ماذا لو حدث الانفجار الاقليمي الاكبر ؟

بين تهديدات الخارج وألغام الداخل

عبد الله السحيم يكتب

ماذا لو حدث الانفجار الاقليمي الاكبر ؟
(بين تهديدات الخارج وألغام الداخل )
—-
(تركيا – سوريا – لبنان – الاردن – فلسطين – مصر)…..السيناريو الحتمي…الزمن يحدد المنتصر!

أي دولة في العالم لديها خلايا نائمة ومشكلات تنتظر الفرصة للتحرك… وهذه الخلايا والمشكلات أشبه بـ«ألغام» مدفونة داخل الدول وحولها، تبقى ساكنة في الظروف الطبيعية، لكن أي حالة ضعف أو حرب أو تغافل قد تجعلها تنفجر دفعة واحدة.

خذ إسرائيل مثلًا…

لديها قنبلة اسمها الضفة الغربية… وأخرى اسمها غزة… وأخرى في الشمال مرتبطة بالجنوب اللبناني… وأخرى تتشكل في الجنوب السوري.

وفوق ذلك لديها مشكلات بنيوية داخلية… من الانقسام السياسي والمجتمعي إلى مشكلة الطبقة الدينية المتشددة التي يرفض جزء منها الانخراط في الجيش، وصولًا إلى أزمة الاحتياط والاستنزاف العسكري.

أي حالة ضعف إسرائيلية قد تجعل أكثر من قنبلة تنفجر في الوقت نفسه…وهذا أحد الأسباب التي جعلت إسرائيل تتحول تدريجيًا إلى دولة أمنية تضع إصبعها على الزناد كل يوم تقريبًا.

لكن سوريا أيضًا لديها ألغامها…فلول النظام… قسد… ميليشيات الهجري… د١١عـ.ـش… الفقر… إعادة الإعمار… ومحاولة إعادة بناء مؤسسات دولة خرجت لتوها من حرب طويلة.

وتركيا لديها ألغامها كذلك…حزب العمال… التضخم والمشكلات الاقتصادية… ملف «الوطن الأزرق» وشرق المتوسط… والتحالف الإسرائيلي مع اليونان وقبرص.

والأردن أيضًا لديه مجموعة من الألغام…الاقتصاد… المياه… التركيبة السكانية الحساسة… وفوق ذلك كله وجوده وسط إقليم ملتهب أصلًا.

لذلك هناك نظرية جميلة في العلاقات الدولية طرحها الباحث السياسي ستيفن ديفيد تسمى «الموازنة الشاملة»… وفكرتها ببساطة أن الدولة عندما تتخذ قراراتها وتحالفاتها لا تنظر فقط إلى التهديد الخارجي، بل تضع أمامها في الوقت نفسه التهديدات ونقاط الضعف الموجودة في الداخل.

أي أن القائد الاستراتيجي لا ينظر أمامه فقط ويسأل: من هو عدوي؟… بل ينظر خلفه أيضًا ويسأل: ماذا سيحدث داخل دولتي إذا دخلت هذه المواجهة؟ ومن سيتحرك؟ وأي مشكلة داخلية يمكن لخصمي استغلالها؟

وهذا بالضبط ما أسميه هنا «ألغام الدول»…

هذه المشكلات يا أخي لا تبقى في تقارير الحكومات فقط…بل توضع باستمرار على طاولة الحسابات العسكرية والاستراتيجية، وتصبح جزءًا أساسيًا من قرار الحرب والسلم.

فالدولة لا تسأل فقط: كم طائرة يمتلك خصمي؟

بل تسأل: ما المشكلات الموجودة داخله؟ ما الجبهات التي ستفتح عليه؟ وما المشكلات الموجودة عندي أنا إذا بدأت الحرب؟

خذ الأردن مثلًا…الأردن يقاوم بشدة أي مشروع لتهجير الفلسطينيين من الضفة وإقامة ما يسمى «الوطن البديل»… لأن إسرائيل بذلك قد تحاول التخلص من مشكلة ديموغرافية وأمنية لديها، لكنها في المقابل تنقل المشكلة إلى داخل الأردن وتخلق له معضلة سكانية وأمنية ضخمة.

ومصر ترفض تهجير أهل غزة إلى سيناء للسبب نفسه… لا أحد يريد أن يحل الاحتلال مشكلته الداخلية عبر تفجير مشكلة داخل دولة أخرى.

