أذربيجان وأوزبكستان تعززان محوراً تركياً جديداً في آسيا الوسطى
تتحرك أنقرة باعتبارها «قوة وسطى» مستخدمة مزيجاً من الدبلوماسية والاقتصاد
- Ali Ahmed
- 30 أغسطس، 2026
- أخبار الأمة الإسلامية, اخبار العالم, المشاريع العالمية
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
تتسارع خلال الأيام الأخيرة خطوات التقارب بين أذربيجان وأوزبكستان، في مسار يتجاوز العلاقات الثنائية إلى إعادة تشكيل طرق النقل والطاقة والتجارة في منطقة تمتد من آسيا الوسطى إلى القوقاز، وتمنح -في الوقت نفسه- تركيا فرصة لتعزيز حضورها الاقتصادي والجيوسياسي في العمق الآسيوي.
وكان الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف قد زار أوزبكستان في 23 أغسطس، حيث وقّع مع الرئيس شوكت ميرضيائيف اتفاقية «الصداقة الأبدية»، إلى جانب إطلاق مشروعات واتفاقات جديدة في مجالات النقل والطاقة والاستثمار والصناعة.
وتزامن ذلك مع اهتمام متزايد بتطوير الروابط بين آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز وتركيا.
ويقول جافيد ولييف، عضو مجلس إدارة مركز التحليل للعلاقات الدولية في أذربيجان، في تحليل نشرته وكالة الأناضول في 28 أغسطس، إن التقارب الأذربيجاني الأوزبكي يمكن أن يوفر لتركيا فرصة لتعزيز ارتباطها بالاقتصاد المتنامي في آسيا الوسطى، خصوصاً عبر مشروعات النقل التي تعبر بحر قزوين.
ويرى أن العلاقة بين باكو وطشقند أصبحت جزءاً من تحولات أوسع في جغرافيا العالم التركي.
لكن القراءة الأكثر حذراً تأتي من داخل مراكز البحث نفسها. فهانده أورتاي، الباحثة في مركز توران للأبحاث، حذرت في تحليل نشرته في يوليو من المبالغة في تقدير قدرة «الممر الأوسط» على تحقيق التحول التجاري المنشود، مشيرة إلى أن الممر الذي يربط الصين بكازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا حقق نمواً فعلياً، لكنه لا يزال يواجه قيوداً في البنية التحتية والقدرة اللوجستية والتنسيق بين الدول.
وهذه النقطة مهمة بالنسبة إلى أوزبكستان تحديداً. فالدولة لا تمتلك منفذاً بحرياً، ولذلك فإن أي محاولة لتوسيع تجارتها مع تركيا وأوروبا تحتاج إلى عبور عدة دول وأنظمة نقل. ولا يكفي توقيع اتفاقات سياسية كي تصبح هذه الطرق منافسة للمسارات التقليدية؛ فتكلفة النقل وسرعة عبور الحدود وقدرة الموانئ والسكك الحديدية على التعامل مع الزيادة في البضائع ستحدد الجدوى الاقتصادية الفعلية.
وتعطي الطاقة بعداً إضافياً لهذا التحول.
فقد أكد وزير الطاقة الأذربيجاني برويز شهبازوف في قمة إسطنبول للموارد الطبيعية في مايو أن التعاون بين أذربيجان وتركيا توسع من النفط والغاز إلى الكهرباء، مع بحث مشروعات لنقل الكهرباء من أذربيجان عبر نخجوان وجورجيا إلى تركيا وأوروبا، وربطها مستقبلاً بمصادر الطاقة في آسيا الوسطى.
لكن الاعتماد على هذا المسار باعتباره مشروعاً بديلاً كاملاً لطرق الطاقة والتجارة القائمة يحتاج إلى الحذر. فالمشروعات العابرة للحدود تتطلب استثمارات ضخمة، واتفاقات طويلة الأجل، واستقراراً سياسياً في جميع الدول التي تمر عبرها. ولذلك فإن القيمة الجيوسياسية للممر قد تكون في الوقت الحالي أكبر من قدرته الاقتصادية الفعلية.
