائلة. ففي يوليو، باعت شركة كوشنر ربع حصتها بأكثر من 340 مليون دولار، بعائد تجاوز خمسة أضعاف قيمة الشراء الأصلية. ومع الاحتفاظ بحصة 7.4% (التي تتجاوز قيمتها مليار دولار)، يبقى كوشنر أكبر مساهم في المجموعة.

وهكذا، وفي الوقت الذي كان كوشنر يتنقل بين عواصم المنطقة للتفاوض على ملفات الحرب والسلام وإعادة الإعمار، كانت استثماراته في واحدة من أكبر المؤسسات المالية الإسرائيلية تحقق له أرباحاً ضخمة، مما يثير تساؤلات جدية حول حدود الفصل بين المصالح الخاصة والمهام العامة في أعلى مستويات صناعة القرار.

اعداد محمد شهود

اترك تعليقا