بكين ونيودلهي تبحثان عن مخرج من عقدة الحدود
على هامش قمة مجموعة بريكس
- السيد التيجاني
- 12 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- الحدود, الرئيس الصيني, الصين, الهند, باكستان, بكين, قمة مجموعة بريكس, نيودلهي
تدخل العلاقات بين الهند والصين مرحلة جديدة تبدو أكثر هدوءا من السنوات التي أعقبت الاشتباك الدموي على الحدود عام 2020، لكن هذا الهدوء لا يعني أن الخلافات الاستراتيجية اختفت. فلقاء رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جين بينغ في نيودلهي على هامش قمة مجموعة بريكس يفتح الباب أمام محاولة جديدة لإعادة ترتيب العلاقة عبر التجارة والنقل والاتصالات، بالتوازي مع السعي إلى منع عودة التوتر العسكري في جبال الهيمالايا، بحسب رويترز.
اللقاء يحمل أهمية رمزية كبيرة، إذ تمثل زيارة شي إلى الهند أول زيارة له منذ سبع سنوات، في مؤشر على انتقال العلاقات من مرحلة القطيعة والتوتر الحاد إلى ما يمكن وصفه بـ«التعايش الحذر». وأكد الجانبان ضرورة توسيع التبادل التجاري والثقافي، وتسهيل حركة الأشخاص، ومعالجة المشكلات التي تعوق سلاسل الإمداد والوصول إلى الأسواق، وفق ما نقلته رويترز عن البيان الهندي.
الاقتصاد يسبق السياسة
المصلحة الاقتصادية تبدو أحد أبرز المحركات وراء التقارب الجديد. فقد بلغت التجارة بين البلدين مستوى قياسيا عند نحو 155.6 مليار دولار خلال عام 2025، فيما وصلت الواردات الهندية من الصين إلى نحو 132 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، ما أدى إلى عجز تجاري هندي يتجاوز 100 مليار دولار، بحسب بيانات الجمارك الصينية التي أوردتها رويترز.
لكن هذه الأرقام تكشف في الوقت نفسه عن مشكلة جوهرية. فالهند تريد الاستفادة من السوق الصينية والتكنولوجيا وسلاسل التصنيع، لكنها لا تريد أن يتحول الانفتاح الاقتصادي إلى اعتماد استراتيجي على بكين.
ويرى الباحث الهندي أناند بي كريشنان أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تقوم على مزيج من الاعتماد المتبادل وعدم الثقة وعدم التوازن، مشيرا إلى أن المصالح التجارية أصبحت عاملا مهما في منع تحول المنافسة إلى مواجهة عسكرية شاملة، وفقا لدراسة نشرها مركز الدراسات الآسيوية في جامعة شيف نادر.
ومن هنا تبدو دعوة مودي إلى معالجة «الخلل الهيكلي» في الميزان التجاري محاولة للحصول على مكاسب اقتصادية ملموسة، وليس مجرد احتفال بعودة العلاقات الدبلوماسية.
الحدود.. الاختبار الأصعب
رغم أهمية الاقتصاد، تظل الحدود القضية الأكثر حساسية. فقد أدى اشتباك عام 2020 في وادي جالوان إلى مقتل 20 جنديا هنديا وأربعة جنود صينيين، ودخلت العلاقات بعدها في واحدة من أسوأ أزماتها منذ عقود، بحسب رويترز.
ورغم انخفاض مستوى التوتر العسكري، ما زالت الدولتان تحتفظان بوجود عسكري كبير على طول الحدود البالغ طولها نحو 3800 كيلومتر، بينما لا تزال المفاوضات الخاصة بترسيم الحدود تسير ببطء، وفق رويترز.
ويشير الباحث ساهيب سينغ تشادا، في تحليل نشره معهد كارنيغي الهند، إلى أن استقرار الحدود يأتي في مقدمة أولويات نيودلهي في التعامل مع الصين، يليه الملف الاقتصادي، ثم البحث عن تفاهم سياسي جديد، والتعامل مع المتغيرات الجيوسياسية الدولية.
