الأقصى في موسم الأعياد.. من الاقتحام إلى تغيير الواقع 

ممارسات تسعى إلى تكريس حضور ديني يهودي دائم

لم تعد اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى خلال الأعياد اليهودية مجرد مشاهد متكررة في مدينة القدس، بعدما باتت الأعداد الكبيرة والطقوس العلنية والحماية الأمنية المشددة جزءا من مشهد يتكرر بوتيرة متصاعدة. ومع انتقال الاقتحامات من حالات محدودة إلى تجمعات واسعة، يبرز سؤال أكبر حول ما إذا كانت هذه الممارسات تسعى إلى تكريس حضور ديني يهودي دائم داخل المسجد وتغيير طبيعة الواقع القائم فيه.

وتزامن موسم الأعياد هذا العام مع اقتحامات لافتة، كان أبرزها يوم 20 سبتمبر/أيلول، عندما أعلنت محافظة القدس دخول 992 مستوطنا إلى المسجد الأقصى خلال الفترتين الصباحية والمسائية، وأداء طقوس وصلوات علنية، قبل أن يدخل 686 مستوطنا آخر في اليوم التالي خلال “يوم الغفران”، إلى جانب مئات دخلوا تحت مسمى السياحة.

الأرقام تتحول إلى رسالة سياسية

الباحث المختص بشؤون المسجد الأقصى علي إبراهيم يرى أن حجم الظاهرة بات يحمل دلالة تتجاوز عدد المشاركين في كل اقتحام. وقال إن نحو 69 ألف مستوطن شاركوا في اقتحامات الأقصى خلال العام العبري الأخير، مع تركّز نسبة كبيرة منهم في مواسم الأعياد، معتبرا أن الأرقام المعلنة تمثل مستويات غير مسبوقة وفقا لما تعلنه جماعات الهيكل نفسها.

ويشير إبراهيم إلى أن تحويل كل عيد إلى مناسبة لتحقيق رقم جديد من المقتحمين يعكس، من وجهة نظره، آلية منظمة للحشد والتصعيد، بحيث تصبح كثافة الوجود داخل المسجد جزءا من محاولة صناعة صورة جديدة للمكان.

أما الأكاديمي الفلسطيني عبد الله معروف، مدير مركز دراسات القدس بجامعة 29 مايو في إسطنبول، فيضع المسألة في إطار أوسع، إذ يرى أن جماعات الهيكل والتيار الديني القومي يسعيان إلى تحويل الأعياد إلى أدوات لترسيخ تصور جديد للأقصى، بحيث يتحول تدريجيا إلى مركز للاحتفالات الدينية اليهودية.

ويحذر معروف من أن الخطر لا يرتبط فقط بدخول أعداد كبيرة، وإنما بما يصاحب ذلك من صلوات وطقوس جماعية وإدخال أدوات وكتب وملابس دينية، لأن تكرار هذه الممارسات يمكن أن يحول ما كان استثناء إلى ممارسة معتادة.

من الطقس إلى فرض الأمر الواقع 

وتظهر خطورة هذا المسار بصورة أوضح عندما تتزامن اقتحامات المستوطنين مع مشاركة مسؤولين إسرائيليين بارزين. فقد شهد موسم الأعياد مشاركة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في اقتحامات وطقوس مرتبطة بالمقدسات، بينما ظهر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في نفق أسفل حائط البراق خلال موسم الصلوات اليهودية، مؤكدا في تصريحات له أنه موجود في المكان وسيبقى فيه.

ويرى معروف أن دخول المستوى السياسي على خط هذه الممارسات يمنحها بعدا مختلفا، لأنها لم تعد مرتبطة فقط بمجموعات دينية متشددة، بل أصبحت مرتبطة أيضا بمسؤولين في الحكومة الإسرائيلية.

ويأتي ذلك في وقت وثقت فيه وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية خلال أغسطس/آب 26 اقتحاما للأقصى، تخللتها صلوات جماعية وطقوس تلمودية، إضافة إلى استخدام الكتب والفرش القماشية في باحاته. كما أشارت الوزارة إلى دعوات أطلقتها جماعات مرتبطة بمشروع الهيكل لتوسيع نطاق الصلاة اليهودية داخل المسجد.

التحذير من تغيير الوضع القائم 

لا تتوقف المخاوف الفلسطينية عند حدود الطقوس، بل تمتد إلى احتمال تحويل التغيير التدريجي في الممارسة إلى تغيير في الواقع القانوني والسياسي للمسجد.

وقالت دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية إن تصاعد الاقتحامات والطقوس يمثل محاولة لفرض وقائع جديدة، محذرة من أن استمرارها قد يقود إلى ترسيخ تقسيم زماني ومكاني للمسجد.

