ماليزيا تعيد الاعتبار لمدارس العلماء الإسلامية التقليدية

«البوندوق» مدارس إسلامية عريقة لعبت دوراً في حفظ التعليم الشرعي والتراث

أطلقت ماليزيا في 19 و20 سبتمبر 2026 خطوة جديدة لإعادة تنظيم وتطوير مؤسسات «البوندوق» الإسلامية التقليدية، وهي مدارس دينية عريقة لعبت دوراً مهماً في حفظ التعليم الشرعي والتراث الإسلامي في المجتمع الملايوي.

وأعلن رئيس الوزراء أنور إبراهيم أن الحكومة ستختار عدداً من هذه المؤسسات لتكون نماذج تجريبية لتطوير مناهجها وتخصصاتها، مع تحسين مرافقها وفتح مسارات أمام خريجيها إلى الجامعات والتعليم العام، مع التأكيد على عدم إلغاء هويتها الدينية أو فرض منهج حكومي عليها.

وتأتي الخطوة بعد اجتماع وطني لعلماء التراث الإسلامي عُقد في بوتراجايا، بحضور شخصيات علمية بارزة، من بينها المفتي المصري السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشيخ علي جمعة، والعالم المغربي الشيخ سيد إدريس الفاسي الفهري، نائب رئيس جامعة القرويين. وهذا الحضور يعطي المشروع بعداً يتجاوز السياسة التعليمية الماليزية إلى نقاش أوسع حول مستقبل التعليم الإسلامي التقليدي في العالم الإسلامي.

وقال أنور إن مؤسسات البوندوق كانت تاريخياً أحد أهم حصون الإيمان والعلم والأخلاق بعد مرحلة الاستعمار، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن بعضها يعاني أوجه قصور وأن المحافظة على التراث لا تعني تجميد المؤسسة عند صورتها القديمة. ودعا إلى تطوير تخصصات جديدة، مع إبقاء العلماء أنفسهم في موقع تحديد طبيعة التعليم الديني، مؤكداً أنه لا يريد أن يقرر بنفسه المناهج التي ينبغي أن تدرس فيها هذه المؤسسات.

وتبدو هذه النقطة من أهم عناصر المبادرة؛ فالحكومة لا تتحدث عن استبدال التعليم التقليدي بالتعليم الحديث، وإنما عن إيجاد جسور بينهما.

ووفقاً لما أعلنه وزير الشؤون الدينية الماليزي الدكتور ذو الكفل حسن في 20 سبتمبر، يجري بحث إنشاء مجلس استشاري ماليزي للبوندوق والتراث، وإطلاق شهادة للتراث الإسلامي الماليزي، إلى جانب نماذج تمويل تعتمد على الوقف والصدقات والرعاية، فضلاً عن معالجة قضايا التسجيل والإدارة والبنية التحتية وتأهيل المعلمين والاعتماد الأكاديمي.

وهذا التحول مهم لأن كثيراً من المدارس التقليدية تعتمد تاريخياً على تبرعات المجتمع والأوقاف، وهي علاقة جعلت المدرسة الدينية جزءاً من البنية الاجتماعية للمجتمع المسلم لا مجرد مؤسسة تعليمية. وتوضح دراسة أكاديمية حديثة في «مجلة التمدن» بجامعة مالايا أن نظام البوندوق نشأ تاريخياً من مراكز تعليم مستقلة اعتمدت على الوقف والعطاء المجتمعي، وكان المعلم أو «توغو» يؤدي التعليم باعتباره خدمة دينية واجتماعية مستمرة للمجتمع.

ومن هنا يمكن فهم إصرار المسؤولين الماليزيين على أن التطوير لا ينبغي أن يؤدي إلى اقتلاع هوية هذه المؤسسات. فقد أكد وزير الشؤون الدينية أن «قوة التراث والتقاليد وعلاقة المعلم بالطالب» ينبغي الحفاظ عليها، بالتوازي مع مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية.

أما الشيخ علي جمعة، الذي شارك في المشاورات، فقد قدم ــ وفق ما نقله أنور في كلمته ــ رؤية عملية لمسألة التخصص؛ إذ لا يرى ضرورة أن تكون كل مؤسسة بوندوق مطالبة بإخراج علماء دين، فبعض الطلاب يمكن أن يتجهوا إلى الهندسة أو الطيران أو التعليم التقني والمهني، مع احتفاظهم بتكوين ديني متين. وهذا التصور يفتح الباب أمام نموذج مختلف للتعليم الإسلامي: طالب يجمع بين التخصص المهني والتكوين الشرعي بدلاً من وضع التعليم الديني والعلوم الحديثة في مسارين منفصلين.

كما طرح الشيخ سيد إدريس الفاسي الفهري، بحسب عرض رئيس الوزراء للمناقشات، أهمية بناء تقاليد علمية جديدة داخل مؤسسات التراث. ويبدو أن الفكرة الأساسية للمشروع ليست تحويل مدارس البوندوق إلى جامعات تقليدية، وإنما السماح لكل مؤسسة بتطوير تخصصها وفق منهجها التربوي، ثم إنشاء مسارات معترف بها لمن يريد مواصلة التعليم العالي.