وهذه الأولويات تعني أن الهند لا تنظر إلى التقارب الاقتصادي باعتباره بديلا عن الحل الحدودي، بل تريد استخدامه إلى جانب إدارة الخلاف العسكري والسياسي.
من إدارة الأزمة إلى إدارة المنافسة
ويرى الباحث جابين تي جاكوب أن ما يجري بين البلدين لا ينبغي وصفه بأنه «إعادة ضبط استراتيجية» كاملة، بل هو أقرب إلى استقرار تكتيكي محدود. فالعلاقات تتحسن مقارنة بمرحلة ما بعد 2020، لكن عوامل المنافسة البنيوية لا تزال قائمة، وفقا لتحليل نشره مركز «ستيب ويل» للدراسات المستقبلية الآسيوية.
وهذا التقييم يفسر طبيعة التحركات الحالية. فنيودلهي وبكين لا تبدوان مستعدتين للتخلي عن التنافس، وإنما تحاولان وضع قواعد تمنع التنافس من التحول إلى صدام.
وقد بدأت بالفعل خطوات عملية في هذا الاتجاه، من بينها استئناف التجارة الحدودية في أغسطس 2026 عبر ثلاثة ممرات بعد توقف استمر ست سنوات. ويرى الباحث إيفان ليداريف أن أهمية هذه الخطوة سياسية ورمزية أكثر من كونها اقتصادية، لأنها تعكس استمرار مسار التهدئة رغم بقاء المنافسة، وفق تحليل نشره معهد دراسات جنوب آسيا بجامعة سنغافورة الوطنية.
عقدة الثقة
أكبر عقبة أمام التقارب هي غياب الثقة. فالهند لا تنظر إلى الصين باعتبارها شريكا اقتصاديا فقط، وإنما منافسا استراتيجيا يمتلك تفوقا عسكريا وصناعيا وتكنولوجيا أكبر.
وفي المقابل، ترى بكين أن تعزيز الهند لقدراتها العسكرية والبنية التحتية على الحدود يرتبط بصورة أوسع بالتنافس الصيني الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويشير تحليل معهد كارنيغي الهند إلى أن الصين ما زالت تمتلك قدرات عسكرية أكبر وموارد واسعة، بينما تعمل الهند على تعزيز انتشارها العسكري وتطوير البنية التحتية والقوات في المناطق الحدودية.
وهذا يجعل أي حادث ميداني محدود قابلا لإعادة إنتاج الأزمة، خصوصا في المناطق التي لا يوجد فيها ترسيم نهائي للحدود.
التجارة بين الفرصة والمخاطرة
المعضلة الاقتصادية لا تقل تعقيدا عن الملف الحدودي. فالهند تحتاج إلى المكونات والآلات والتكنولوجيا الصينية، خصوصا في قطاعات التصنيع والطاقة المتجددة والإلكترونيات، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تقليل اعتمادها على الصين ضمن استراتيجية «صنع في الهند».
ويطرح ذلك معادلة صعبة أمام حكومة مودي: كيف تستفيد من الاستثمارات والتكنولوجيا الصينية من دون منح بكين نفوذا اقتصاديا أكبر من اللازم؟
كما أن الشركات في البلدين لا تزال تواجه مشكلات تتعلق بالتأشيرات والإجراءات البيروقراطية والقيود على المعدات الصناعية والوصول إلى الأسواق، وهي ملفات أكد الجانبان الحاجة إلى معالجتها، بحسب رويترز.
ويرى الخبير في الشؤون الصينية إينار تانغن أن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى وقت، وأن البلدين أمضيا السنوات الأخيرة في محاولة استعادة التواصل تدريجيا، وهو ما يجعل النتائج السريعة أمرا غير واقعي، وفقا لتصريحات نقلتها قناة «إن دي تي في».
البعد الأمريكي
لا يمكن قراءة التقارب الهندي الصيني بعيدا عن التحولات الدولية. فالهند تريد الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بسياسة الاستقلال الاستراتيجي، ولا تريد الانخراط بصورة كاملة في أي محور ضد الصين.
