انسحاب أمريكي يعيد رسم موازين النفوذ في العراق

في خطوة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة

تستعد القوات الأمريكية لإنهاء وجودها العسكري في العراق بعد أكثر من عقدين على بدء الحرب التي أعادت تشكيل المشهد السياسي والأمني في البلاد، في خطوة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتولى فيها بغداد مسؤولية أكبر عن أمنها، وسط تنافس إقليمي متصاعد ومخاوف من عودة تهديدات مسلحة كانت قد تراجعت خلال السنوات الماضية.

ويأتي الانسحاب في توقيت بالغ الحساسية، إذ يتزامن مع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بينما يحتفظ العراق بعلاقات مع الطرفين ويحاول تجنب تحول أراضيه إلى ساحة مباشرة للصراع. ومع مغادرة آخر القوات الأمريكية، تتجه الأنظار إلى طبيعة التوازن الذي سيتشكل داخل البلاد، خصوصا في ظل النفوذ الواسع الذي تتمتع به إيران وحلفاؤها العراقيون.

انسحاب يطوي عقدين من الوجود العسكري

من المقرر أن تغادر القوات الأمريكية آخر قواعدها في العراق بحلول الأربعاء، في نهاية مسار جرى الاتفاق عليه بين بغداد وواشنطن عام 2024. ويضع الانسحاب حدا لوجود عسكري أمريكي استمر بأشكال مختلفة منذ الغزو عام 2003، مرورا بمراحل الحرب الطائفية، ثم الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.
وخلال أكثر من عقدين، قتل نحو 4500 عسكري أمريكي في العراق، بينما شهد البلد تحولات أمنية وسياسية عميقة تركت آثارها على مؤسسات الدولة والمجتمع والاقتصاد.

وبينما أنهت الولايات المتحدة وجودها القتالي في العراق عام 2011، عادت قواتها بعد ثلاث سنوات ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، الذي تمكن آنذاك من السيطرة على مساحات واسعة من البلاد.

نهاية الوجود الأمريكي وتبدل موازين القوى
لا يحمل الانسحاب دلالة عسكرية فقط، إذ يمكن أن ينعكس على موازين القوى داخل العراق. فالوجود الأمريكي ظل طوال السنوات الماضية أحد عناصر التوازن في مواجهة النفوذ الإيراني والجماعات المسلحة المرتبطة به.

وقال المحلل الأمني العراقي جاسم البهادلي إن إيران مرشحة للاستفادة من انسحاب التحالف، معتبرا أن مغادرة القوات الأمريكية تزيل وجودا عسكريا كان يشكل ثقلا موازنا لنفوذ طهران داخل العراق.

ويرى البهادلي أن الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران قد تسعى إلى تحويل الانسحاب إلى نفوذ أكبر في الملفات الأمنية وصنع القرار السياسي، وهو ما يضع الحكومة العراقية أمام تحدي الحفاظ على توازن العلاقات الخارجية ومنع انعكاس الصراعات الإقليمية على الداخل.

إيران أمام مساحة أوسع للتحرك

تمتلك إيران علاقات سياسية وأمنية واقتصادية وثيقة مع قوى عراقية متعددة، كما أن بعض الفصائل المسلحة الموالية لها تتمتع بحضور مؤثر داخل المشهد العراقي.
ومع تراجع الوجود العسكري الأمريكي، يمكن أن تتغير حسابات هذه القوى، خصوصا في ما يتعلق بالملفات الأمنية والسياسية. لكن حجم التحول سيبقى مرتبطا بقدرة المؤسسات العراقية على فرض سلطتها وإدارة العلاقة بين القوى السياسية والفصائل المسلحة.

ولا يعني ذلك أن بغداد ستتحول تلقائيا إلى مجال نفوذ إيراني كامل، إذ يحتفظ العراق بمصالح وعلاقات واسعة مع دول عربية وإقليمية وغربية، كما تسعى الحكومات العراقية المتعاقبة إلى اتباع سياسة تقوم على تحقيق توازن بين مختلف الشركاء.

تنظيم الدولة يعود إلى واجهة المخاوف

في المقابل، يثير الانسحاب مخاوف أمنية تتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية، الذي لا يزال يمتلك خلايا تنشط في مناطق متفرقة من العراق رغم فقدانه الأراضي التي سيطر عليها في السابق.

