عمال السيارات الكنديون في مرمى الحرب التجارية
4600 عامل أمام اختبار الرسوم والاستثمار
- محمود الشاذلي
- 23 أغسطس، 2026
- اخبار العالم, تقارير وترجمات
- الحرب التجارية, صناعة السيارات الكندية, عمال السيارات الكنديون, كندا والولايات المتحدة
دخلت صناعة السيارات الكندية مرحلة جديدة من عدم اليقين، بالتزامن مع تصاعد المواجهة التجارية بين كندا والولايات المتحدة، رغم نجاح نقابة «يونيفور» في التوصل إلى اتفاقات مبدئية مع شركتي «جنرال موتورز» و«فورد» لصالح نحو 4600 عامل في عدد من مصانع ومواقع الشركتين في مقاطعة أونتاريو.
وأعلنت النقابة، في 22 أغسطس 2026، التوصل إلى الاتفاقات التي تشمل العاملين في مصنع تجميع أوشاوا، ومصنع «كامي» في إنغيرسول، إلى جانب مواقع في سانت كاثرينز ووودستوك، في خطوة تمنح آلاف العمال قدراً من الاستقرار في توقيت تواجه فيه الصناعة ضغوطاً متزايدة بفعل النزاع التجاري مع الولايات المتحدة.
وتكتسب هذه الاتفاقات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة صناعة السيارات في كندا، التي لا تقتصر على مصانع التجميع، وإنما تمتد إلى شبكة واسعة من شركات تصنيع المكونات وقطاعات النقل والخدمات الهندسية والموردين والشركات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالإنتاج.
وبالتالي، فإن أي اضطراب طويل في حركة التجارة بين كندا والولايات المتحدة يمكن أن يتجاوز تأثيره الرسوم الجمركية المباشرة، ليصل إلى قرارات الشركات المتعلقة بالإنتاج والاستثمار والتوظيف.
الرسوم تضغط على القطاع
وتزامن الإعلان عن الاتفاقات العمالية مع تصعيد جديد في الخلاف التجاري بين أوتاوا وواشنطن، بعدما وصلت المفاوضات بين البلدين إلى طريق مسدود.
وأعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن بلاده ستفرض، اعتباراً من 8 سبتمبر المقبل، رسوماً انتقامية على مجموعة من السلع الأميركية، وفق مبدأ «دولار مقابل دولار»، رداً على الرسوم التي فرضتها الولايات المتحدة على منتجات كندية.
ويضع التصعيد صناعة السيارات في موقف شديد الحساسية، نظراً إلى اعتمادها على سلاسل إمداد عابرة للحدود. فالمكونات قد تنتقل أكثر من مرة بين المصانع الكندية والأميركية قبل وصول السيارة إلى مرحلة الإنتاج النهائي، ما يجعل أي زيادة في تكاليف التجارة قادرة على التأثير في تكلفة الإنتاج وهوامش الشركات وقدرتها على المنافسة.
ولا تتوقف المخاطر عند الرسوم نفسها، إذ قد يؤدي استمرار حالة عدم اليقين إلى دفع الشركات إلى تأجيل قرارات استثمارية جديدة، انتظاراً لاتضاح مستقبل قواعد التجارة بين البلدين.
قطاع يتغير قبل اكتمال المواجهة
وتواجه صناعة السيارات الكندية تحديات تتجاوز النزاع التجاري الحالي. فالقطاع يشهد في الوقت نفسه تحولاً عالمياً متسارعاً نحو السيارات الكهربائية، وإعادة توزيع الاستثمارات، وتغيير مواقع سلاسل توريد البطاريات والمكونات.
وهذا يعني أن الشركات العاملة في كندا مطالبة بالتعامل مع أكثر من ضغط في الوقت نفسه: الحفاظ على قدرتها التنافسية في مواجهة الرسوم، والاستثمار في التكنولوجيا الجديدة، وضمان استقرار سلاسل الإمداد، والحفاظ على العمالة.
