الحوثيون يصعّدون والبحر الأحمر على صفيح ساخن

الصراع دخل مرحلة أكثر تعقيداً

لم يعد التصعيد في اليمن أزمة منفصلة عن الحرب الأوسع في الشرق الأوسط، بعدما انتقلت هجمات جماعة الحوثيين إلى العمق السعودي، بالتزامن مع تعرض منشآت مرتبطة بخط أنابيب شرق-غرب لأضرار، وتأجيل اجتماع كان مقرراً بين إيران ودول خليجية في سلطنة عُمان لبحث مستقبل الملاحة في مضيق هرمز.

وتكشف التطورات أن الصراع دخل مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما أصبحت منشآت الطاقة وطرق التجارة البحرية جزءاً مباشراً من الحسابات العسكرية. فالهجمات لم تعد تستهدف مواقع عسكرية فقط، بل باتت تضغط على البنية التحتية التي تعتمد عليها الأسواق العالمية في نقل النفط.

السعودية أمام جبهة مزدوجة

أعلنت جماعة الحوثيين إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه قاعدة جوية سعودية في خميس مشيط، وقالت إن الهجوم جاء رداً على الغارات السعودية في اليمن.

وتزامن التصعيد مع أضرار لحقت بخط أنابيب شرق-غرب، وهو أحد أهم المسارات التي تعتمد عليها السعودية لنقل النفط من مناطق الإنتاج على الخليج إلى موانئ البحر الأحمر، بما يسمح بتجاوز مضيق هرمز.

وتزداد أهمية هذا الخط في الظروف الحالية، لأن استمرار اضطراب الملاحة في هرمز يجعل البدائل البرية أكثر أهمية بالنسبة إلى المملكة ودول الخليج الأخرى.

لكن تعرض الخط نفسه للأضرار يفتح سؤالاً أكبر حول قدرة المنطقة على حماية مسارات تصدير النفط في حال استمرت الهجمات واتسعت رقعة المواجهة.

ويرى محللون أن الخطر لا يرتبط فقط بحجم الأضرار الحالية، وإنما بمدة توقف العمليات، إذ إن استمرار التعطل قد يضغط على الإمدادات العالمية ويدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى.

هرمز وباب المندب في قلب الأزمة

أخطر ما في المشهد الحالي أن الاضطرابات تطال ممرين بحريين شديدي الأهمية في وقت واحد.

مضيق هرمز يمثل أحد أهم طرق نقل النفط في العالم، بينما يشكل باب المندب بوابة رئيسية لحركة السفن بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.

وبالتالي فإن استمرار التوتر في هذين المسارين يعني أن دول الخليج تواجه ضغوطاً متزامنة على طرق التصدير البحرية والبرية.

ويقول الخبير في شؤون الشرق الأوسط فواز جرجس إن تطورات اليمن تعكس انتقال الصراع إلى مرحلة تتجاوز الحدود التقليدية للحرب، خصوصاً مع تزايد أهمية المواقع القريبة من طرق الملاحة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن أي تهديد طويل الأمد للممرات البحرية يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويجبر شركات النقل على تغيير مساراتها، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار الطاقة والسلع.

تأجيل الحوار يزيد المخاوف

كان من المفترض أن تستضيف سلطنة عُمان اجتماعاً بين إيران وعدد من دول الخليج لمناقشة ترتيبات تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز، لكن الاجتماع تأجل في ظل التصعيد المتسارع.

ويمثل التأجيل ضربة للجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنشاء مسار للحوار بين إيران ودول الخليج، خصوصاً أن المنطقة تحتاج في الوقت نفسه إلى آلية تمنع تحول التوتر البحري إلى مواجهة مباشرة.

وتكمن الصعوبة في أن دول الخليج تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي بحاجة إلى الحوار مع إيران لتقليل المخاطر في هرمز، لكنها تواجه في الوقت ذاته هجمات من جماعة الحوثيين التي تربطها علاقات وثيقة بطهران.

ويجعل ذلك أي مفاوضات أكثر حساسية، لأن التطورات العسكرية يمكن أن تعيد تشكيل المواقف السياسية خلال ساعات.

واشنطن بين الحليف الخليجي وخطر التوسع

الولايات المتحدة تواجه بدورها اختباراً صعباً. فالسعودية تحتاج إلى دعم أمريكي أكبر لمواجهة الهجمات الحوثية وحماية منشآتها، بينما تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب تجنب فتح جبهة عسكرية واسعة جديدة في اليمن.