ويحذر مسؤولون أمنيون عراقيون من إمكانية استغلال التنظيم لأي ثغرات قد تظهر في مرحلة ما بعد الانسحاب، خصوصا إذا تراجع التعاون الاستخباراتي أو الدعم الفني الذي قدمه التحالف الدولي للقوات العراقية.

ويمثل هذا الملف اختبارا لقدرة القوات العراقية على مواصلة عمليات مكافحة التنظيم اعتمادا على قدراتها الذاتية، مع الحفاظ على التنسيق الأمني مع الدول التي يمكن أن تستمر في تقديم التدريب والدعم الفني.

الحدود العراقية تحت المجهر

تكتسب الحدود العراقية أهمية إضافية في المرحلة المقبلة، خصوصا الحدود مع سوريا، حيث لا تزال خلايا تنظيم الدولة تتحرك في مناطق مختلفة.
وأي تراجع في القدرة على مراقبة الحدود يمكن أن يزيد مخاطر تسلل العناصر المسلحة أو انتقال الأسلحة والمعدات، في وقت تتداخل فيه الأوضاع الأمنية في العراق مع التطورات الإقليمية المحيطة به.
كما تواجه بغداد تحديات أخرى مرتبطة بالميليشيات المسلحة والتهريب والجريمة المنظمة، وهي ملفات تحتاج إلى مؤسسات أمنية قوية وتنسيق مستمر بين الأجهزة المختلفة.
بغداد أمام مسؤولية أمنية أكبر
يمثل انتهاء الوجود العسكري الأمريكي فرصة أمام الحكومة العراقية لإظهار قدرة مؤسساتها الأمنية على تولي المسؤولية بصورة كاملة.
وقد شهدت القوات العراقية خلال السنوات الماضية عملية تطوير واسعة، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب، لكن المرحلة المقبلة ستتطلب منها التعامل مع مجموعة مختلفة من التحديات، من حماية الحدود إلى مكافحة الخلايا المسلحة والحفاظ على الأمن الداخلي.
كما سيكون ضبط العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة من الملفات الحساسة، في ظل استمرار الجدل حول السلاح خارج المؤسسات الرسمية ودور بعض الجماعات في السياسة والأمن.

السيادة العراقية في مرحلة جديدة

يرى مؤيدو الانسحاب أن مغادرة القوات الأجنبية تعزز السيادة العراقية وتمنح بغداد مساحة أكبر لاتخاذ قراراتها الأمنية بصورة مستقلة.

لكن تعزيز السيادة لا يرتبط فقط بخروج القوات الأجنبية، بل أيضا بقدرة الدولة على احتكار استخدام القوة وحماية أراضيها ومنع أي طرف خارجي من استخدام الأراضي العراقية في صراعاته الإقليمية.

ومن هنا، يصبح الانسحاب بداية لمرحلة جديدة أكثر من كونه نهاية لملف الوجود الأمريكي.
العراق بين النفوذ الإقليمي والاستقلال الأمني
من المتوقع أن تستمر العلاقات العراقية الأمريكية في مجالات متعددة، رغم انتهاء الوجود العسكري، بما في ذلك التعاون الاقتصادي والأمني والتدريب وتبادل المعلومات.

وفي المقابل، ستواصل إيران وحلفاؤها الحفاظ على حضورهم السياسي والأمني داخل العراق، بينما ستسعى قوى إقليمية أخرى إلى تعزيز علاقاتها مع بغداد.

وبين هذه المسارات، يجد العراق نفسه أمام اختبار دقيق يتمثل في الحفاظ على توازنه الداخلي والخارجي، ومنع تحول أراضيه إلى ساحة للمواجهة بين القوى المتنافسة.

ومع خروج آخر القوات الأمريكية، تبدأ بالنسبة إلى بغداد مرحلة مختلفة: مسؤولية أمنية أكبر، وهوامش أوسع للتحرك السياسي، لكن أيضا تحديات أكثر تعقيدا في إدارة النفوذ الإقليمي ومواجهة التهديدات المسلحة وحماية القرار الوطني.

اترك تعليقا