320 مليون دولار تكشف لماذا تحتاج واشنطن إلى خدمات مصر

ماجدة القاضي

في الرابع من سبتمبر، وقّع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مذكرة تسمح بتجاوز الشروط الحقوقية المرتبطة بـ320 مليون دولار من التمويل العسكري المخصص لمصر عن السنة المالية 2025.
لكن أهمية القرار لا تكمن في الرقم الصغير نسبيا بقدر ما تكمن في تبريره .
روبيو قال إن استخدام سلطة الإعفاء ضروري للعلاقة الأمريكية–المصرية ولأولويات الأمن القومي الأمريكي، وأشار تحديدًا إلى «الدور المفيد لمصر عقب عملية الغضب الملحمي»، الاسم الذي أطلقته واشنطن على حربها ضد إيران.
المذكرة لا تشرح ماهية هذا الدورالمفيد ، ولا تحدد مهمة عسكرية أو اتفاقًا أمنيًا أو خدمة بعينها قدمتها القاهرة أثناء الحرب. ومن ثم لا يمكن القفز منها إلى استنتاج وجود صفقة أو دور سري محدد.
لكن العبارة تكشف شيئًا آخر: في لحظة إقليمية حرجة، رأت واشنطن أن استمرار العلاقة الأمنية مع مصر يخدم أمنها القومي بما يكفي لتجاوز شروط حقوقية فرضها الكونغرس.
وهنا يصبح السؤال أكبر من الـ320 مليون دولار:
ماذا تشتري الولايات المتحدة فعلًا بأموالها العسكرية لمصر؟
تحصل مصر منذ عقود على نحو 1.3 مليار دولار سنويًا من التمويل العسكري الأمريكي، ارتفعت في موازنة 2026 إلى 1.375 مليار دولار. وهذه الأموال لا تدخل الخزانة المصرية كتمويل حر، بل تذهب أساسًا إلى شراء أنظمة وخدمات دفاعية أمريكية، بما يرسخ علاقة طويلة الأمد من التسليح والتدريب والصيانة وقطع الغيار والتشغيل المشترك.
لكن السلاح ليس كل القصة.
واشنطن لا تمول الجغرافيا المصرية؛ الجغرافيا موجودة وحاضرة وفاعله سواء دفعت أم لم تدفع .
ما تموله هو سهولة الوصول إلى مزايا هذه الجغرافيا عندما تحتاج إليها.
المعونة لا تشتري قناة السويس، ولا تمنح الولايات المتحدة حقًا تلقائيًا في استخدامها. لكنها تدخل ضمن علاقة عسكرية وسياسية ممتدة تجعل واشنطن، عند وقوع أزمة، لا تبدأ التنسيق من نقطة الصفر.
وفي شهادة أمام الكونغرس في يونيو 2025، قالت مسؤولة في وزارة الدفاع الأمريكية إن مصر تؤدي «دورًا متكاملًا» في تسهيل حركة القوات الأمريكية داخل مسرح العمليات، بما في ذلك تسريع المرور عبر قناة السويس، وإن البنتاغون يريد دورًا مصريًا أكبر في تقاسم الأعباء، خصوصًا في غزة والبحر الأحمر.
وقبل حرب إيران بأيام، أعاد تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس التأكيد على أن تسهيل مصر الحركة العسكرية عبر السويس يمنح واشنطن ميزة مهمة عندما تحتاج إلى نقل أصول بسرعة بين المتوسط والخليج والمحيط الهندي.
أي أن القيمة ليست في القناة وحدها، بل في أن تكون متاحة سياسيًا وعسكريًا ولوجستيًا وقت الأزمة.
وتكتسب هذه الفكرة وزنًا أكبر في ضوء تقرير المفتش العام الأمريكي عن عملية «الغضب الملحمي»، الصادر في سبتمبر. فقد قالت القيادة المركزية الأمريكية إن واشنطن بنت قبل الحرب «شبكة من الوصول عبر الشركاء»، إلى جانب شبكات للدفاع الجوي، وإن هذه البنية وضعت الأساس للعمليات القتالية الكبرى.
التقرير لا يسمّي مصر ضمن الدول التي قدمت قواعد أو تصاريح للتحليق، ولا يربط هذه التسهيلات بقناة السويس، ولذلك لا يصلح دليلًا نقدمه على مشاركة مصر في تنفيذ الضربات.
لكنه يثبت أن «الوصول عبر الشركاء» ليس تفصيلًا لوجستيًا في التفكير العسكري الأمريكي، بل جزء من القدرة على خوض حرب إقليمية واسعة.
ومن هنا يمكن قراءة قرار روبيو باعتباره اختبارًا عمليًا لترتيب الأولويات الأمريكية.
فالولايات المتحدة لم تقل إن مصر استوفت الشروط الحقوقية التي وضعها الكونغرس؛ بل استخدمت الباب القانوني الذي يسمح بتجاوزها عندما تصبح المصلحة الأمنية الأمريكية أكثر إلحاحًا.
وفي هذه اللحظة يظهر الحد الفاصل بين خطاب القيم ومنطق الدولة: حقوق الإنسان تظل شرطًا ما دام تطبيقه لا يصطدم بأولوية أمنية أعلى وينفذ لواشنطن في لحظة معينه أسلوب للتعبير عن الرضا الأمريكي مقابل الخدمات المقدمة .
الـ320 مليون دولار إذن لا تكشف ماذا فعلت مصر تحديدًا خلال الحرب، لكنها تكشف كيف قيّمت واشنطن علاقتها بالقاهرة بعد اختبار إقليمي كبير.
فالصيغة القديمة للمعونة — السلام المصري الإسرائيلي والعلاقة بين الجيشين — لم تعد وحدها كافية لتفسير قيمتها. أضيفت إليها وظائف أكثر إلحاحًا: السويس، البحر الأحمر، غزة، حرية الملاحة، الحركة العسكرية الأمريكية، وتقاسم جزء أكبر من الأعباء الأمنية مع الشركاء.
ولهذا فإن المعنى الأعمق للتمويل العسكري الأمريكي لمصر قد يكون أقل ارتباطًا بما تمنحه واشنطن للقاهرة، وأكثر ارتباطًا بما لا تريد أن تفقده هي.
المعونة لا تشتري قناة السويس.
إنها تساعد واشنطن على الحفاظ على علاقة تجعل القناة، والجيش المحيط بها، وشبكات الاتصال والتنسيق المرتبطة بهما، جاهزة للتفعيل عندما تقع الأزمة.
وهذا ربما هو ما تكشفه الـ320 مليون دولار أكثر من أي شيء آخر.

اترك تعليقا