ومن هنا، فإن مستقبل الوظائف في القطاع لن يتحدد فقط من خلال الاتفاقات الجماعية بين النقابات والشركات، وإنما أيضاً من خلال القرارات التي ستتخذها شركات السيارات بشأن مواقع الإنتاج وحجم الاستثمارات خلال السنوات المقبلة.
دعم سياسي واسع
وتعكس مواقف قطاع الأعمال والحكومات المحلية اتساع نطاق الأزمة داخل كندا.
وقال دانيال تيش، رئيس غرفة تجارة أونتاريو ومديرها التنفيذي، في بيان صدر في 22 أغسطس، إن الغرفة تؤيد موقف الحكومة الفيدرالية وحكومات المقاطعات في التعامل مع التطورات التجارية مع الولايات المتحدة.
ويعكس هذا الموقف معضلة الشركات الكندية؛ فهي من جهة بحاجة إلى الحفاظ على وصولها إلى السوق الأميركية، ومن جهة أخرى تطالب الحكومة باتخاذ إجراءات تحمي الاقتصاد من تداعيات الرسوم وتوفر بيئة تجارية أكثر استقراراً.
وفي مانيتوبا، أعلن رئيس حكومة المقاطعة واب كينو دعمه للموقف الفيدرالي تجاه الرسوم الأميركية، واعتبر الإجراءات الأميركية غير مبررة.
ويشير تلاقي مواقف الحكومة الفيدرالية وحكومات المقاطعات والاتحادات العمالية وقطاع الأعمال إلى أن المواجهة التجارية تحولت إلى قضية اقتصادية وسياسية داخلية تتجاوز حدود السياسة التجارية للحكومة المركزية.
الوظائف ليست التحدي الوحيد
ورغم أهمية الاتفاقات التي توصلت إليها «يونيفور» مع «جنرال موتورز» و«فورد»، فإنها لا تعالج التحدي الأكبر الذي تواجهه صناعة السيارات الكندية.
فالوظائف التي جرى تأمينها بموجب الاتفاقات تعتمد في النهاية على استمرار المصانع في العمل بكفاءة، وعلى قدرة الشركات على بيع منتجاتها في الأسواق الرئيسية، فضلاً عن استمرار تدفق المكونات بين كندا والولايات المتحدة دون تكاليف تعرقل الإنتاج.
وكلما طال أمد النزاع التجاري، ارتفعت احتمالات أن تعيد الشركات تقييم خططها الاستثمارية، خصوصاً بالنسبة للمشروعات الجديدة التي تحتاج إلى سنوات لاسترداد تكلفتها.
وقد يكون تأثير هذه القرارات أكثر أهمية على المدى الطويل من التكلفة المباشرة للرسوم، لأن تأجيل الاستثمار قد يعني تباطؤ توسع المصانع أو نقل بعض خطوط الإنتاج إلى أسواق أكثر استقراراً.
تنويع الأسواق.. مهمة صعبة
وتحاول الحكومة الكندية تقليل اعتمادها على السوق الأميركية من خلال توسيع العلاقات التجارية والاستثمارية مع أسواق أخرى.
وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن كندا أبرمت أكثر من 20 اتفاقاً جديداً خلال العام الماضي في إطار جهودها لتنويع علاقاتها التجارية.
لكن تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة لن يكون مهمة سهلة، نظراً إلى الحجم الكبير للتجارة بين البلدين، والتشابك العميق بين سلاسل الإنتاج، خصوصاً في قطاع السيارات.
ولهذا، فإن بناء أسواق بديلة قد يوفر لكندا مساحة أكبر للمناورة على المدى الطويل، لكنه لن يقدم حلاً سريعاً للشركات التي تعتمد بالفعل على السوق الأميركية وسلاسل الإمداد الممتدة عبر الحدود.