ويذهب تحليل حديث نشره مركز أنقرة للأزمات والسياسات في 29 أغسطس، كتبه البروفيسور محمد سيف الدين إرول، إلى قراءة أكثر تفاؤلاً؛ إذ يعتبر الاتفاق الأذربيجاني الأوزبكي نقطة تحول يمكن أن تعزز محور أنقرة ـ باكو ـ طشقند وتمنح العالم التركي امتداداً جغرافياً واقتصادياً أكبر.
لكن هذا التقييم المتفائل ينبغي وضعه في سياق المنافسة الإقليمية.
فتركيا ليست القوة الوحيدة التي توسع حضورها في آسيا الوسطى. الصين لديها استثمارات واسعة وشبكات نقل وتمويل، وروسيا تحتفظ بعلاقات اقتصادية وأمنية وتاريخية مهمة، بينما تعمل دول أخرى مثل الهند والاتحاد الأوروبي على تطوير روابطها مع المنطقة.
وتشير دراسة أكاديمية حديثة عن الدور التركي في آسيا الوسطى إلى أن أنقرة تتحرك باعتبارها «قوة وسطى»، مستخدمة مزيجاً من دبلوماسية الاتصال، والتعاون الاقتصادي، والمؤسسات التي تجمع الدول الناطقة بالتركية، مع محاولة الحفاظ على قدر من الاستقلال الاستراتيجي في ظل المنافسة بين روسيا والصين والولايات المتحدة.
وهذا يعني أن التعاون التركي الأذربيجاني الأوزبكي لا ينبغي فهمه باعتباره تحالفاً مغلقاً ضد موسكو أو بكين. الأرجح أن الدول الثلاث تحاول زيادة خياراتها، والاستفادة من المنافسة بين القوى الكبرى، وتحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة تفاوضية.
بالنسبة إلى أوزبكستان، قد يكون المكسب الأهم هو فتح طرق وأسواق إضافية أمام صادراتها، خصوصاً مع سعي الحكومة إلى تنويع الاقتصاد وزيادة الصادرات غير التقليدية. وبالنسبة إلى أذربيجان، فإن توسيع علاقاتها مع آسيا الوسطى يزيد أهمية موقعها كمركز عبور بين الشرق والغرب. أما تركيا فتحصل على فرصة لتعزيز دورها كممر تجاري وطاقة يصل القوقاز بآسيا الوسطى وأوروبا.
لكن النجاح سيظل مرهوناً بالاقتصاد الحقيقي لا بالخطاب السياسي. فإذا لم تنخفض تكلفة النقل، ولم تتحسن البنية التحتية، ولم تدخل الشركات الأوزبكية والأذربيجانية والتركية في سلاسل إنتاج مشتركة، فقد تبقى الاتفاقات ذات قيمة سياسية أكبر من قيمتها التجارية.
ومن ثم فإن التطور الأهم في الأيام المقبلة ليس عدد الاتفاقات التي وقعتها باكو وطشقند، بل ما إذا كانت هذه الاتفاقات ستتحول إلى مصانع وممرات نقل وشبكات كهرباء واستثمارات مشتركة. عندها فقط يمكن الحديث عن تحول فعلي في مركز الثقل الاقتصادي للعالم التركي.
أما في الوقت الراهن، فإن ما يتشكل هو اتجاه استراتيجي واعد لكنه لم يكتمل بعد: أذربيجان تقترب أكثر من آسيا الوسطى، وأوزبكستان تنفتح على القوقاز وتركيا، وأنقرة تحاول تحويل الروابط الثقافية إلى شبكات اقتصادية، بينما تراقب روسيا والصين هذا التحول وتحتفظان بأدوات نفوذ قوية في المنطقة.
*المصادر:
-وكالة الأناضول، تحليل جافيد ولييف، عضو مجلس إدارة مركز التحليل للعلاقات الدولية في أذربيجان، 28 أغسطس 2026.
-مركز أنقرة للأزمات والسياسات، تحليل البروفيسور محمد سيف الدين إرول، 29 أغسطس 2026.
-مركز توران للأبحاث، تحليل هانده أورتاي حول تركيا والممر الأوسط، 24 يوليو 2026.
-وزارة الطاقة الأذربيجانية، تصريحات وزير الطاقة برويز شهبازوف حول التعاون مع تركيا وممرات الطاقة، 22 مايو 2026.
-دراسة أكاديمية منشورة في مجلة Frontiers in Political Science حول الدور التركي في آسيا الوسطى، 2026.