ورغم صعوبة المشهد الإسرائيلي كله… تستطيع إسرائيل ترتيب ألغامها حسب الأولوية.

قد تؤجل التعامل مع معضلتها مع الاردن… ليس لانها لا تريد بل لأنها ترى أن الجنوب اللبناني أو الجنوب السوري أخطر في هذه اللحظة…لذلك دعم جبهة سوريا ضد الاحتلال يجب ان تكون اولوية اردنية اليوم…

وهنا نصل إلى سوريا…البعض يسأل: لماذا لا ترد سوريا على التوغلات الإسرائيلية وتفتح الجبهة؟

لأن الحساب الحقيقي ليس بهذه البساطة.

إذا تجاوبت سوريا مع الاستفزازات والتوغلات الإسرائيلية وفتحت جبهة مباشرة مع إسرائيل….إسرائيل حتمًا ستدفع ثمنًا باهضا… وقد يصل، إلى عشرة أو عشرين ضعف ما دفعته في غزة، أو أربعين ضعف ما دفعته في جنوب لبنان.

لأنك لا تتحدث هنا عن غزة المحاصرة…بل عن سوريا بمساحتها وجغرافيتها وعمقها البشري وحدودها الطويلة.

ستغرق إسرائيل بالمسيّرات السورية… وستدخل في استنزاف عسكري واسع… وستضطر إلى تعبئة قواتها واستدعاء أعداد ضخمة من الاحتياط… وقد تخسر آلاف الجنود إذا تحولت المواجهة إلى حرب طويلة ومفتوحة.

لكن ليست هنا القصة…

سوريا نفسها ستدفع ثمنًا مرعبًا….قد تتعرض بنيتها التحتية والمدن والمنشآت العسكرية وحتى المدنية لضربات واسعة… وقد تُفتح ألغام الداخل كلها في اللحظة نفسها.

قسد من جهة…ميليشيات الهجري من جهة…فلول النظام…د١١عـ.ـش…والصراعات الداخلية التي تنتظر أي فراغ أمني.

وقد يصل السيناريو الأسوأ إلى تقسيم سوريا رسميًا إلى عدة كيانات… كتلة سنية، وكتلة علوية، وكتلة كردية، ومناطق أخرى متنازع عليها.

وعندها لن تبقى تركيا تتفرج…قد تضطر للدخول بصورة مباشرة لأن انهيار سوريا أو تقسيمها سيصبح تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

وحتى الفصائل الشيعية في العراق قد تجد لنفسها دورًا في المشهد…وعندها لن نكون أمام حرب سورية–إسرائيلية فقط…بل أمام انفجار إقليمي كامل.

وهنا تفهم لماذا تحاول سوريا اليوم ألا تدوس على اللغم قبل أن تفككه.

توحيد الأرض أولًا…حل الملفات الداخلية…بناء الجيش… تقوية الاقتصاد…تثبيت الدولة…تعميق التحالف مع تركيا… وتوسيع شبكة العلاقات الإقليمية والدولية.

وفي المقابل إسرائيل تعرف جيدًا أن الزمن ليس محايدًا… فسوريا التي تستطيع إسرائيل مواجهتها اليوم ليست سوريا نفسها التي قد تضطر إلى مواجهتها بعد خمس أو عشر سنوات إذا نجحت دمشق في بناء جيشها واقتصادها وتحالفاتها.

وهنا أصل للفكرة الاخطر…الحرب ليست قرار وشكرا… الحرب هي سؤال كبير… “من يستطيع الدخول فيها دون أن تنفجر ألغامه قبل ألغام خصمه؟”.

لذلك اعتقد ان الادارة السورية ستدخل هذا الحرب لكن عندما تكون الدولة السورية موحدة رسميا والالغام الداخلية منتهية ولو جزئيا…واعتقد ان الاردن يجب ان تكون الى جانب سوريا وكذلك تركيا… وحتى مصر… هذه قراءة محايدة…وهذا الكيان بمعزل عن مشروعه التدميري وهواجسه الامنية الا انه يعيش في حالة انفصام جغرافي، ويعاني من لعنة الارض وافضل ما يمكن حاليا فعله لسوريا هو ترتيب البيت الداخلي..

اترك تعليقا