وتشير التطورات إلى أن واشنطن تفضل في المرحلة الحالية تقديم الدعم المعلوماتي والاستخباراتي، بدلاً من الانخراط العسكري المباشر.

ويضع هذا الخيار الإدارة الأمريكية أمام معادلة دقيقة؛ فالتدخل المباشر قد يوسع الحرب ويجعل القوات والمنشآت الأمريكية أهدافاً جديدة، في حين أن الابتعاد الكامل قد يزيد الضغوط على السعودية ويمنح الحوثيين مساحة أكبر للتحرك.

كما أن أي ضربة أمريكية واسعة ضد الحوثيين قد تؤدي إلى ردود جديدة على المصالح الأمريكية في المنطقة، وربما تدفع جماعات أخرى إلى الانخراط في المواجهة.

النفط يدفع فاتورة التصعيد

سرعان ما انعكس التوتر على أسواق النفط، مع ارتفاع الأسعار عقب عودة التداول بعد عطلة نهاية الأسبوع.

ولا يتعلق الأمر هذه المرة بخطر إغلاق مضيق هرمز وحده، وإنما بتزامن عدة عوامل؛ اضطراب الملاحة، الأضرار التي لحقت بخطوط نقل النفط، التهديدات التي تواجه المنشآت السعودية، والمخاطر المتزايدة في البحر الأحمر.

ويرى محللون أن استمرار هذه الظروف قد يرفع علاوة المخاطر في أسعار النفط، خصوصاً إذا بدأت شركات الشحن بإعادة حساب مساراتها أو رفعت شركات التأمين تكلفة التغطية للسفن التي تمر بالمياه المتوترة.

وتحذر خبيرة الطاقة كيت دوريان من أن تعطل أكثر من طريق لتصدير النفط في الوقت نفسه يمكن أن يزيد الضغط على الأسواق العالمية ويجعل صدمة الأسعار أكثر حدة.

اليمن يدفع الثمن الأكبر

وسط الحسابات النفطية والعسكرية، تتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن.

فالتصعيد الأخير أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من المدنيين، فيما أصبحت مناطق واسعة تواجه صعوبات في الحصول على الغذاء والمياه والخدمات الأساسية.

وتزداد المخاوف من أن يؤدي توسع العمليات العسكرية إلى موجة نزوح جديدة، خصوصاً إذا انتقلت المواجهات إلى مناطق ساحلية أو طرق رئيسية تربط المدن اليمنية بالموانئ.

كما أن استمرار الحرب يهدد بتدمير ما تبقى من البنية التحتية، ويزيد اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية في وقت تواجه فيه المنظمات الدولية ضغوطاً كبيرة في التمويل والوصول إلى المناطق المتضررة.

ثلاثة مسارات محتملة

المسار الأول يتمثل في احتواء التصعيد وإعادة تفعيل المسار العُماني، بما يسمح بفتح حوار حول هرمز وتهدئة التوتر بين إيران ودول الخليج، بالتوازي مع خفض العمليات العسكرية في اليمن.

أما المسار الثاني فهو استمرار المواجهة عند مستوى محدود، بحيث تتواصل الهجمات الحوثية والاضطرابات البحرية دون الانتقال إلى حرب إقليمية شاملة. وفي هذه الحالة ستظل أسعار النفط مرتفعة، وستستمر كلفة النقل والتأمين في الصعود.

أما السيناريو الأخطر فيتمثل في اتساع نطاق الاستهداف ليشمل منشآت نفطية إضافية أو إغلاقاً فعلياً للممرات البحرية الرئيسية. عندها يمكن أن تنتقل الأزمة من صراع إقليمي إلى أزمة طاقة عالمية.

الخليج أمام اختبار جديد

التطورات الحالية تؤكد أن أمن الخليج لم يعد مرتبطاً بحماية الحدود والمنشآت العسكرية فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بحماية خطوط الأنابيب والموانئ والممرات البحرية.

وتجد السعودية نفسها أمام ضرورة حماية صادراتها النفطية من أكثر من اتجاه، في وقت تواجه فيه واشنطن ضغوطاً للتدخل، بينما تحتاج دول الخليج إلى استمرار الحوار مع إيران.

والأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة. فإذا نجحت الوساطات في إعادة فتح قنوات الحوار، فقد تنحسر المخاطر تدريجياً. أما إذا استمرت الهجمات وتأجلت الحلول السياسية، فإن هرمز وباب المندب قد يتحولان إلى ورقتين رئيسيتين في الصراع، مع تداعيات تتجاوز المنطقة لتصل إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

اترك تعليقا