روسيا تعيد رسم نفوذها العسكري من الساحل السوري
بينما تتحول المواقع العسكرية إلى مراكز للتدريب المشترك
- السيد التيجاني
- 14 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- التواجد العسكري, الساحل السوري, روسيا, سوريا, موسكو
تكشف عودة السفن الروسية إلى ميناء طرطوس عن مرحلة جديدة في العلاقة بين موسكو ودمشق، بعد الاتفاق الذي أعاد تنظيم مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا. فالقافلة التي وصلت إلى الساحل السوري في السابع من سبتمبر تضم سفنا حربية ولوجستية، في مؤشر على استمرار الإمدادات الروسية للمنشآت التي استخدمتها موسكو لسنوات.
وبحسب رويترز، وصلت أربع سفن روسية إلى ميناء طرطوس، بينها سفينة الشحن «سبارتا»، وناقلة الإمداد «أكاديميك باشين»، وناقلة النفط «جنرال سكوبيليف»، والمدمرة «الأدميرال ليفشينكو». وتوقفت السفن عن بث إشارات التتبع بعد عبورها مضيق جبل طارق، قبل أن تواصل طريقها نحو الساحل السوري.
وتكتسب الخطوة أهمية إضافية لأنها جاءت بعد اتفاق أغسطس بين دمشق وموسكو بشأن مستقبل القاعدتين الروسيتين. ووفق الاتفاق، تنتقل المنشآت المدنية التي كانت تستخدمها روسيا إلى السيطرة السورية، بينما تتحول المواقع العسكرية إلى مراكز للتدريب المشترك، مع استمرار القوات الروسية في الوجود داخل الموقعين.
إمدادات روسية في توقيت حساس
وقالت مصادر عسكرية سورية وشخصية سورية روسية مطلعة على العملية، وفق رويترز، إن سفينة «سبارتا» أفرغت إمدادات تضمنت ذخائر مخصصة لطرطوس وحميميم. ولم تتمكن الوكالة من التحقق بصورة مستقلة من طبيعة الشحنة أو الجهة التي ستستخدمها.
وتشير هذه التطورات إلى أن موسكو لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره مقدمة لخروجها من سوريا، وإنما باعتباره صيغة جديدة للحفاظ على وجودها، وإن كان بصورة مختلفة عن المرحلة السابقة.
ويرى الباحث في العلاقات الدولية إميل أفدالياني أن روسيا انتقلت من مرحلة النفوذ العسكري الواسع في سوريا إلى محاولة الحفاظ على وجود أكثر محدودية، مشيرا إلى أن خسارة القواعد بصيغتها القديمة ستؤثر في قدرة موسكو على التحرك في شرق المتوسط وأفريقيا.
طرطوس بوابة موسكو إلى المتوسط
تمثل طرطوس أهمية استراتيجية بالنسبة إلى روسيا، باعتبارها منفذها البحري الرئيسي في البحر المتوسط. وقد استخدمت موسكو الميناء لإصلاح السفن وإعادة تموينها، فضلا عن دوره في دعم العمليات الروسية في المنطقة.
ويرى محللون أن استمرار الإمدادات إلى طرطوس يعني أن موسكو تريد الاحتفاظ بالقدرة اللوجستية التي تسمح لها بالتحرك في المتوسط، حتى بعد تراجع مستوى نفوذها السياسي والعسكري داخل سوريا.
وبحسب تحليلات نشرها معهد ستيمسون، فإن تقليص الوجود الروسي في سوريا قد يحد من قدرة موسكو على التأثير في ملفات الشرق الأوسط، خصوصا علاقاتها مع تركيا ودول الخليج، لكنه لا يعني التخلي الكامل عن المصالح الروسية في المنطقة.
عين موسكو على أفريقيا
لا تنحصر أهمية القاعدتين في الساحة السورية، فروسيا تنظر إلى حميميم وطرطوس باعتبارهما جزءا من شبكة أوسع للتحرك بين البحر المتوسط وأفريقيا.
ويرى إميل أفدالياني أن الوجود الروسي في سوريا كان أحد عناصر القوة التي سمحت لموسكو بتوسيع تحركاتها خارج المنطقة، ولذلك فإن الحفاظ على منفذ ساحلي ولو بقدرات أقل يظل مهما بالنسبة إلى الاستراتيجية الروسية.
وفي هذا السياق، فإن القافلة الأخيرة قد تكون رسالة بأن موسكو لا تريد خسارة بنيتها اللوجستية بالكامل، حتى إذا اضطرت إلى قبول ترتيبات جديدة تفرضها دمشق.
دمشق تحاول استعادة القرار
بالنسبة إلى الحكومة السورية الجديدة، يمثل الاتفاق محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع موسكو دون قطعها. فدمشق تريد استعادة السيطرة على المنشآت السيادية، وفي الوقت نفسه لا تبدو راغبة في إلغاء التعاون العسكري والتقني مع روسيا بصورة مفاجئة.
