كازاخستان تختبر برلمانها الجديد اليوم

أول انتخابات لمجلس «قورولتاي»

الرائد// تتجه كازاخستان اليوم الأحد 23 أغسطس 2026 إلى اختبار سياسي جديد مع بدء التصويت في أول انتخابات لمجلس «قورولتاي»، البرلمان الجديد ذي الغرفة الواحدة، في اقتراع يأتي بعد أشهر من إقرار دستور جديد أعاد تنظيم مؤسسات الدولة وألغى النظام البرلماني ذي الغرفتين.

وبدأت مراكز الاقتراع فتح أبوابها في مختلف أنحاء البلاد صباح اليوم، على أن يستمر التصويت حتى الساعة الثامنة مساء بالتوقيت المحلي. وتعد هذه الانتخابات أول تطبيق عملي للنظام الدستوري الجديد الذي دخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو، بعد الاستفتاء الدستوري الذي جرى في مارس.

ويضم النظام الانتخابي الجديد سبعة أحزاب مسجلة للمنافسة على مقاعد المجلس، بينها حزب «أديليت»، والحزب الاشتراكي الديمقراطي الوطني، وحزب الخضر «بايتاك»، وحزب الشعب، وحزب «أويل»، والحزب الديمقراطي «أك جول»، وحزب «ريسـبوبليكا». وأعلنت اللجنة المركزية للانتخابات رسمياً ترتيب الأحزاب على بطاقات الاقتراع.

ويقول الرئيس قاسم جومارت توكاييف إن الانتخابات تمثل بداية مرحلة جديدة في عملية الإصلاح السياسي، وإن تطبيق الدستور الجديد يهدف إلى بناء ما تسميه الحكومة «كازاخستان العادلة». وفي خطاب وجهه إلى المواطنين قبل الانتخابات، وصف توكاييف الاقتراع بأنه حدث تاريخي، وربطه باستمرار الإصلاحات التي بدأتها الدولة خلال السنوات الأخيرة.

لكن أهمية الانتخابات لا تتوقف عند إعادة تشكيل البرلمان. فالاقتراع يجري في ظل تغييرات واسعة في بنية السلطة، إذ حل البرلمان السابق بغرفتيه محل مؤسسة تشريعية جديدة ذات غرفة واحدة، كما استحدث الدستور منصب نائب الرئيس. وترى وكالة رويترز أن هذه التحولات قد تؤدي عملياً إلى زيادة نفوذ توكاييف داخل النظام السياسي، خصوصاً بعد التعديلات الدستورية التي أتاحت له الترشح لولاية إضافية.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في التجربة الكازاخية. فالحكومة تقدم الإصلاح الدستوري باعتباره انتقالاً نحو مؤسسات أكثر كفاءة وتمثيلاً، بينما يرى منتقدون أن تقليص عدد مؤسسات السلطة التشريعية وتغيير قواعد النظام السياسي لا يعني بالضرورة توسيع المنافسة السياسية.

وتزداد هذه المخاوف بسبب أوضاع الإعلام المستقل. فقد نشرت «لجنة حماية الصحفيين» قبل يومين تقريراً قالت فيه إن الصحفيين المستقلين في كازاخستان تعرضوا لضغوط وصفتها بأنها غير مسبوقة، شملت ملاحقات جنائية وحظراً مهنياً ومشكلات قانونية، وطالبت بزيادة التدقيق الدولي في وضع حرية الصحافة خلال الانتخابات.

كما أن قضية الإعلام اكتسبت أهمية إضافية قبل التصويت بعدما صدر حكم بسجن الصحفية غولنارا باجكينوفا، المؤسسة السابقة ورئيسة تحرير موقع «أوردا كيه زد»، لمدة ثماني سنوات، مع منعها من ممارسة الصحافة لخمس سنوات، وفق تقارير حقوقية وإعلامية حديثة. وأعلنت باجكينوفا أنها ستطعن في الحكم.

