زيارة ابن سلمان للقاهرة .. بين احنواء الخطر الحوثي وتأمين الملاحة في البحر الأحمر

هل تسعي القاهرة للتهئة بين الرياض وانصار الله

تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة، في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى أمن الخليج والبحر الأحمر، وسط تصاعد المواجهة مع جماعة الحوثيين في اليمن، وتزايد المخاوف السعودية من انتقال الخطر من الحدود الجنوبية إلى الممرات البحرية الحيوية.

ووفق تقارير صحفية حديثة، طلبت الرياض مساعدة عسكرية أمريكية لمواجهة الحوثيين، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يوافق على تنفيذ ضربات أمريكية مباشرة، مع استمرار الدعم الاستخباراتي وتبادل المعلومات.

وبينما لم تتضح من المصادر المتاحة تفاصيل رسمية كاملة عن جدول الزيارة وأجندتها، فإن انعقادها في هذا التوقيت يفتح الباب أمام قراءة أهدافها المحتملة، خصوصاً أن القاهرة والرياض ترتبطان بمصالح أمنية واستراتيجية مشتركة، وفي مقدمتها حماية الملاحة البحرية واستقرار المنطقة.

احتواء  الخطر الحوثي

ومن المهم الإشارة في هذا السياق إلي أن هناك أهدافا عديدة من وراء هذه الزيارة منها  بحث كيفية التعامل مع التهديد الحوثي المتصاعد، ليس باعتباره أزمة يمنية داخلية فقط، وإنما باعتباره تحدياً للأمن القومي السعودي والعربي. فالتقارير الأخيرة تتحدث عن تقدم حوثي على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، واقتراب الجماعة من مناطق استراتيجية مرتبطة بمضيق باب المندب.

وتكمن خطورة هذا التطور في أن الحوثيين، إذا تمكنوا من توسيع نفوذهم على الساحل الغربي لليمن، سيصبحون في وضع أكثر قدرة على تهديد السفن التجارية وطرق نقل الطاقة، فضلاً عن الضغط على السعودية من اتجاهين: الحدود الجنوبية والمجال البحري.

 

بالنسبة إلى الرياض، لا يتعلق الأمر فقط بمنع هجمات صاروخية أو مسيّرات على المدن والمنشآت النفطية، بل بالحيلولة دون تحول البحر الأحمر إلى ساحة نفوذ حوثية واسعة، تتيح للجماعة فرض شروطها على الملاحة والتجارة الدولية.

ومن هنا، قد يسعى محمد بن سلمان إلى تنسيق المواقف مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومعرفة حدود استعداد القاهرة للمساهمة في احتواء الأزمة، سياسياً وأمنياً، قبل أن تتحول إلى تهديد أكثر اتساعاً.

بديل للدعم الأمريكي

وفي هذا السياق يطرح رفض واشنطن تنفيذ ضربات مباشرة ضد الحوثيين سؤالاً مهماً: هل تريد السعودية من مصر أن تكون بديلاً عن الولايات المتحدة؟

الأرجح أن الإجابة ليست بهذه البساطة. فمصر لا تملك فقط موقعاً جغرافياً مهماً على البحر الأحمر، وإنما تمتلك أيضاً خبرة عسكرية وبحرية واسعة، فضلاً عن ثقل سياسي يجعل موقفها مؤثراً في أي ترتيبات إقليمية تخص أمن الملاحة.

لكن من غير المرجح أن تكون القاهرة مستعدة للانخراط في حرب مفتوحة ضد الحوثيين لمجرد طلب سعودي. فالتدخل العسكري المباشر في اليمن يحمل مخاطر كبيرة، خصوصاً إذا كان سيضع مصر في مواجهة مع جماعة مدعومة من إيران، أو يفتح جبهة جديدة في ظل الحرب الإقليمية الأوسع.

لذلك، فإن ما قد تطلبه الرياض من القاهرة ليس بالضرورة قصف الحوثيين، بل دعماً متعدد المستويات: تنسيقاً استخباراتياً، وتعاوناً في تأمين الملاحة، وموقفاً سياسياً واضحاً ضد تهديد الممرات البحرية، وربما مساهمة في بلورة ترتيبات أمنية إقليمية.

