العقوبات الأمريكية والحصار الاقتصادي أوصلا إيران لمرحلة الاختناق .. خياراته صارت محدودة

عراقجي يبحث عن مخرج مع قائد الجيش الباكستاني

دخلت إيران مرحلة شديدة الحساسية في حربها مع الولايات المتحدة، بعدما بدأت آثار العقوبات والحصار البحري تتحول من ضغوط خارجية إلى مشكلة اقتصادية داخلية يصعب تجاهلها.

فبحسب بيانات حديثة، تراجعت صادرات النفط الإيرانية من نحو 1.7 مليون برميل يومياً إلى قرابة 260 ألف برميل، فيما باتت طهران تواجه صعوبة متزايدة في الحصول على العملة الأجنبية وتمويل وارداتها الأساسية. كما سجل التضخم مستويات تقترب من 70%، وهو ما يزيد الضغط على الحكومة ويضع القيادة الإيرانية أمام خيارات أكثر صعوبة

العقوبات والحصار

ولا تكمن المشكلة في العقوبات وحدها، وإنما في ارتباطها بأزمة مضيق هرمز. فالمضيق الذي يمثل شرياناً أساسياً لتجارة الطاقة العالمية يشهد حركة ملاحة محدودة للغاية؛ إذ عبرت أربع سفن للسلع المضيق الخميس، مقابل متوسط يبلغ 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، بينما كانت الحركة قبل الحرب تقترب من 125 سفينة تجارية يومياً.

وهنا تجد طهران نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: إغلاق هرمز يمنحها ورقة ضغط على الولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه يحرمها من جزء مهم من مواردها النفطية ويزيد عزلة اقتصادها.

وفي هذا السياق كانت إيران تراهن على أن التحكم في حركة الملاحة سيجبر واشنطن على تقديم تنازلات، ولذلك طرحت ترتيبات تسمح بمرور السفن مقابل رسوم.

لكن المقترح الإيراني اصطدم بتحفظات سلطنة عمان، التي دفعت باتجاه ترتيبات مختلفة تقوم على إدارة إقليمية للممر ومرور السفن، مع رسوم طوعية بدلاً من فرض رسوم إيرانية مباشرة. كما أشارت تقارير إلى أن المقترح الإيراني كان يتضمن رسوماً تتراوح بين 5 و7% من قيمة الحمولة، وهو ما خلق مشكلات كبيرة أمام شركات الشحن والتأمين.

رفض مسقط لا يمثل مجرد خلاف فني، وإنما يكشف أن إيران لم تعد قادرة بسهولة على تحويل موقعها الجغرافي إلى سيطرة منفردة على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية. كما أن استمرار انخفاض حركة السفن يعني أن الورقة الإيرانية تفقد جزءاً من فعاليتها كلما طال أمد الأزمة.

وفي المقابل، أعلنت واشنطن استعدادها لاستمرار الضغط الاقتصادي والحصار لفترة طويلة، ما يعني أن الرهان الإيراني على إرهاق الولايات المتحدة سريعاً قد لا يحقق النتائج المطلوبة.

خلافات داخل إيران؟

الأكثر أهمية أن الأزمة بدأت تفرض نفسها على القرار السياسي الإيراني. فهناك فارق بين من يرى أن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي يمكن أن يحسن شروط التفاوض، ومن يرى أن استمرار الحرب يهدد الاقتصاد والاستقرار الداخلي.

ومن هنا تكتسب تحركات وزير الخارجية عباس عراقجي أهمية خاصة، خصوصاً مع عودة باكستان إلى دائرة الوساطة. فقد لعبت إسلام آباد دوراً في نقل الرسائل بين طهران وواشنطن خلال مراحل سابقة، فيما تكثفت خلال الأسابيع الماضية جهود الوسطاء الإقليميين لإعادة الطرفين إلى المسار الدبلوماسي.

لكن المشكلة أن واشنطن لا تبدو مستعدة للعودة ببساطة إلى الصيغة السابقة. فالإدارة الأمريكية تريد اتفاقاً أوسع يتناول الملف النووي وقضية الملاحة في هرمز، بينما تسعى طهران إلى ربط فتح المضيق برفع العقوبات والحصار. ولذلك فإن العقبة ليست غياب قنوات الاتصال، وإنما اختلاف الثمن الذي يطلبه كل طرف مقابل التنازل.

تنازلات حتمية

وتفرض هذه التطورتت علي إيران تقديم تنازلات  تريدها واشنطن بالكامل. فإيران ما زالت تملك أوراقاً يمكن استخدامها على طاولة التفاوض، وفي مقدمتها قدرتها على التأثير في أمن الخليج، وعلاقاتها الاقتصادية مع الصين، فضلاً عن موقعها الجغرافي ودورها الإقليمي.

لكن المشكلة أن قيمة هذه الأوراق تنخفض إذا استمر الحصار فترة طويلة. فكلما تقلصت عائدات النفط وازدادت صعوبة توفير العملة الصعبة، أصبحت تكلفة الحرب أعلى على طهران.

ولهذا فإن السيناريو الأكثر واقعية قد يكون تسوية مرحلية لا صفقة شاملة. يمكن أن تتضمن إعادة فتح تدريجية للملاحة، وقف التصعيد، وترتيبات مؤقتة حول البرنامج النووي، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات والسماح بعودة صادرات النفط.

وتملك إيران أيضاً خيار مواصلة الصمود وانتظار تغير الحسابات الأمريكية، خصوصاً أن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الملاحة يفرضان كلفة على الاقتصاد العالمي. لكن هذا الخيار يحمل مخاطرة كبيرة، لأن واشنطن أثبتت حتى الآن استعدادها لمواصلة الضغط، فيما تتزايد الكلفة الاقتصادية على إيران.

بين الاستسلام وكسر الحصار

لذلك فإن طهران لا تبدو أمام خيار وحيد، لكنها أمام خيارات كلها مكلفة: استمرار الحرب يعني مزيداً من الاستنزاف، وتشديد المواجهة يهدد بتوسيع الصراع، بينما التفاوض يتطلب تنازلات قد تواجه اعتراضاً من التيار المتشدد والمؤسسات الأمنية.

والأرجح أن إيران ستسعى إلى حل وسط: لا استسلاماً أمام واشنطن، ولا استمراراً مفتوحاً للحرب، وإنما اتفاق مرحلي تستطيع القيادة تقديمه داخلياً باعتباره تفاوضاً متبادلاً لا رضوخاً للضغوط.

المعضلة أن الوقت قد لا يكون في مصلحة طهران. فكل يوم إضافي من الحصار يضغط على صادرات النفط والعملة والأسواق، وكل يوم إضافي من إغلاق هرمز يهدد بتحويل الورقة التي أرادت إيران استخدامها للضغط على خصومها إلى عامل يضاعف أزمتها.

ومن هنا،  يمكن القول إن اتصال عراقجي بالوسيط الباكستاني ليس بالضرورة علامة ضعف، بل يمكن قراءته باعتباره محاولة إيرانية لإيجاد مخرج قبل أن تصل الأزمة الاقتصادية إلى مرحلة يصبح فيها التفاوض أكثر كلفة من التنازل. والسؤال الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون ما إذا كانت إيران ستفاوض، وإنما *كم ستتنازل، وماذا ستحصل في المقابل

اترك تعليقا