واقع ضاغط ومستقبل مجهول.. أين يتجه المسلمون في الهند؟

بيانات ديموغرافية مصنفة على أساس الدين

أعاد طلب لجنة حكومية هندية لجمع بيانات ديموغرافية مصنفة على أساس الدين فتح نقاش واسع حول حدود استخدام البيانات السكانية، بعدما حذر النائب المسلم أسد الدين أويسي من إمكانية توظيف هذه المعلومات ضد المسلمين، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن اللجنة مكلفة بدراسة التحولات السكانية المرتبطة بالهجرة غير النظامية وغيرها من العوامل، ووضع توصيات تتعلق بالأمن والإدارة والسياسات العامة.

لجنة مرتبطة بوزارة الداخلية

شكّلت وزارة الداخلية الهندية في 26 مايو/أيار 2026 اللجنة العليا للتغيرات الديموغرافية برئاسة القاضي المتقاعد من المحكمة العليا براكاش برابهاكار ناوليكار، وتضم في عضويتها مفوض التعداد السكاني، والمسؤول الإداري المتقاعد دورغا شانكار ميشرا، والمسؤول الشرطي المتقاعد بالاجي سريفاستافا، والخبيرة الاقتصادية شامِيكا رافي.

ومن المقرر أن تقدم اللجنة تقريرها خلال عام، مع إمكانية تمديد عملها ستة أشهر.

وتقول الحكومة إن مهمة اللجنة تتمثل في دراسة التحولات السكانية الناتجة عن الهجرة غير القانونية وما تصفه بـ”الأسباب غير الطبيعية”، وتحليل أسبابها وآثارها، ثم اقتراح إجراءات قانونية وإدارية وسياساتية.

كما تتضمن اختصاصاتها دراسة التغيرات داخل المجموعات الدينية والاجتماعية، وتعزيز أنظمة مراقبة السكان وإدارة الحدود وآليات تحديد المهاجرين غير النظاميين.

وفي يوليو/تموز، أبلغت اللجنة وزير الداخلية أميت شاه بأنها أعدت استبياناً مفصلاً للولايات والأقاليم الاتحادية، تمهيداً لزيارات ميدانية وجمع معلومات مباشرة من السلطات المحلية.

بيانات تتجاوز التعداد السكاني

بدأ الجدل الحالي بعدما أفادت تقارير هندية بأن اللجنة طلبت من الولايات بيانات تمتد إلى 15 عاماً، تشمل تسجيلات المواليد، والالتحاق بالمدارس، وتسجيل المركبات، ومعاملات الملكية، إضافة إلى بيانات الناخبين وبطاقات الهوية الوطنية “آدهار” وبطاقات التموين.

وطلبت اللجنة كذلك بيانات على مستوى المقاطعات بشأن المنشآت الدينية، ورصد الزيادات غير المعتادة في بعض أنواع التسجيلات، فضلاً عن تقارير استخباراتية ولجان رسمية حول التحولات الدينية داخل بعض مجتمعات القبائل المدرجة، ومعلومات عن مراكز الاحتجاز العاملة.

وتكمن إحدى المشكلات العملية في أن عدداً من حكومات الولايات لا يحتفظ أصلاً بهذه البيانات مصنفة حسب الدين، ما يجعل تجميع معلومات تعود إلى 15 عاماً مهمة معقدة.

وأفادت تقارير بأن الإدارات الحكومية تسجل كثيراً من هذه المعاملات من دون تحديد ديانة صاحبها، الأمر الذي قد يجعل مقارنة البيانات بين الولايات والمناطق والفترات الزمنية أمراً يحتاج إلى منهجية دقيقة.

ويرى عالم السكان الهندي ب. إم. كولكارني أن التعداد ونظام تسجيل المواليد والوفيات والمسوح الديموغرافية تمثل مصادر أساسية لدراسة التحول السكاني، مع وجود حدود معروفة في كل مصدر.

أويسي يرفع سقف التحذيرات

لكن النائب أسد الدين أويسي، رئيس مجلس اتحاد المسلمين، ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، إذ قال إن الحكومة تجاهلت في السابق مطالب بجمع بيانات عن الأوضاع التعليمية والاجتماعية والاقتصادية للمسلمين، بينما تطلب اللجنة الحالية بيانات عن المركبات والملكية وغيرها مصنفة حسب الدين.

وقال أويسي إن أجندة اللجنة، من وجهة نظره، لا تتمثل في صياغة سياسات أفضل تستند إلى البيانات، وإنما في استخدام الأرقام بطريقة يمكن أن تؤدي إلى استهداف المسلمين وتقويض ما تبقى من حقوقهم.

وتحمل تصريحات أويسي موقفاً سياسياً واضحاً من عمل اللجنة، في حين لم تقدم وزارة الداخلية، وفق المعطيات المتاحة، رداً مباشراً على اتهاماته المتعلقة بإمكان استخدام البيانات لاستهداف المسلمين.

وانضم الأمين العام لحزب المؤتمر للشؤون الإعلامية جيرام راميش إلى الانتقادات، وربط بين طبيعة البيانات المطلوبة وما اعتبره مؤشرات على وجود أجندة تتجاوز دراسة التحولات السكانية.

ويتركز الخلاف هنا على الغرض النهائي من جمع البيانات، وليس فقط على وجود البيانات نفسها.