وهنا تظهر قضية لها أهمية خاصة للمسلمين خارج ماليزيا: هل يمكن تحديث التعليم الإسلامي من الداخل دون أن يفقد خصوصيته؟ التجربة الماليزية الحالية تحاول تقديم إجابة عملية تقوم على ثلاثة عناصر متوازية: الحفاظ على كتب التراث والمنهج التربوي، تطوير المهارات والتخصصات، وربط المؤسسات التي تستوفي الشروط بالنظام الجامعي والتعليمي العام. وقد أكد أنور أن وجود طريق إلى الجامعة لا يعني إجبار كل خريج بوندوق على دخول الجامعة، وإنما توفير الخيار لمن يريده.

وهذا يختلف عن بعض التجارب التي تعاملت مع التعليم الديني التقليدي باعتباره عائقاً أمام الحداثة، أو تعاملت معه في الاتجاه المقابل باعتباره مكتفياً بذاته ولا يحتاج إلى مراجعة. النموذج الذي تطرحه ماليزيا يقوم على الاعتراف بوجود نقاط قوة ونقاط ضعف في آن واحد، وعلى أن الإصلاح ينبغي أن يتم بمشاركة العلماء والمتخصصين لا بقرار إداري منفرد.

وتبرز في المشروع أيضاً قضية استقلال المؤسسات الدينية.

فقول رئيس الوزراء إنه لا يريد تحديد المناهج بنفسه، وترك ذلك للعلماء وأصحاب الاختصاص، يمكن أن يقلل مخاوف تحويل البوندوق إلى مدارس حكومية ذات طابع ديني. وفي المقابل، فإن التمويل العام والاعتراف الرسمي سيحتاجان إلى قواعد واضحة للحوكمة والجودة والمساءلة حتى لا تتحول المساعدة الحكومية إلى تبعية إدارية.

أما بالنسبة للأسر المسلمة، فإن توفير مسار يجمع بين العلوم الشرعية والتعليم المهني قد يكون مهماً بصورة خاصة. فالطالب الذي يريد أن يصبح عالماً سيجد مساراً متخصصاً، بينما يستطيع طالب آخر أن يتجه إلى الطب أو الهندسة أو الطيران أو التعليم التقني من دون أن يفقد أساسه الديني. وهذا ينسجم مع ما قاله أنور عن ضرورة الاعتراف بتعدد طموحات طلاب المدارس الدينية.

وفي الوقت نفسه، لا تخلو التجربة من أسئلة صعبة. فإدخال تخصصات جديدة يحتاج إلى معلمين مؤهلين، وربط الشهادات بالجامعات يتطلب معايير أكاديمية، وتطوير البنية التحتية يحتاج إلى تمويل مستدام. كما أن زيادة التدخل الحكومي قد تثير مستقبلاً نقاشاً حول حدود الاستقلال العلمي للمؤسسات الدينية.

لكن اختيار الوقف والصدقات والرعاية ضمن نماذج التمويل المقترحة يقدم محاولة لتجنب الاعتماد الكامل على الميزانية الحكومية. وإذا نجحت ماليزيا في بناء نظام يضمن الشفافية والاستدامة مع الحفاظ على استقلال العلماء، فقد تتحول التجربة إلى نموذج يمكن دراسته في دول إسلامية أخرى تواجه السؤال نفسه: كيف نحافظ على التعليم الشرعي العريق ونمنحه في الوقت نفسه القدرة على التعامل مع عالم يتغير بسرعة؟

واللافت أن الحكومة الماليزية لا تقدم المشروع باعتباره حرباً على القديم باسم الجديد، ولا باعتباره عودة كاملة إلى الماضي؛ بل تحاول الجمع بين التراث والتخصصات الحديثة والانتقال إلى الجامعة وسوق العمل. وهذا يجعل التطورات المقبلة داخل المؤسسات التجريبية المختارة أكثر أهمية من التصريحات السياسية نفسها، لأن نجاح النموذج سيقاس في النهاية بجودة التعليم، واستقلال العلماء، وفرص الطلاب، وقدرة المدرسة الإسلامية على إنتاج إنسان يجمع بين العلم الشرعي والكفاءة في الحياة العامة.

*المصادر:
-مكتب رئيس الوزراء الماليزي، نص كلمة أنور إبراهيم في مشاورة علماء التراث، 19 سبتمبر 2026.
-وكالة برناما الماليزية، 19 سبتمبر 2026.
-إذاعة وتلفزيون ماليزيا، تصريحات وزير الشؤون الدينية ذو الكفل حسن، 20 سبتمبر 2026.
-صحيفة «ذا ستار» الماليزية، 19 سبتمبر 2026.
-جامعة مالايا، «مجلة التمدن»، المجلد 21، العدد الأول، 2026.

اترك تعليقا