ويستند الموقف الفلسطيني والأردني إلى اعتبار الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد إطارا يجب الحفاظ عليه. وكان الأردن قد دان اقتحام بن غفير ومجموعات من المستوطنين في سبتمبر، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأردنية، السفير فؤاد المجالي، إن هذه الممارسات تستهدف فرض وقائع جديدة ومحاولة تقسيم المسجد زمانيا ومكانيا.

ومن الناحية الدولية، يؤكد موقف الأمم المتحدة من قضية المستوطنات أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، لا تتمتع بشرعية قانونية وفقا للقانون الدولي، وهو موقف أعاد الأمين العام للأمم المتحدة تأكيده في تقرير يونيو/حزيران 2026 بشأن تنفيذ قرار مجلس الأمن 2334.

ردود فعل عربية وتحذيرات حقوقية 

في القاهرة، أدانت وزارة الخارجية المصرية اقتحام المسجد الأقصى من مسؤول إسرائيلي ومجموعات من المستوطنين، وحذرت من محاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم أو فرض واقع جديد في المقدسات. وشددت على احترام الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

كما حذرت جهات فلسطينية وحقوقية من أن السماح بتكرار الطقوس بصورة علنية وتحت حماية الشرطة قد يؤدي إلى تغيير تدريجي في طبيعة استخدام المكان. وقال مركز حقوقي إن اقتحام مسؤولين إسرائيليين ومستوطنيهم لمحيط المسجد وحائط البراق يمثل، بحسب وصفه، تصعيدا ممنهجا وانتهاكا لقواعد القانون الدولي الإنساني.

وفي السياق نفسه، حذر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف من الارتفاع المستمر في أعداد المقتحمين، مشيرا إلى تسجيل 686 مستوطنا خلال يوم الغفران، مقارنة بـ541 في العام السابق و486 في 2023، وفقا للأرقام التي أوردها المرصد.

عيد العرش يفتح مرحلة جديدة 

المخاوف لا تتعلق فقط بيوم الغفران، إذ إن موسم الأعياد يمتد إلى عيد العرش، الذي يستمر أسبوعا ويتبعه ما يعرف بعيد فرحة التوراة. وفي 28 سبتمبر/أيلول، أفادت تقارير فلسطينية بوصول عدد المستوطنين الذين اقتحموا الأقصى إلى نحو 900، يتقدمهم وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس وبن غفير، مع أداء طقوس في المنطقة الشرقية من المسجد.

وبذلك، تبدو المسألة أمام مسار يتجاوز مناسبة دينية محددة إلى نمط متكرر تتداخل فيه الجماعات الدينية مع المستوى السياسي والأمني. ويشير استمرار الاقتحامات خلال أكثر من موسم، وتزايد أعداد المشاركين، إلى أن المعركة حول الأقصى باتت تدور أيضا حول من يملك القدرة على تحديد قواعد الحضور والممارسة داخله.

ويرى خبراء فلسطينيون أن استمرار هذا المسار قد يجعل كل موسم ديني اختبارا جديدا للوضع القائم في المسجد، خصوصا مع انتقال بعض المطالب من الدعوة إلى الاقتحام إلى المطالبة بإتاحة الصلاة اليهودية بصورة أوسع.

وفي المقابل، تتمسك الجهات الفلسطينية والأردنية والعربية التي علقت على التطورات بضرورة الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم، بينما تظل النتيجة على الأرض مرتبطة بقدرة الأطراف الدولية والإقليمية على منع تحول الممارسات المتكررة إلى قواعد جديدة يصعب التراجع عنها.

وهنا تكمن أهمية الأقصى في المرحلة المقبلة: فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بعدد المقتحمين في يوم معين، بل بما إذا كان تكرار الاقتحام والطقوس والحماية الأمنية سيؤدي بمرور الوقت إلى تغيير طبيعة الواقع داخل واحد من أكثر المواقع حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

الشيخ عكرمة صبري: جيش الاحتلال يستغل الأعياد اليهودية للانقضاض على الأقصى

حذر خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري من استغلال سلطات الاحتلال للأعياد لاستهداف المسجد الأقصى وإبقاء الأوضاع في مدينة القدس متوترة، لتحقيق مآرب سياسية ودينية.

وأضاف في حديث للجزيرة نت أن “السلطات المحتلة تستغل أعيادها المتعددة للانقضاض على المسجد الأقصى المبارك. نحن في سبتمبر/أيلول الذي تمر فيه عدة أعياد لليهود، فتبقى المنطقة متوترة نتيجة الإجراءات الاحتلالية

اترك تعليقا