باب المندب.. مصلحة مصرية

لا يمكن فصل الزيارة عن المصالح المصرية المباشرة. فمضيق باب المندب يمثل المدخل الجنوبي إلى البحر الأحمر، الذي يرتبط بقناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة الدولية ومصدراً رئيسياً للإيرادات المصرية، وأي اضطراب واسع في البحر الأحمر ينعكس على حركة السفن العابرة للقناة، وعلى تكلفة النقل والتأمين، وعلى قدرة مصر على الحفاظ على موقعها كممر تجاري عالمي..

كما أن اتساع نطاق التهديدات البحرية قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، وهو ما يضر بالمصالح الاقتصادية المصرية.

من هذا المنطلق، فإن القاهرة لا تحتاج إلى انتظار طلب سعودي كي تدرك خطورة الوضع. فاستقرار البحر الأحمر مصلحة مصرية أصيلة، وأي ترتيبات لحماية الملاحة يمكن أن تجد قبولاً لدى الطرفين، شرط ألا تتحول إلى غطاء لتدخل عسكري غير محسوب.

وقد يكون أحد أهداف الزيارة هو بحث كيفية الجمع بين حماية الملاحة، ومنع تهديد السعودية، والحفاظ على استقرار اليمن، دون الانزلاق إلى حرب إقليمية

موقف مصر

وفي هذه الأجواء المعقدة يمكن القول إن تملك مصر عدة خيارات، تبدأ بالدعم السياسي والدبلوماسي، ولا تنتهي بالتعاون الأمني والبحري. لكن طبيعة الاستجابة ستتوقف على حجم الطلب السعودي، وعلى تطورات الميدان اليمني، وعلى الموقف الأمريكي والإقليمي.

ومن ثم فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استجابة مصرية محسوبة، لا مشاركة في حرب مفتوحة. فقد تؤكد القاهرة تضامنها مع السعودية، وتدعم حقها في الدفاع عن أمنها، وتشارك في جهود حماية الملاحة، مع الدفع نحو تسوية سياسية للأزمة اليمنية.

أما الدخول في عمليات عسكرية مباشرة ضد الحوثيين، فيبقى خياراً أكثر تعقيداً، لأن مصر ستحتاج إلى تقدير المخاطر على قواتها، وعلى أمن قناة السويس، وعلى علاقاتها الإقليمية، وعلى احتمالات توسع الحرب.

كذلك، فإن أي تحرك مصري يجب أن يأخذ في الاعتبار أن الحوثيين ليسوا مجرد قوة محلية يمكن احتواؤها بضربة عسكرية، بل جماعة تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، وترتبط بصراع إقليمي أوسع.

ترتيبات أمنية مشتركة

وفي المقابل قد تفتح الأزمة الحالية الباب أمام تطوير التعاون المصري السعودي في البحر الأحمر. وربما لا يكون الهدف إنشاء تحالف عسكري معلن، بل بناء آلية تنسيق أكثر انتظاماً بين الدول المطلة على البحر الأحمر، تشمل تبادل المعلومات، ومراقبة التهديدات البحرية، والتعاون في حماية السفن والمنشآت الحيوية.

وهذا الخيار قد يكون أكثر قبولاً لدى القاهرة من الدخول في مواجهة مباشرة، كما أنه يتيح للسعودية الحصول على دعم إقليمي دون الاعتماد الكامل على واشنطن.

لكن نجاح أي ترتيبات من هذا النوع يتطلب توافقاً بين الدول المعنية، وهو أمر ليس سهلاً في ظل اختلاف مواقفها من الحرب اليمنية، ومن إيران، ومن مستقبل جماعة الحوثيين.

ومن البديهي الإشارة هنا إلي أن زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة ، تبدو مرتبطة بمرحلة تبحث فيها السعودية عن توسيع شبكة دعمها الإقليمي، بعد أن أظهرت واشنطن تحفظاً على الانخراط العسكري المباشر ضد الحوثيين.

لكن الرهان السعودي على مصر لن يكون بالضرورة رهاناً على الحرب، بل على الدور المصري السياسي والأمني والبحري، وعلى قدرة القاهرة على المساهمة في منع انهيار أمن البحر الأحمر.

أما مصر، فستسعى على الأرجح إلى دعم السعودية وحماية مصالحها، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مفتوحة قد تكون تكلفتها أكبر من فوائدها. ولذلك، فإن مستقبل التعاون بين البلدين سيتحدد بمدى القدرة على بناء صيغة تجمع بين الردع، وحماية الملاحة، والضغط الدبلوماسي، والحفاظ على باب الحل السياسي في اليمن.

 

 

اترك تعليقا