ووفق ما أعلنته السلطات السورية، يتضمن الاتفاق نقل إدارة المنشآت المدنية إلى الدولة السورية، بينما تخصص المنشآت العسكرية للتدريب المشترك.
ويرى الباحث السوري حسين عمر أن روسيا لم تعد تمتلك الدور الذي كانت تتمتع به خلال عهد بشار الأسد، وأن علاقتها مع دمشق دخلت مرحلة تقوم بدرجة أكبر على المصالح المتبادلة والتفاهمات المباشرة.
كما يرى الباحث ماهر التمر أن موسكو تحاول حماية مصالحها المتبقية داخل سوريا، مع تجنب الدخول في مواجهة مع القيادة السورية الجديدة أو القوى الإقليمية المؤثرة.
سفن خاضعة للعقوبات
وتحمل القافلة الروسية بعدا آخر يتعلق بالعقوبات الغربية. فبحسب رويترز، تخضع سفينة «سبارتا» لعقوبات أمريكية، بينما تخضع ناقلة النفط «جنرال سكوبيليف» لعقوبات غربية بسبب نقل النفط الروسي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن موسكو تواصل استخدام شبكتها اللوجستية رغم القيود الغربية، وهو ما قد يجعل حركة الإمدادات إلى الساحل السوري موضع متابعة دولية متزايدة خلال الفترة المقبلة.
لكن وجود سفن عسكرية ولوجستية في طرطوس لا يعني بالضرورة عودة الانتشار الروسي إلى مستوياته السابقة، إذ إن الاتفاق الجديد يضع الوجود الروسي ضمن ترتيبات مختلفة وأكثر ارتباطا بالموافقة والتنسيق مع دمشق.
رسائل إلى تركيا والغرب
تحمل الخطوة الروسية أيضا رسائل سياسية إلى القوى الإقليمية والدولية. فاستمرار الوجود الروسي يعني أن موسكو لا تزال تملك ورقة يمكن استخدامها في حسابات شرق المتوسط، رغم التغيرات الكبيرة التي شهدتها سوريا.
وقد تراقب تركيا والولايات المتحدة ودول الخليج طبيعة التحركات الروسية المقبلة، خصوصا إذا تحولت عمليات الإمداد إلى نشاط عسكري منتظم.
وفي المقابل، تحتاج دمشق إلى إدارة الملف بحذر، إذ تسعى إلى تطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية والعربية وتركيا، ولا تريد أن يتحول الوجود الروسي إلى مصدر توتر مع شركائها الجدد.
ردود الفعل ما زالت محدودة
ولم يصدر عن دمشق أو موسكو تعليق رسمي مفصل بشأن القافلة الأخيرة، فيما ذكرت رويترز أن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك والسفارة الروسية في دمشق لم تردا على طلبات التعليق.
ويعكس غياب التصريحات الرسمية حساسية الملف، خصوصا أن الاتفاق الروسي السوري لا يزال في بدايته، وأن شكل الوجود الروسي النهائي لم يتبلور بصورة كاملة.
شراكة جديدة أم نفوذ قديم؟
يرى الخبير الروسي دميتري بريج أن التحركات الروسية تحمل بعدا سياسيا إلى جانب الجانب اللوجستي، إذ تريد موسكو التأكيد أن سقوط حليفها السابق بشار الأسد لم يؤد إلى إخراجها من المعادلة السورية.
وتشير هذه القراءة إلى أن روسيا تحاول الانتقال من نموذج السيطرة والنفوذ الواسع إلى نموذج الشراكة المحدودة، مع الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من أدوات التأثير.
وبحسب رويترز، جاءت المفاوضات حول مستقبل حميميم وطرطوس بعد نحو 18 شهرا من المباحثات التي أعقبت سقوط الأسد في ديسمبر، وهو ما يوضح حجم التحول الذي طرأ على العلاقة بين الطرفين.
وفي المرحلة المقبلة، سيكون الاختبار الحقيقي للاتفاق هو قدرة دمشق وموسكو على الحفاظ على الإمدادات والتدريب المشترك دون أن يتحول الوجود الروسي إلى عودة للنفوذ العسكري السابق.
وبذلك تبدو عودة السفن الروسية إلى طرطوس أقرب إلى إعادة تموضع منها إلى عودة كاملة إلى الماضي. فموسكو لم تغادر سوريا، لكنها أيضا لم تعد تمتلك الشروط التي كانت متاحة لها في عهد الأسد، بينما تحاول دمشق تحويل الوجود الروسي من نفوذ مفتوح إلى تعاون يخضع لشروط الدولة السورية وسيادتها.