تدفقات النفط واستراتيجية الضغط: هل أفقدت واشنطن طهران ورقة مضيق هرمز؟
محمد شهود
- dr-naga
- 30 سبتمبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- التفاوض, المشهد الأمريكي-الإيراني, النفط, طهران, مضيق هرمز, واشنطن
لا شك أن التحولات التي شهدتها الأيام الأخيرة في المشهد الأمريكي-الإيراني تستحق الوقوف عندها طويلاً. فقد تبدلت الأدوار؛ فأصبحت إيران هي الطرف الذي يطرح جدولاً سريعاً لفتح مضيق هرمز والعودة إلى طاولة التفاوض، بينما يقابل الرئيس ترامب هذا العرض بفتور، مبدلاً عدم استعجاله وواثقاً من موقفه.
هذا التطور يطرح تساؤلاً جوهرياً: ما هو المتغير الذي طرأ على حسابات الإدارة الأمريكية، وجعلها ترى أن العرض الإيراني الحالي، الذي كان ليُعد مكسباً قبل أشهر، أصبح الآن أقل مما يمكن أن تحصل عليه واشنطن لاحقاً؟
### انقلاب المعادلة: طهران تعرض وواشنطن تتمهل
مع مرور الساعات، بدأت تتسرب تحليلات مدعومة بأرقام تشير إلى تدفق نفط المنطقة بكميات متزايدة، في حين يظل النفط الإيراني مكبلاً بالحصار. واستمرار هذه المعادلة يعني أن قدرة إيران على تحميل الآخرين كلفة المواجهة تتراجع، بينما تتضخم تكاليفها هي يوماً بعد يوم. وهذا يقترب من القراءة التي طرحها تقرير “وول ستريت جورنال” الأخير، والذي رصد تحسناً في قدرة البحرية الأمريكية ومنتجي الخليج على تجاوز التهديدات الإيرانية وتأمين مرور الناقلات.
### أرقام التعافي: السوق يتكيف والبدائل تُرسم
تساعدنا البيانات على استيعاب حجم هذا التحول، وإن كان ينبغي عدم المبالغة في تفسيرها. فتقديرات شركة “كبلر” المنشورة عبر “رويترز” لشهر سبتمبر، تشير إلى أن صادرات كبار منتجي المنطقة بلغت حوالي 16.3 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 19.5 مليون في فبراير. ورغم أن هذا الرقم يشمل مسارات تصدير خارج هرمز، إلا أن التقديرات تشير إلى أن ما يعبر المضيق يبلغ نحو 9.7 ملايين برميل يومياً.
هذه الأرقام تعكس تعافياً كبيراً، ورغم أنه لا يمكن القول إن الأوضاع عادت لطبيعتها تماماً أو إن أزمة الطاقة قد انتهت، إلا أنه يمكن الجزم بأن البدائل التي يمكن للسوق التكيف معها أصبحت متاحة وفعالة.
### استراتيجية الاستنزاف: الوقت في صالح واشنطون؟
بالنسبة للرئيس ترامب، يبدو أن تحسن تدفق النفط يمنحه الرفاهية لمواصلة الضغط. وهذا ما لخصه لاندون ديرنتز، المسؤول عن الطاقة في المجلس الأطلسي، بأن إطالة أمد تعطيل هرمز قد تُضعف الورقة الإيرانية ذاتها، لأنها تدفع العالم للبحث عن بدائل. فالعالم يملك قدرة على التكيف حتى لو بكلفة مرتفعة، بينما خيارات إيران لكسر الحصار أضيق. الكاتب يعترف بالألم الاقتصادي، لكنه يرى أن واشنطن قادرة على تحمله مقابل تجنب تقديم تنازلات جوهرية لطهران.
وفي السياق ذاته، يرى جيمس جيفري من معهد واشنطن أن الجمود قد يخدم المصالح الأمريكية إذا كان الموقف الإيراني يتآكل أسرع من الأمريكي. وهذه القراءة تبرر غياب الاتفاق، حيث لا تُفسر الإدارة الأمريكية هذا الغياب على أنه فشل يستدعي التسوية العاجلة كما كان الحال في الأشهر السابقة.
### إشكالية التفاوض: دروس متضاربة وفجوة ثقة
وضع روبرت مالي، المبعوث الأمريكي السابق، يده على جوهر الإشكالية؛ فطرفا المعادلة خرجا من التجربة السابقة بدروس متعاكسة. إيران ترى أنه يجب الحصول على التخفيف الاقتصادي أولاً بسبب انعدام الثقة، بينما ترى إدارة ترامب أن التجربة أثبتت ضرورة زيادة الضغط قبل أي تنازل. وبالتالي، فإن التجربة نفسها التي تدفع طهران لطلب ضمانات، تدفع واشنطن للتشدد.
وهذا يجعلنا نقرأ العرض الإيراني الأخير ليس كقبول بشروط ترامب، بل كمحاولة لوقف تدهور الوضع الاقتصادي. وفي المقابل، لا يعني الرفض الأمريكي إغلاق باب التفاوض تماماً، فالقنوات غير المباشرة لا تزال تعمل، والرسائل تتراوح بين الاستعداد لتخفيف العقوبات مقابل تقدم نووي، والنفي القاطع لتقديم أي عروض.
### سيناريو التصعيد: من إغلاق المضيق إلى استهداف المنشآت
ثمة جانب خطير في هذه المعطيات؛ فتراجع فاعلية ورقة هرمز لا يعني بالضرورة أن إيران ستختار التنازل. بل ربطت “وول ستريت جورنال” بين تآكل قدرة طهران على تعطيل النفط وارتفاع احتمالية لجوئها لتصعيد عسكري لتحسين موقفها.
ويشير ريناد منصور من “تشاتام هاوس” إلى أن البحث عن بدائل لهرمز يصطدم بحقيقة أن خطوط الأنابيب ومرافق الطاقة معرضة هي الأخرى للهجمات. إيران لا تزال تملك نفوذاً عبر شبكاتها القادرة على تهديد منشآت حيوية، فوجود طريق بديل على الخريطة لا يضمن أمن تشغيله.
وهنا تبرز قراءة إسفنديار باتمانغليج، التي تفيد بأن زيادة التدفقات النفطية لا تعني فقدان إيران لأوراق ضغطها، فقدرتها على تهديد منشآت الطاقة والقواعد الأمريكية تظل ورقة أقوى من مجرد تعطيل الملاحة. والخطر يكمن في أن يقرأ ترامب تحسن الملاحة كفرصة لإطالة الحصار، بينما تقرأه طهران كسبب لرفع كلفة الصراع عبر ضرب البنية التحتية، وهو ما قد يدفع دول الخليج لمزيد من التقارب مع واشنطن بدلاً من الضغط عليها لإنهاء الحصار.
### الحسابات الانتخابية: هدوء مرحلي قبل عاصفة نوفمبر
يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن ينفجر الوضع بعد الانتخابات النصفية؟ الاحتمال وارد بقوة. فنقلًا عن “وول ستريت جورنال”، أبلغ ترامب مساعديه بأنه يتوقع استئناف القصف بعد انتخابات نوفمبر. وفي المقابل، يسعى مساعدوه لتجنب تصعيد كبير قبل التصويت والاكتفاء بالضغط الاقتصادي.
مرحلياً، يوفر الحصار لترامب أداة للمواجهة بكثافة عسكرية منخفضة، آملاً في عبور الانتخابات دون صدمات جديدة، وبعدها.. لكل حادث حديث.