السعودية توسع الزراعة المستدامة لمواجهة شح المياه

كيف يمكن إنتاج غذاء محلي من دون استنزاف الموارد المائية؟

الرائد//تتحرك السعودية باتجاه إعادة صياغة قطاع الزراعة من خلال التركيز على كفاءة استخدام المياه والاستدامة، في وقت تعرضت فيه قضية الأمن الغذائي لضغوط متزايدة بسبب الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج وتغير المناخ.

وفي 28 أغسطس 2026 أعلنت مبادرة «استدامة» السعودية عن عرض ابتكارات جديدة في الزراعة المستدامة وكفاءة استخدام المياه، ضمن التحضيرات المرتبطة بمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، الذي تستضيفه الرياض. ويتركز المشروع على تقنيات تساعد المزارعين على خفض استهلاك المياه وتحسين الإنتاج في بيئة شديدة الجفاف.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأن السعودية تعتمد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية ومصادر التحلية، بينما تستهلك الزراعة جزءاً كبيراً من الموارد المائية. ولذلك لم تعد زيادة الإنتاج الزراعي هدفاً منفرداً، بل أصبحت مرتبطة بالسؤال الأكثر صعوبة: كيف يمكن إنتاج غذاء محلي من دون استنزاف الموارد المائية؟

ويقول خبراء في مجال الأمن الغذائي إن التكنولوجيا وحدها لن تكون كافية. فالتحول الحقيقي يحتاج أيضاً إلى تغيير نوعية المحاصيل، وتوسيع الزراعة المحمية، وتحسين شبكات الري، وتقليل فاقد الغذاء، وربط الدعم الحكومي بمقدار المياه التي يستهلكها المنتج.

وتشير تجربة السعودية خلال السنوات الماضية إلى أن تحقيق الاكتفاء الغذائي الكامل ليس بالضرورة الخيار الأكثر كفاءة اقتصادياً في بلد محدود المياه. والأكثر واقعية هو بناء مزيج بين الإنتاج المحلي للمحاصيل المناسبة للبيئة، والاستثمار الزراعي الخارجي، وتطوير سلاسل تخزين ونقل تقلل الفاقد.

وفي هذا السياق، يمثل ملف المياه اختباراً مهماً لسياسات «رؤية 2030». فنجاح التحول الاقتصادي لا يتعلق فقط بإنشاء صناعات جديدة، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على إدارة مواردها الطبيعية المحدودة بكفاءة.

ويكتسب الموضوع بعداً إقليمياً أوسع، لأن دول الخليج تواجه المشكلة نفسها بدرجات متفاوتة. فالحرارة المرتفعة وشح الأمطار وارتفاع تكلفة التحلية تجعل الأمن الغذائي مرتبطاً مباشرة بالطاقة والمياه والتجارة الدولية.

كما أن الاستثمار في تقنيات الزراعة الدقيقة والري الذكي يمكن أن يخلق قطاعاً اقتصادياً جديداً بدلاً من التعامل مع الزراعة باعتبارها عبئاً على الموارد. لكن نجاح هذا المسار يتطلب أن تصل التكنولوجيا إلى المزارع نفسه، لا أن تبقى محصورة في المشروعات الكبرى.

ويحذر خبراء البيئة من أن التوسع الزراعي غير المدروس في المناطق الجافة يمكن أن يؤدي إلى استنزاف المياه الجوفية وتدهور التربة. ولذلك فإن مفهوم الأمن الغذائي ينبغي أن يتغير من «إنتاج أكبر» إلى «إنتاج أكثر كفاءة».

وتشير الخطوة السعودية الجديدة إلى هذا التحول؛ فالمعادلة لم تعد زيادة مساحة الأراضي المزروعة، وإنما زيادة كمية الغذاء الناتجة عن كل وحدة مياه وطاقة وأرض.

وقد تصبح هذه التجربة ذات أهمية للدول العربية الأخرى، خصوصاً مصر وتونس والجزائر وليبيا والعراق، حيث تتقاطع الضغوط المائية مع الحاجة إلى رفع الإنتاج الغذائي. لكن نقل التجربة السعودية حرفياً لن يكون ممكناً؛ إذ تختلف الموارد المائية والمناخ والبنية الزراعية من بلد إلى آخر.

وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي أمام السعودية هو تحويل الابتكار الزراعي إلى خفض فعلي ومستدام في استهلاك المياه، مع الحفاظ على دخل المزارعين وقدرة السوق على توفير الغذاء بأسعار معقولة. وإذا تحقق ذلك، فقد يصبح قطاع الزراعة جزءاً من الحل البيئي والاقتصادي، بدلاً من أن يكون أحد مصادر الضغط على الموارد.

المصادر والتاريخ:

عرب نيوز، تغطية مبادرة «استدامة» والابتكارات الزراعية وكفاءة المياه، 28 أغسطس 2026.

المملكة العربية السعودية، مبادرات الاستدامة الزراعية والأمن الغذائي، أغسطس 2026.

اترك تعليقا