بين حق الدولة في المعرفة ومخاطر التصنيف

الهند لديها تاريخ طويل في نشر إحصاءات سكانية حسب الديانة، كما أن التعداد السكاني يتضمن بيانات عن الانتماء الديني للسكان.

وتكمن حساسية القضية الحالية في اتساع نطاق المعلومات المطلوبة وربط الدين ببيانات مثل الملكية والمركبات والتعليم وبطاقات الهوية والتسجيلات الانتخابية.

وهذا يطرح سؤالاً أساسياً حول كيفية استخدام هذه المعلومات: هل ستوظف لفهم الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للمجموعات المختلفة وتحسين الخدمات، أم ستستخدم لرصد أنماط سكانية يمكن أن تتحول لاحقاً إلى أساس لإجراءات أمنية أو إدارية؟

ويرى الخبير الاقتصادي والديموغرافي أبو صالح شريف، الذي كان من أبرز الخبراء المشاركين في إعداد قاعدة البيانات التي استند إليها تقرير لجنة ساشر حول أوضاع المسلمين، أن البيانات المصنفة دينياً يمكن أن تكون أداة مهمة لفهم الفوارق الاجتماعية والاقتصادية إذا جرى جمعها وتحليلها بصورة علمية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن تجربة لجنة ساشر أظهرت كيف يمكن للبيانات التفصيلية أن تكشف فجوات في التعليم والعمل والدخل والخدمات داخل قطاعات مختلفة من المجتمع المسلم.

لكن أهمية البيانات لا تعني بالضرورة أن طريقة جمعها أو تفسيرها ستكون محل اتفاق، إذ يمكن للمؤشرات نفسها أن تقود إلى قراءات مختلفة تبعاً للمنهجية المستخدمة والأسئلة التي تسعى الدراسة إلى الإجابة عنها.

اختبار للشفافية والضمانات

يضع الجدل اللجنة أمام اختبار مزدوج؛ فمن جهة، يمكن للبيانات الزمنية والمكانية الدقيقة أن تساعد الدولة على فهم التحولات السكانية والهجرة وتوزيع الخدمات بصورة أفضل.

ومن جهة أخرى، فإن جمع بيانات دينية واسعة يتطلب معايير واضحة تحدد الغرض من جمعها، وكيفية التحقق منها، ومن يملك حق الوصول إليها، وما الضمانات التي تمنع استخدامها ضد أفراد أو جماعات بعينها.

كما أن الصعوبة التي تواجهها الولايات في توفير بيانات دينية تاريخية تثير مسألة جودة البيانات نفسها.

فإجبار الإدارات على إعادة بناء قواعد بيانات لم تكن تجمع أصلاً وفق هذا التصنيف قد ينتج أرقاماً غير متجانسة أو يصعب مقارنتها بين ولاية وأخرى.

ويرى خبراء في الديموغرافيا أن أي دراسة واسعة للتغيرات السكانية تحتاج إلى تعريف واضح للمؤشرات، ومصادر موثوقة، وآليات للتحقق، حتى لا تتحول الأرقام إلى استنتاجات تتجاوز ما تسمح به البيانات.

من الإحصاء إلى السياسة

تأتي هذه المواجهة في وقت تستعد فيه الهند لتعداد سكاني جديد، بينما لا تزال بيانات التعداد الديني الشاملة الأحدث على المستوى الوطني تعود إلى تعداد 2011.

وتتعامل الحكومة مع التغيرات السكانية باعتبارها قضية تتصل بالأمن وإدارة الحدود والخدمات، بينما ترى المعارضة وشخصيات من الأقلية المسلمة أن طريقة اختيار المؤشرات قد تؤثر في كيفية تفسير تلك التغيرات.

وبذلك لا تبدو معركة البيانات مجرد خلاف حول أرقام سكانية، بل نقاشاً أوسع حول وظيفة الإحصاء في دولة شديدة التنوع الديني.

فالرقم يمكن أن يصبح أساساً لتوجيه الموارد والخدمات عندما يوضع داخل إطار علمي واضح، لكنه قد يتحول إلى أداة للوصم إذا جرى انتزاعه من سياقه أو ربط الانتماء الديني تلقائياً بالهجرة أو الملكية أو النشاط الاقتصادي.

ما الذي ينتظر اللجنة؟

تبقى النتيجة النهائية رهناً بما ستتضمنه توصيات اللجنة، وبمدى كشف منهجيتها ومصادر بياناتها، والأهم بكيفية ترجمة النتائج إلى سياسات عامة.

وفي المقابل، ستظل المخاوف التي طرحها أويسي والمعارضة جزءاً من النقاش السياسي حول المشروع، في حين تؤكد الحكومة أن هدف اللجنة هو دراسة التغيرات الديموغرافية ووضع آليات للتعامل معها.

وبين هذين الموقفين، تتجه الأنظار إلى طبيعة التقرير النهائي: هل سيقتصر على توصيف التحولات السكانية وتقديم مقترحات إدارية، أم سيتوسع إلى توصيات تتعلق بالهجرة والهوية الدينية وإدارة السكان؟

ذلك هو الجانب الذي سيحدد إلى حد كبير طبيعة الجدل المقبل حول البيانات الديموغرافية في الهند.

اترك تعليقا