في المقابل، تحاول السلطات إبراز الانتخابات باعتبارها عملية مفتوحة أمام المراقبة الدولية. فقد حصل 777 مراقباً أجنبياً من 42 دولة و13 منظمة دولية على اعتماد لمتابعة الاقتراع، بينهم 138 برلمانياً من 41 دولة. كما يشارك مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا في مراقبة العملية الانتخابية.

وتشير استطلاعات محلية إلى اهتمام ملحوظ بالمشاركة. فقد أظهر استطلاع أجراه معهد التنمية العامة في كازاخستان وشمل 1200 شخص في جميع المناطق السبع عشرة والمدن الكبرى أن 73.8 بالمئة من المشاركين قالوا إنهم يعتزمون التصويت. لكن هذه النسبة تعكس نوايا المشاركة قبل الاقتراع ولا يمكن اعتبارها توقعاً نهائياً لنسبة التصويت الفعلية.

ويرى الدكتور ريكاردو بيليتسو، الباحث المتخصص في المؤسسات السياسية والبرلمانية، أن نسبة المشاركة قد تكون عاملاً أكثر أهمية من بعض تفاصيل القواعد الانتخابية في تحديد طبيعة البرلمان المقبل. وتأتي هذه القراءة في وقت تحاول فيه السلطات إثبات أن النظام الجديد قادر على إنتاج مؤسسة تشريعية تتمتع بقدر أكبر من الشرعية الشعبية.

اقتصادياً، تدخل كازاخستان الانتخابات وهي تحاول الحفاظ على معدل نمو مرتفع والاستفادة من موقعها بين الصين وروسيا وأوروبا، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً مرتبطة بالتضخم والضرائب وتكاليف المعيشة. وتلفت رويترز إلى أن النمو الاقتصادي استفاد جزئياً من إعادة توجيه بعض طرق التجارة نتيجة الحرب في أوكرانيا، لكن ذلك لا يلغي الضغوط التي يشعر بها المواطنون داخل البلاد.

ومن ثم فإن الاختبار الحقيقي للبرلمان الجديد لن يكون في يوم التصويت وحده. فبعد إعلان النتائج ستواجه المؤسسة التشريعية الجديدة أسئلة تتعلق بمدى قدرتها على ممارسة رقابة فعلية على الحكومة، ومدى تنوع القوى السياسية داخلها، وما إذا كانت الإصلاحات الدستورية ستؤدي إلى توسيع المشاركة السياسية أم إلى إعادة ترتيب السلطة حول الرئاسة.

وتقف كازاخستان بذلك أمام مرحلة سياسية جديدة تجمع بين إصلاحات مؤسسية واسعة واستمرار انتقادات تتعلق بالتعددية السياسية وحرية الإعلام. وستحدد نتائج انتخابات اليوم، وطريقة تعامل السلطات مع المراقبين والمعارضة والصحافة خلال المرحلة التالية، ما إذا كان «قورولتاي» سيصبح فعلاً برلماناً أكثر فاعلية وتمثيلاً، أم سيبقى التغيير الأساسي في شكل المؤسسات أكثر منه في توزيع النفوذ السياسي.

المصادر :

وكالة «قازإنفورم»، بدء أول انتخابات لمجلس قورولتاي، 23 أغسطس 2026.

منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، متابعة الانتخابات البرلمانية الكازاخية، 23 أغسطس 2026.

وكالة رويترز، الانتخابات البرلمانية المبكرة وإعادة تشكيل النظام السياسي في كازاخستان، 20 أغسطس 2026.

لجنة حماية الصحفيين، تقرير عن الضغوط على الصحافة المستقلة في كازاخستان، 21 أغسطس 2026 .

معهد التنمية العامة في كازاخستان، استطلاع نوايا المشاركة في انتخابات قورولتاي، أغسطس 2026.

اترك تعليقا