كما أن التوترات التجارية والسياسية المتزايدة مع واشنطن تدفع نيودلهي إلى توسيع خياراتها الدولية، بينما تواجه بكين هي الأخرى ضغوطا أمريكية متواصلة.
وهكذا يصبح الحوار الهندي الصيني جزءا من عملية إعادة تموضع أوسع في النظام الدولي، وليس مجرد ملف ثنائي. كما أن مجموعة بريكس توفر للطرفين منصة للعمل المشترك من دون التخلي عن المنافسة الاستراتيجية.
الصين وباكستان.. ملف حاضر في الخلفية
هناك أيضا عامل يصعب على الهند تجاهله، وهو العلاقة الوثيقة بين الصين وباكستان. فالتعاون الصيني الباكستاني، خصوصا في البنية التحتية والطاقة والدفاع، يمثل أحد مصادر القلق الرئيسية لدى نيودلهي.
وبالتالي، حتى إذا نجحت الهند والصين في تخفيض التوتر على الحدود، فإن العلاقة الصينية الباكستانية ستظل عنصرا مؤثرا في الحسابات الأمنية الهندية.
ومن المرجح أن تواصل نيودلهي التعامل مع بكين بمنطق مزدوج: التعاون في الملفات التي تحقق مصالح مباشرة، والحذر في الملفات المرتبطة بالأمن القومي.
ماذا بعد لقاء مودي وشي؟
السيناريو الأكثر ترجيحا ليس تحالفا هنديا صينيا ولا نهاية للمنافسة، وإنما مرحلة طويلة من «إدارة الخلاف».
وقد تشهد المرحلة المقبلة زيادة في الرحلات وحركة رجال الأعمال والطلاب، وتوسعا تدريجيا في التجارة والاستثمار، واستمرار الحوار العسكري والدبلوماسي بشأن الحدود.
لكن الوصول إلى تسوية نهائية للنزاع الحدودي سيظل أصعب بكثير من إعادة تنشيط التجارة.
ويرى محللون هنود أن التقدم الحقيقي يجب أن يقاس بما يحدث على الأرض، لا بالتصريحات السياسية وحدها. فاستمرار الوجود العسكري المكثف، وبطء المفاوضات الحدودية، وعدم التوازن التجاري، والعلاقة الصينية الباكستانية، كلها عوامل قادرة على إعادة العلاقات إلى التوتر إذا لم تتم إدارتها بحذر، وفق تحليل نشرته صحيفة «إنديان إكسبريس».
التوقعات
خلال الفترة المقبلة، تبدو الهند والصين أمام فرصة لبناء علاقة أكثر استقرارا، لكنها لن تكون علاقة خالية من المنافسة. فالقوتين النوويتين تدركان تكلفة المواجهة، كما تدركان في الوقت ذاته أن التعاون الاقتصادي يمكن أن يوفر مساحة للحوار ويمنع انهيار العلاقات.
لكن نجاح المسار الجديد سيعتمد على ثلاثة اختبارات رئيسية: مدى قدرة الطرفين على خفض الاحتكاك العسكري على الحدود، وقدرة الهند على معالجة العجز التجاري دون قطع ارتباطها بسلاسل الإمداد الصينية، ثم قدرة مودي وشي على بناء مستوى من الثقة يسمح بتحويل التهدئة المؤقتة إلى ترتيبات أكثر استدامة.
وبذلك، فإن لقاء نيودلهي لا يمثل نهاية الخلاف الهندي الصيني، بل بداية محاولة جديدة لترويضه. وقد يكون الهدف الحقيقي للطرفين ليس أن يصبحا حليفين، وإنما أن يتعلما كيفية التنافس من دون الانزلاق إلى مواجهة. وهذا، في ظل امتلاكهما السلاح النووي وثقلهما الاقتصادي والجيوسياسي، قد يكون في حد ذاته إنجازا استراتيجيا كبيرا، بحسب رويترز.