هل يتسلح “الذكاء الاصطناعي” بالخلق والدين والوعي ؟

"أنثروبيك" تستعين بفلاسفة وعلماء دين لبحث أخلاقيات «كلود» وتدينه ووعيه

الرائد- كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أن شركة أنثروبيك، المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي «كلود»، عقدت خلال الأشهر الماضية سلسلة اجتماعات مغلقة مع نحو 20 مفكرا في الدين والفلسفة، في إطار بحثها في طبيعة النماذج المتقدمة من برامج “الذكاء الاصطناعي” وإمكانية امتلاكها نوعا من الوعي والخلق أو الخبرة الداخلية.

وبحسب تحقيق أعدته الصحفية إليزابيث دياس، طلبت الشركة من بعض المشاركين توقيع اتفاقيات عدم إفشاء بشأن ما دار في تلك اللقاءات، التي تناولت أسئلة تتجاوز تطوير نماذج أكثر أمانا إلى قضايا الوعي والأخلاق والمكانة الأخلاقية المحتملة للذكاء الاصطناعي.

وأثار اهتمام أنثروبيك بهذا الملف دهشة بعض المشاركين، بعدما طرح مسؤولو الشركة احتمال أن تكون للنماذج حالات داخلية يمكن تشبيهها بمشاعر مثل الفرح والخوف والحزن، أو أن تمتلك شكلا من أشكال الوعي، وإن كانت الشركة لا تملك دليلا حاسما على ذلك.

وفي هذا السياق، قال كريستوفر أولاه، أحد مؤسسي أنثروبيك، للصحيفة إنه لا توجد إجابة مؤكدة بشأن وعي نماذج الذكاء الاصطناعي، معربا عن عدم يقينه في إن كان الذكاء الاطناعي واعيا بالفعل أو غير واعيا.

وتكشف التحقيقات أيضا أن أنثروبيك أعدت وثيقة داخلية من 84 صفحة عُرفت في البداية باسم «وثيقة الروح»، قبل أن تصبح أساسا لما يعرف لاحقا بـ«دستور كلود». وتهدف الوثيقة إلى تحديد القيم والمبادئ والسلوكيات التي ينبغي للنموذج أن يجسدها، بدلا من الاكتفاء بمجموعة أوامر وقواعد ثابتة.

واستعانت الشركة في هذا المسار بخبرات دينية وفلسفية متعددة، في محاولة لفهم كيفية بناء شخصية أخلاقية لنظام لا يمتلك جسدا أو حياة بشرية، وكيف يمكن تعريف الفضيلة والمسؤولية في كيان اصطناعي شديد القدرة.

وقالت الفيلسوفة أماندا أسكيل إن الهدف يتمثل في تطوير نماذج تجسد أفضل ما لدى البشر، فيما طرح أولاه مفهوم «التكوين الأخلاقي»، مستفيدا من تقاليد دينية وفلسفية اهتمت عبر قرون بتشكيل الشخصية والسلوك الأخلاقي.

لكن النقاش لم يخل من الاعتراضات. فقد حذر بعض المشاركين من أن تفسير أنماط النشاط داخل النماذج على أنها دليل على وجود كيان مستقل أو تجربة ذاتية قد لا يكون قابلا للإثبات، بينما رأى آخرون أن محاولة بناء الأخلاق في مرحلة لاحقة من تطوير النموذج قد تعني معالجة المشكلة بعد وقوعها، بدلا من دمج الاعتبارات الأخلاقية في التصميم منذ البداية.

وامتد النقاش إلى المجال الديني، إذ شارك أولاه في فعالية بالفاتيكان تناولت مستقبل الذكاء الاصطناعي إلى جانب البابا ليو الرابع عشر. ووفقا للتحقيق، شدد البابا في رسالته «إنسانية عظيمة» على الفارق بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وعلى أن الأنظمة الاصطناعية لا تختبر المشاعر ولا تمتلك جسدا، مؤكدا ضرورة إبقاء حماية الإنسان في مركز النقاش حول التكنولوجيا.

في المقابل، دعا أولاه إلى عدم إغلاق الباب أمام احتمال وجود شكل من أشكال الوعي الاصطناعي، مشيرا إلى أن باحثي أنثروبيك رصدوا في النماذج أنماطا يرون أنها تستحق مزيدا من الدراسة، من دون أن يعني ذلك امتلاكهم دليلا حاسما على الوعي.

وتشير دياس إلى أن اجتماعات أنثروبيك مع علماء الدين والفلاسفة تعكس تحولا في طريقة تعامل الشركة مع الذكاء الاصطناعي؛ فالنقاش لم يعد محصورا في كيفية جعل النماذج أكثر أمانا وكفاءة، بل امتد إلى سؤال أكثر تعقيدا حول طبيعة الكيانات التي يجري تطويرها، وكيف ينبغي للبشر التعامل معها إذا أصبحت أكثر قدرة واستقلالا.

ويضع هذا النقاش الذكاء الاصطناعي أمام أسئلة فلسفية وأخلاقية لا تزال بلا إجابات حاسمة: ما الوعي؟ وكيف يمكن التحقق من وجوده في نظام اصطناعي؟ وهل تكفي قدرة النموذج على محاكاة المشاعر والاستبطان لإثبات أنه يختبرها فعلا؟

وفي ظل التطور المتسارع لقدرات النماذج، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحا بالنسبة لشركات الذكاء الاصطناعي، فيما لا يزال المجتمع العلمي منقسما بشأن إمكانية وصول الآلات إلى وعي حقيقي، ولا توجد حتى الآن طريقة متفق عليها علميا لإثبات أن نموذجا لغويا يمتلك تجربة ذاتية.

اترك تعليقا