نظرات إلى السماء مع أصوات الأذان

بقلم / إسلام عبدالعزيز

جلست اليوم الأحد عند غروب الشمس فوق سطح بيتي، أحاول تصنع الخلوة بعيدا عن ضجيج حياتنا، فما أقساه على النفوس حينما ينسيها متعة الخلوة.
لفت انتباهي منظر السماء وهي تطوي نهارها في هدوء عجيب… كانت صافية، تتخللها غيوم تمضي واحدة إثر أخرى، كأنها قوافل من خلق الله تسافر في طريق لا أعرف نهايته.
وتحت الغيوم أسراب طيور تجد الطيران إلى مكان ربما تعرفه هي… وكأن كل شيء في هذا الكون يقول لي نحن عابرون… وهذا ليس موطننا!!
وفجأة يشق لحظة الصمت تلك مكبر صوت مسجد المقابر بجوار بيتي، وينساب في المكان صوت الشيخ محمد محمود الطبلاوي رحمه الله بنبرته المعهودة وقراءته الأشهر من أواخر سورة القصص.
فسمعتُ عن قارون، وعشت مع فتنة المال في بدايتها، وسمعتُ الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، ثم سمعت القرآن يردهم إلى الحقيقة التي لا تتغير ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
ثم مضى الصوت حتى بلغ مشهد النهاية ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
عندها لم أعد أسمع الآية بأذني، أحسست أني أسمعها بشيء آخر في داخلي… كأنها لم تكن آية تتلى، وإنما كانت يدا تمتد إلى قلبي تهزه هزا، وتقول له إلى متى؟
إلى متى تتعلق بما هو هالك؟ إلى متى تخاف على شيء سيذهب، وتحزن على شيء سيزول، وتفرح بشيء لن يبقى؟ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾.
فجأة رأيت الدنيا على حقيقتها، ليست كما تعودنا أن نراها حين تستولي علينا.
رأيت المال الذي نظل نجمعه، والمكانة التي نتعب في طلبها، والبيوت التي نحرص عليها، والأشياء التي نظن أننا إذا امتلكناها اكتملنا بها… رأيتها كلها وهي تمضي.
رأيت العمر نفسه يمضي… رأيت وجوها أحببتها، وأياما عشتها، وأحلاما ظننت يوما أنها باقية… فإذا بها كلها غيوم في سماء العمر؛ تظهر قليلًا، ثم تمضي.
وحتى أنا… أنا الذي كنت أظن أنني ثابت في هذا المكان، جالس أراقب الغروب، اكتشفت أنني لست إلا واحدا من الأشياء التي قال الله عنها: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾… هلكت سنين عمري وانقضت، هلك شبابي وصرت على أبواب مرحلة جديدة أستقبل ضعفا يتضاعف كلما مضى العمر.
فانحدرت دموعي، واستولى الخوف من الله على قلبي… لم أبكِ لأن الدنيا سيئة، بل بكيت لأنني تعلقت بها أكثر مما ينبغي.
بكيت لأنني كثيرًا ما عاملت العابر كأنه باق، والزائل كأنه دائم، والمخلوق كأنه لا يفنى.
بكيت لأن قلبي أحيانا يتعب من أجل أشياء، ثم يأتي القرآن في لحظة واحدة فيضع كل شيء في موضعه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾.
يا الله… كل شيء إلا أنت… كل ما حولي يتغير وأنت لا تتغير… كل ما أحببته يمكن أن أفقده، وأنت لا تُفقد… كل ما احتميت به يمكن أن يخذلني وأنت لا تخذل من آوى إليك.
كل باب يمكن أن يُغلق وأنت باب لا يُغلق… كل طريق له نهاية وأنت الغاية التي لا نهاية بعدها.
سألت نفسي لحظتها: ما الذي جعل قلبي يطلب السكينة من غيرك؟ وما الذي جعلني أطمئن إلى ما لا يدوم وأغفل عمّن يدوم؟!
﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾… إليه هو وحده… ليست النهاية إلى ما جمعناه، ولا إلى ما بنيناه، ولا إلى ما قاله الناس عنا، ولا إلى الصورة التي قضينا أعمارنا نصنعها لأنفسنا في أعين الخلق.
إليه هو جل شأنه… نرجع إليه كما خرجنا منه.
وحينها لا يبقى من كل هذه الضوضاء إلا سؤال واحد: ماذا كان في قلبي لله؟ ماذا بقي منّي لله؟ كم من شيء أحببته وكان ينبغي أن أحب الله فوقه؟ وكم من شيء خفت فقده ولم أخف أن أفقد قلبي من الله؟
يا رب… علّمني أن أعيش في الدنيا دون أن تسكن الدنيا في قلبي، علّمني أن أملك الأشياء دون أن تملكني.
أن أفرح بما أعطيتني دون أن أنسى أن المعطي هو الباقي، أن أحب من أحببت، دون أن أعبد محبتهم.
أن أعمل وأبني وأسعى وأزرع وأعمر الأرض، لكن وأنا أعرف في أعماقي أنني عابر وأن كل ما حولي عابر، وأن الحقيقة الوحيدة التي لا تعبر هي أنت… لأنك الغاية التي إليها يعبر العابرين.
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يا رب إذا كانت الأشياء كلها تمضي، فلا تجعل قلبي يمضي معها، وإذا كانت الدنيا كلها راحلة، فلا تجعل روحي تسافر بعيدًا عنك.
وإذا كان لا يبقى إلا وجهك، فاجعل أعظم ما أرجوه في هذه الحياة أن ألقاك بقلب عرف أنك كنت المقصود، وإن شغلته الدنيا طويلا عن المقصود.
ثم سكتُّ… وكانت الشمس قد غابت، والغيوم ما زالت تمضي، والليل بدأ يرخي سدوله ببطء… أما الآية فلم تغرب ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾.

اترك تعليقا